الثلاثاء 20 أغسطس 2019 الموافق 19 ذو الحجة 1440
ads
ماجد حبته
ماجد حبته

عنصرية ريجان ليست استثناءً

الجمعة 02/أغسطس/2019 - 07:51 م
طباعة

الرئيس الأربعون للولايات المتحدة الأمريكية، كان ممثلًا، قبل أن يترك التمثيل فى السينما، وينتقل إلى التمثيل فى الواقع، ويصبح حاكمًا لولاية كاليفورنيا سنة ١٩٦٦، ثم يرشحه الحزب الجمهورى لرئاسة الولايات فى ١٩٦٨، ثم فى ١٩٧٦، وصولًا إلى دخوله البيت الأبيض بعد انتخابات ١٩٨٠ التى تغلب فيها على منافسه جيمى كارتر، الرئيس الأمريكى التاسع والثلاثين، ليصبح أكبر الرؤساء الأمريكيين سنًا، حتى انتزع منه دونالد ترامب ذلك اللقب.
استمر حكم دونالد ريجان منذ يناير ١٩٨١ إلى يناير ١٩٨٩، وترك موقعه وهو فى الثامنة والسبعين من عمره. وكان أول رئيس منذ عهد دوايت أيزنهاور، يتولى الرئاسة لفترتين كاملتين، بعد فشل خمسة رؤساء قبله فى تحقيق ذلك. وسنة ٢٠٠٠ تم نشر مكالمة أجراها حين كان حاكمًا لولاية كاليفورنيا مع الرئيس الأمريكى الأسبق، ريتشارد نيكسون، مع حذف عدة عبارات بزعم «الحفاظ على الخصوصية». لكن بعد وفاته سنة ٢٠٠٤، استصدر تيم نافتالى، الباحث فى التاريخ الأمريكى، قرارًا قضائيًا بنشرها كاملة، وضمها إلى مكالمات ووثائق أخرى دافع فيها «ريجان» عن التمييز العنصرى فى جنوب إفريقيا وروديسيا، أواخر سبعينيات القرن الماضى.
فى هذه المكالمة التى جرت سنة ١٩٧١، وأعيد نشرها منذ أيام، يصف ريجان أعضاء بعثة تنزانيا لدى الأمم المتحدة بأنهم قرود، تعليقًا على قيام البعثة بالرقص فى مقر الأمانة العامة للمنظمة الدولية، بعد رفض مشروع قرار تقدمت به الولايات المتحدة للاعتراف بدولة «تايوان» عقب صدور القرار الأممى رقم ٢٧٥٨ لسنة ١٩٧١ الذى قضى بأحقية «جمهورية الصين الشعبية» فى مقعد «جمهورية الصين الأولى» بالجمعية العامة وفى مقعدها الدائم بمجلس الأمن.
جمهورية تنزانيا الاتحادية، التى تقع شرق وسط إفريقيا، كان يرأسها فى ذلك الوقت جوليوس نيريرى الذى وصفه الرئيس جمال عبدالناصر، فى مؤتمر جمعهما بالقاهرة، بأنه «أحد الأفارقة العظام» و«تلميذ شعبه ومعلمه». و«نيريرى» كان عظيمًا فعلًا، ليس فقط لأنه قاد النضال فى بلاده ضد الاستعمار البريطانى، ولكن أيضًا لأنه أحد الآباء المؤسسين لـ«منظمة الوحدة الإفريقية»، «الاتحاد الإفريقى» لاحقًا. ولأن تحت قيادته توحدت تنجانيقا وزنجبار، سنة ١٩٦٤، لتنشأ جمهورية «تنزانيا» الاتحادية، التى ظل يرأسها، حتى تخلى عن الحكم طواعية سنة ١٩٨٥. ولو عدت إلى مقال سابق عنوانه «عظماء إفريقيا الخمسة» ستجده واحدًا منهم.
رئيس قام بتوحيد بلاده لن يوافق طبعًا على انفصال مدينة عن دولة صديقة، وعليه كان طبيعيًا أن تصوت بعثة تنزانيا ضد مشروع القرار الأمريكى، وأن يفرح أعضاؤها بعد انتهاء التصويت. الأمر الذى أغضب الرئيس الأمريكى وحاكم كاليفورنيا، ودفع الأخير إلى أن يقول فى مكالمة تليفونية مع الأول: «هؤلاء القرود الأفارقة، عليهم اللعنة. إنهم ما زالوا غير قادرين على ارتداء الأحذية». أما نيكسون الذى أضحكه هذا الانحطاط، فقد أضاف إليه مزيدًا من الانحطاط، فى مكالمة تليفونية تم نشرها أيضًا، أجراها فى اليوم التالى مع وليام روجرز، وزير خارجيته، بأن قال له ضاحكًا: «ريجان يقول إنه شاهد آكلى لحوم البشر فى التليفزيون أمس».
منذ يومين، قاطع «التحالف التشريعى للسود» فى ولاية فيرجينيا زيارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للولاية بسبب اتهامهم له بالعنصرية ومعاداة الأجانب. وكان ترامب يزور الولاية للمشاركة فى الاحتفال بالذكرى الـ٤٠٠ لاجتماع أول جمعية تمثيلية، أو أول مجلس محلى فى الولايات المتحدة، أو فى أول مستعمرة بريطانية فيها، مستعمرة جيمس تاون، وهو اليوم الذى يصفونه بعيد الديمقراطية. والمفارقة هى أن الرئيس الأمريكى أثناء مغادرته البيت الأبيض للذهاب إلى الولاية وصف نفسه بأنه «أقل الناس عنصرية فى العالم».
الوصف صحيح جزئيًا، أو قياسًا بالرؤساء الأمريكيين السابقين، لو استثنينا جون كينيدى الذى قتلوه، والرئيس ليندون جونسون الذى حاول إلغاء التفرقة العنصرية، وأصدر قانونًا يضمن العدل والمساواة بين الأعراق والألوان والجنسين فى الولايات المتحدة الأمريكية. ونقول «حاول»، لأن التفرقة العنصرية لا تزال مسيطرة على المجتمع الأمريكى. وظلت مستمرة حتى بعد وصول أمريكى أسود إلى البيت الأبيض. وشهد عهد باراك أوباما، أيضًا، تمييزًا عنصريًا. وتكفى الإشارة إلى أن الشرطة الأمريكية قتلت ١٣٦ من المواطنين ذوى الأصول الإفريقية، «السود»، خلال سنة ٢٠١٦، السنة الأخيرة فى حكم الرئيس السابق، الأسود!.
عنصرية نيكسون، ريجان، أوباما، أو ترامب، ليست استثناءً. بل إن هناك مئات الحالات تؤكد أن حاملى الجنسية الأمريكية، مهاجرين كانوا أو مواطنين أصليين، جمهوريين أو ديمقراطيين، سودًا أو بيضًا، يصبحون عنصريين، حال تصعيدهم سياسيًا، أو حين يشغلون مناصب، سواء بالانتخاب أو بالتعيين. بالإضافة، طبعًا، إلى أنهم جميعًا قد يختلفون فى المواقف، لكنهم يلتقون فى المرجعيات ويتفقون فى الأهداف.
ads
ads
ads

ads