القاهرة : الخميس 20 يونيو 2019
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
الثقافة
الإثنين 20/مايو/2019 - 06:39 م

مسيح الشعر.. لماذا يجب أن نحب أمل دنقل

مسيح الشعر.. لماذا
وائل خورشيد
dostor.org/2637521

أطلق عليه شاعر الرفض، هو الرجل الذي خط كلمات تفوق كل 'الرفض' الذي في نفوسنا، فاسترحنا نحن، لكن لم يسترح هو.

"أكل الرؤوس سواء؟".. سؤال أودعه "دنقل" في عظيمته "لا تصالح".. حقا.. ليس الجنوبي كغيره أبدا.
 
كل كلمة كتبها، أكلت من شحم جسده النحيل، حتى خار، وانهار، واستمر في الكتابة، حتى آخر أيامه داخل المشفى، ليقول عنا ما نريد البوح به، فكلما شعرنا بغضب، ورغبة في التعبير، ليس علينا سوى أن نقرأ كلماته لنعرف أن ما نريد الإفصاح عنه قد وصل.

ابن مدينة قنا، الجنوبي، الذي أخبر زوجته عبلة الرويني في رسالة من المفترض أنها رومانسية، أنه بدأ رحلة معاناته في العاشرة'، يقصد حينما توفي والده، وأنه 'في السابعة عشرة اغترب عن كل ما يمنح الطمأنينة، يقصد حينما جاء القاهرة ليكمل دراسته.

كيف يمنح الغريب الذي لا يشعر بالاطمئنان، زوجته الأمان، الذي لا يشعر هو به، كان طبيعيًا أن يحصل دنقل في ظل رؤيته للجانب المظلم من الحياة على لقب "شاعر الرفض" كيف لا، وهو الذي خط بقلم مداده روحه قصيدته العظيمة "لا تصالح"، ووقف على مشانق القصير في قصيدة "كلمات سبارتاكوس الأخيرة"، وأخذ يسخر من لحظات ما قبل الموت في قصيدته "ضد من"..

• ومتى القلب في الخفقان اطمأن!

هكذا كتب في قصيدته ضد من، كان يتعجب كثيرًا من أن كل من رآهم قبل الموت ارتدوا الأبيض، هؤلاء الذين كانوا يسيرون معه بخطى بطيئة نحو النهاية، ولكن مع ذلك، الأسود هو لون الموت! لم يكن يعجبه الأمر.

بقيت أسأل نفسي، ماذا يقصد بقوله: ومتى القلب في الخفقان اطمأن. الطبيعي لكل البشر أن يطمئنوا بهذا الخفقان لو كان للحب! لكن دنقل ظل محتارا، ربما كان يقصد خفقان فورة الدماء والغضب، ربما كان يميل للخوف، لكن من يقرأ للجنوبي، سيدرك جيدا أن مثله لن يطمئن أبدا، فهو حدود الوطن، التي تستقبل السهام عن الجميع. حتى حينما 'لم يعد به طاقة لامتشاق الحسام' تحامل واحتمل، واستكمل، وكتب.

• زرقاء اليمامة

لم يعاصر جيلنا النكسة، لكن إن كنت غاضب مما حدث، يكفيك أن تمر على قصيدته "بين يدي زرقاء اليمامة" لتسمع حوار المطحون مع العرافة، فتشعر بما هو أسوأ من الحرب، الانكسار والانتكاس.

أكثر ما كان يؤلم دنقل هو الغدر، ربنا هذا ما أغضبه، فالحرب بها كل الاحتمالات، أما الغدر فهو أن تموت غاضبًا، أمر مؤسف، لذا قال في قصيدته "لا تصالح" غاضبًا:
والذي اغتالني ليس ربًا.. ليقتلني بمشيئته
ليس أنبل مني.. ليقتلني بسكينته
ليس أمهر مني.. ليقتلني باستدارتِهِ الماكرة

"كيف تنظر في عيني امرأة أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها.. كيف تصبح فارسها في الغرام!'" ربما جميعنا قد يشعر بذلك، ومع ذلك سننظر ونتجاسر كذبًا، لكن واحد فقط كان يملك الشجاعة ليعلنها. أمل دنقل.

كيف لا نحب دنقل، مسيح الشعر، الذي تحمل آلامنا، ومات عنا جميعا ملايين المرات. حتى لم يستطع أن يكمل أكثر في 21 مايو 1983.

ads
ads
ads