القاهرة : السبت 25 مايو 2019
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
الخميس 14/مارس/2019 - 06:15 م
أحمد بهاء الدين شعبان
أحمد بهاء الدين شعبان

قوة مصر الناعمة «1»

dostor.org/2552918



كثر الحديث فى الفترة الأخيرة عن الحاجة لاستعادة «قوة مصر الناعمة» التى ذوى بريقها فى العقود الأخيرة، وإلى استرجاع نفوذها الثقافى والحضارى، الذى يَشعر العديدون بأنه تعرَّض للتراجع والخفوت، بعد أن كان ملء الأسماع والأبصار فى فترات سابقة.
كعادتنا عندما يكتشف البعض موضوعًا جديدًا للحديث، نغرق فى بحار من اللغط والسفسطة، ويفتى كل من واتته الفرصة للفُتيا، ويدلى بدلوه فى الموضوع، البعض عن معرفة وعلم، والأغلب عن جهل ورغبة فى الحديث والظهور ليس إلاّ. وقد شاهدت أحدهم فى أحد البرامج التليفزيونية، يقول بجرأة يُحسد عليها، إن موضوع عودة قوة مصر الناعمة، أمر سهل للغاية، وطريقه أن نوفر الميزانيات اللازمة لإنتاج أغنيات تعرّف الأجانب بأمجادنا وإنجازاتنا، مُتجاهلًا أننا فى عالم مفتوح، وأن هؤلاء «الأجانب» لا ينتظرون أغنية بلغتهم الأم، لكى يعرفونا، فهم- للأسف الشديد- يعلمون عنا ربما ما لا نعلم، ولديهم من البيانات عن أحوالنا ما قد يتعذر علينا الحصول عليه، وأن المسألة أعمق وأخطر.
مناسبة هذا الكلام انعقاد ندوة شاركت فى أعمالها، منذ أيام قلائل، فى مكتبة «دمنهور» بمحافظة البحيرة، ضمن أنشطة معرض الكتاب السنوى الذى تُنظمه المكتبة، وشارك فيها الإعلامى والشاعر الفنّان أحمد حمدى، وأدارها المثقف المتميّز حمدى عبدالعزيز، حول كتاب مُهم للغاية، صدر مؤخرًا عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب»، عنوانه الدال: «قوة مصر الناعمة.. البدايات والمكونات»، للأديب والصحفى القدير محمود دوير، رئيس تحرير مطبوعة «أدب ونقد»، التى تصدر بدأب وثبات، منذ أكثر من أربعين عامًا عن حزب التجمع.
وهو كتاب مهم لأنه يتناول هذه القضية المحورية التى تؤثر، حضورًًا وغيابًا، تأثيرًا مُباشرًا على مصالح مصر، وعلى أمنها القومى، ودورها، وقدرتها على الفعل والتفاعل، داخل محيطها الحيوى: العربى والإفريقى والعالم الثالث، بل العالمى، وهو الدور الذى تضرر كثيرًا جراء التحولات الحادة فى السياسات والانحيازات.. الداخلية والخارجية، طوال عقود طويلة مضت، على الأقل منذ «نكسة» ١٩٦٧، وما جرّته من تراجعات، وفرضته من خيارات، أدت إلى هذا الوضع الذى يشعر به الجميع، ويناقشه الكتاب.
و«القوة الناعمة» تعبير حديث نسبيًا، صكّه «جوزيف س. ناى»، عميد مدرسة كيندى للدراسات الحكومية بجامعة هارفارد، رئيس مجلس المخابرات الوطنى، مساعد وزير الدفاع فى إدارة «كلينتون»، وطرحه فى كتاب شهير، صدرت طبعته الأولى عام ٢٠٠٤، عنوانه: «القوة الناعمة.. وسيلة النجاح فى السياسة الدولية»، فى أعقاب ضرب برجى التجارة العالمية، وما ترتب عليه من تداعيات أبرزها الهجوم الأمريكى على العراق واحتلاله وإعدام الرئيس العراقى «صدام حسين»، والوقائع التى تلت ذلك، وما زالت تترك بصماتها على واقع منطقتنا والعالم، وكان أحد دوافع طرح هذا المفهوم، إدراك أن التكلفة البشرية والمادية، لاستخدام «القوة الصلبة»، أى القوات المسلحة والحروب وسياسات العنف والإكراه، باتت غالية التكلفة وهائلة النتائج، على كل الأطراف، خاصة مع امتلاك الأعداء والخصوم أسلحة لا تقل تدميرًا وبطشًا.
يُعَرِّف «جوزيف ناى» مفهوم «القوّة الناعمة» بأنها: «القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلًا من الإرغام أو دفع الأموال، وهى تنشأ من جاذبية ثقافة ما، ومن مُثله السياسية وسياساته»، ويزيد «ناى» الأمر شرحًا: «فعندما تتمكن من جعل الآخرين يُعجبون بمُثُلِك ويُريدون ما تريد، فإنك لن تضطر إلى الإنفاق كثيرًا على العُصى والجزرات أى على عوامل الإرغام والإغراء لتحريكهم فى اتجاهك». فما هى مكونات «قوة مصر الناعمة»، وماذا جرى لها، وكيف تستعيد زخمها الحيوى، كما يرى الكاتب والكتاب؟، هذا ما سنُلقى الضوء عليه فى المقال القادم.

ads
ads
ads