رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الجمعة 10 يوليه 2020 الموافق 19 ذو القعدة 1441
د.أحمد الخميسى
د.أحمد الخميسى

وداعًا أبوبكر يوسف

الأحد 10/مارس/2019 - 08:35 م
طباعة
ودعنا صباح السبت ٢ مارس صديقًا عزيزًا، وإنسانًا غاليًا، هو الدكتور أبوبكر يوسف الذى قد يسمع البعض عنه، لكنه لا يعرف حقيقة وأهمية دوره الثقافى. تعرفت إليه عام ١٩٧٢ حين ذهبت إلى الدراسة فى الاتحاد السوفيتى، وربطتنى به صداقة راسخة من ذلك الحين.
أحببت فى بكر كبرياءه التى لا تحجز المودة والطيبة، وأحببت فيه جديته الشديدة وعكوفه طول الوقت على العمل، ونظرته المستقيمة التى تصدر عن روح طاهرة شريفة. ينحدر بكر من عائلة بدوية فى الفيوم، وكان والده عمدة يقرض الشعر، ولذلك ظل بكر حتى النهاية يستعيد الأمثال والقصائد البدوية ويلقيها بلهجة البدوى القح.
أنهى تعليمه فى الاتحاد السوفيتى، وحصل على الدبلوم ثم الدكتوراه من هناك، واستقر فى روسيا يترجم من آدابها العظيمة ما لم يعرفه القارئ العربى، حتى وصل عدد الكتب التى ترجمها إلى نحو ثلاثين كتابًا، كان أهمها وما زال «مختارات أنطون تشيخوف» التى صدرت فى أربعة أجزاء عن دار التقدم بروسيا، ثم أعادت الشروق طباعتها. وتمتاز تلك الترجمة بأنها ثمرة معرفة عميقة، وتمكّن من اللغتين العربية والروسية معًا، وكان بكر جواهرجى لغة سواء أكانت الروسية أم العربية. وقد نعت بكر أكبر جريدة أدبية روسية وهى «ليتراتورنايا جازيتا» ونعاه اتحاد كتاب روسيا قائلًا: «رحل عن عالمنا المترجم الفذ الدكتور أبوبكر يوسف الذى ترجم روائع الأدب الروسى إلى اللغة العربية، شيخ المترجمين العرب، المصرى العظيم، والإنسان الرائع».
وقد كان بكر ذلك الإنسان المصرى الرائع بالفعل. عام ٢٠١١ حصل على ميدالية بوشكين وهى أرفع وسام يمنح للأجانب، وذلك تقديرًا لدوره فى نقل الثقافة الروسية إلى العربية. والذين يعملون بالترجمة يدركون تمامًا الفارق الضخم بين ترجمة الأدب عن لغته الأصلية أو ترجمته عن لغة وسيطة، ولم تكن ترجمة بكر لأعمال تشيخوف الأولى فى العالم العربى، لكنها كانت الأولى التى ترجمت من الروسية مباشرة، وبناء على معرفة ليس فقط باللغة بل بالثقافة والتاريخ والأدب الروسى من واقع معايشة أبوبكر للشعب الروسى.
والحق أن دور أبوبكر يوسف يتجاوز بكثير دور المترجم إلى دور التنوير الحضارى والثقافى، فقد رافقت ترجماته العديد من المقالات التى كتبها عن الأدب الروسى، والمحاضرات، بل بلغ الأمر أنه شارك فى تأسيس منظمات ومنتديات عربية فى موسكو لتوسيع دائرة الوجود العربى والتعريف بالحضارة العربية والمصرية. الدور الذى قام به بكر، يشبه إلى حد ما دور الشيخ عياد الطنطاوى، وكان صديقًا لرفاعة رافع الطهطاوى، ثم سافر إلى روسيا عام ١٨٤٠ بدعوة من الروس لتدريس اللغة العربية هناك، وأذن له محمد على باشا بالسفر، وطلب منه ألا يكتفى بتعليم العربية بل أن يتعلم الروسية لأن مصر بحاجة لذلك. سافر الشيخ الطنطاوى ونشر اللغة العربية فى روسيا، وأقام لأول مرة قسم تعليم اللغة العربية فى جامعاتها، وفى عام ١٨٥٠ وقف الشيخ المعمم عياد الطنطاوى أمام القيصر الروسى نيكولاى الأول، ليتسلم من القيصر وسام القديسة «آنا»، وخاتمًا ثمينًا مرصعًا بالألماس، تقديرًا لجهود الشيخ المصرى فى تعليم طلاب جامعة بطرسبورج.
لقد نشر الطنطاوى العربية فى روسيا ونشر أبوبكر الأدب الروسى فى العالم العربى بجهد لم ينقطع ودأب وصبر وبروح الصوفى الزاهد الذى لا ينتظر مكافأة ولا جزاء. عشنا معًا أوقات الصقيع الروسى القارس، ندفع عن أرواحنا الغربة والثلوج بذكريات الوطن، وقضينا أوقاتًا فى القاهرة والحسين وطلعت حرب بصحبة الأصدقاء، تبادلنا النقود، والمقالات، والأفكار، والمعاطف الشتوية، والأحلام بوطن أجمل، وكان كلما أسعفته بشىء أو مد لى يد العون، يكرر على مسامعى المثل البدوى الأثير لديه: «من أعقبه أخوه.. ما ذلّ»، أى أن من يندفع أخوه لنجدته لا ينكسر ولا ينهزم. الآن تقف بيننا الأبدية، يتقلب فيها الشتاء والصيف، ولا يزورها ربيع، لكنك تبقى فى ذاكرة وقلوب أصدقائك حيًّا بإبداعك الأدبى الفذ، ولا شىء يطوى سيرة حياتك الطاهرة، وما قدمته للثقافة العربية.