رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

عقد زواج الإخوان وإسرائيل


منذ عامين تقريبا تحدثت بالأدلة عن علاقة جماعة الإخوان بإسرائيل، وأفصحت أنها لم تكن أبدًا فى أى وقت من الأوقات علاقة عداء وخصام، لكنها كانت علاقة تبعية ووئام، ولا تظن أننى أبالغ فى هذا الأمر، ولا أريد أن يقع فى ظنك أن الخصومة وصلت معى إلى حد أن أعلن للجميع أن جماعة الإخوان فرع من فروع الحركة الصهيونية العالمية.
أوردت بعض التفصيلات فى هذا الشأن فى كتابى «أئمة الشر» ومعى العديد من الوثائق التاريخية، التى تثبت بالتفصيل تلك العلاقة، ولكن الإخوان نجحوا فى تصوير الأمر على غير ذلك، وكان من نجاحهم أنهم زوروا التاريخ وزعموا أنهم حاربوا اليهود فى فلسطين أثناء حرب ١٩٤٨ وقد انطلت هذه الخدعة علينا جميعا سنوات طويلة إلى أن وقعت الحقيقة أمامى ليس فيها أى شك، وعندما بدأت فى طرح بعض المعلومات الخاصة بقيام يوسف ندا بالمساهمة فى إقامة مستوطنات لليهود فى فلسطين العربية لتهويدها بالكامل، حيث كان هو أكبر موَّرِد للأسمنت والحديد لشركات المقاولات الإسرائيلية، التى تبنى المستوطنات، وأنا أقسم إن هذه حقيقة وإن هذا حدث، ولكننى أقسم أيضا إن جهلاء الإخوان لم ولن يصدقوا.
نعم هناك علاقات بين إسرائيل والإخوان، ونحن نملك الأدلة عليها، ولكن الجهلاء يغلقون عقولهم، والأغبياء لا يصدقون، مع أن شمس الحقيقة لا تخفى إلا على من فى عينيه قذى، والحقيقة تبدأ عندما قام الإخوان فى مصر فى فترة الأربعينيات باستهداف المصالح الاقتصادية لليهود المصريين، وتفجيراتهم حارة اليهود، وقد ظللنا زمنا كبيرا نعيش كالبلهاء ونحن نتصور أن الإخوان فعلوا ذلك لضرب مشروع إسرائيل بإقامة دولة لهم فى فلسطين، ولكننا عندما استعدنا الوعى عرفنا أن هذا الأمر إنما كان للمساعدة بشكل حاسم فى تهجير كبار رجال الأعمال من اليهود المصريين إلى فلسطين، حيث لم يذهب من يهود العالم إلى فلسطين إلا الفقراء والمضطهدون فى أوطانهم، وهؤلاء لا يمكن أن يساهموا فى إقامة الوطن المنشود، لذلك كان لا بد من ضرب المصالح الاقتصادية لكبار اليهود المصريين، ما يترتب عليه أن يهجر هؤلاء وطنهم مصر ويذهبوا، عاجلا أو آجلا، إلى فلسطين.
ويجب أن نعلم أن المصريين اليهود كانت مصر هى وطنهم الأم، وكانوا يعيشون معنا كتفا بكتف، وكان الكثير من الأحياء يضم يهودًا لم يعرفوا وطنا إلا مصر، كانوا يعيشون فى حى الظاهر وفى العباسية والدرَّاسة بل وفى كل أنحاء مصر، وكان منهم الكُتَاب والفنانون والعلماء والتُجار والخطاطون، عرفنا منهم الفنانة ليلى مراد وأباها والفنان سلامة إلياس ونجمة إبراهيم وغيرهم وغيرهم من الذين أصروا على البقاء فى مصر ولم يغادروها وظلوا فيها إلى أن ماتوا، وهرب من مصر إلى فلسطين فى أعقاب استهداف الإخوان لهم عدد من اليهود من كبار رجال الأعمال والاستثمار وأصحاب البنوك، وقد أوردت تفصيلات تلك الخطة فى مسلسل إذاعى كتبته منذ أعوام وخرج إلى النور عبر إذاعة البرنامج العام، وبعد أن أقيمت دولة إسرائيل بعقود طويلة وتحديدًا بعد يناير ٢٠١١ خرج عصام العريان فى القنوات التليفزيونية ليعلن أن اليهود الذين تركوا مصر فى الأربعينيات يجب أن يعودوا إلى مصر ويستردوا أملاكهم وأراضيهم.
ولا يظن أحد أننى أخفى الأدلة عن علاقة الإخوان بإسرائيل فى بيتى ولكنها كلها جاءت على لسان الإخوان، أو فى أوراقهم، وقد أصبح معروفا للكافة أن الإسرائيلى «حاييم صابان»، الذى يعتبر أحد ملوك الإعلام فى العالم، هو أحد شركاء يوسف ندا، بل إنه كان شريكا له ومؤسسا فى بنك التقوى، وحاييم صابان هذا من مواليد الإسكندرية، وهاجرت أسرته وهو صغير فى أوائل الخمسينيات إلى إسرائيل ثم ذهب بعد ذلك إلى أمريكا ليصبح واحدًا من كبار الأغنياء فى العالم كله وقد وضعته مجلة فوربس عام ٢٠٠٦ فى الترتيب ٩٨ فى قائمة أغنى ٤٠٠ فى أمريكا، وبشكل خفى متعلق بعلاقات التنظيم الدولى للإخوان أصبح حاييم صابان شريكا للإخوان فى استثماراتهم بأمريكا، وهو الذى كان صاحب الدور الأكبر فى إلغاء قرار مجلس الأمن بحظر شركات يوسف ندا، ومن خلال شركة يوسف ندا «التقوى للتجارة والمقاولات» التى كانت إحدى شركات بنك التقوى، ووفقًا للسجلات التى كشفت عنها سويسرا عن نشاط هذه الشركة كتبت صحيفة «لوتون» السويسرية مبرئة يوسف ندا وبنك التقوى من دعم الإرهاب، وفقا لما وقع تحت يدها من بيانات الغرفة التجارية الدولية السويسرية أن شركة يوسف ندا هى أكبر شركة داعمة لبناء المستوطنات لإسرائيل وأنها أكبر مورد للأسمنت لشركات المقاولات الإسرائيلية، ويعرف كل قادة الإخوان هذه الحقيقة، ويعرفون أيضا أنه عندما اعترض بعض الإخوان على ذلك قال لهم يوسف ندا: «المال ليس له دين ولا وطن»!.
ولذلك فإنه فى عالم السياسة وفى العوالم الأخرى أيضا لا تنخدع بالظاهر، لكن تمهل وانظر واستبصر وحلل واجمع المعلومات ما استطعت، وقتها ستعرف أن الظاهر ليس هو الحقيقة دائما، وكم خَدعت المظاهر البراقة عيون وعقول الدهاة، ولكنها لا بد أن تنكشف يوما ما، فالظاهر الخادع يعيش دهرًا ثم يتبدد بددًا فتنكشف الحقائق من خلف دخانه.
وندخل إلى البيانات التى لا يستطيع أى أحد من الإخوان أن ينكرها، فقد سمعنا من هؤلاء الإخوان سنوات طويلة، ورأينا أيضا، مظاهراتهم الطلابية وغير الطلابية فى مصر وفى غير مصر تخرج بهتافات صاخبة حماسية: «خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود» و«يا أقصانا لا تهتم راح نفديك بالروح والدم» وشاهدنا آلاف الإخوان عند انتخابات الرئاسة التى نجح فيها مرسى فى غفلة من الشعب، أقول شاهدناهم وهم يهتفون «على القدس رايحين شهداء بالملايين»!، وعبر سنوات مضت عاش شباب الإخوان المغيب الذى شوهوا عقله ومشاعره وهو غاضب وحانق على هذه الأنظمة العربية أو المصرية الكفرية التى لا تحب الإسلام ولا تهتم بفلسطين ولا تحفل بالمسجد الأقصى، وحين كان غضب هؤلاء الشباب يشتد يزداد حنقهم على هذا النظام المهادن لإسرائيل والذى يسير طوعا لأمريكا فلا يفتح باب الجهاد، وراحت الأيام وجاءت الأيام وأصبح الإخوان حكاما ونظاما ورئيسا، فإذا الأقصى الذى كانوا يبكون من أجله غائب عن قلوبهم ومشاعرهم، لم يقف أحدهم صارخا أو هاتفا، كلٌ نسوه ولم يعودوا يذكرونه فى الحياة، والكون يدفن فى ظلال الحكم حتى المقدسات، وفاتهم أن يطالبوا مرسيهم بفتح باب الجهاد، وتوالت الأحداث ويكتب مرسيهم رسالة حب مفعمة بالمشاعر لصديقه الحميم شيمون بيريز فلا يستنكر أحد من شبابهم المغيب هذا الفعل القبيح ويلتمس الأعذار لمن قدم فروض الطاعة والصداقة لإسرائيل، بل إن البعض اعتبرها حنكة سياسية، بمعنى أنها حينما كانت تصدر من مبارك كانوا يعدونها خيانة، وإذ تصدر من مرسيهم فهى الذكاء والألمعية، ثم يقول بعضهم إنها عبارات بروتوكولية، والبروتوكول لا يقتضى أبدًا أن يقوم من يعادى إسرائيل فى الظاهر بنعته بالصديق الحميم، ولكن شباب الإخوان صدقوا تلك الترهات والمبررات، فهكذا هى العقول الممسوخة تصدق كل ما يقال لها ولا تعمل عقلها، لأنها فقدته من الأصل، ونتذكر عصام العريان عندما قال ذات يوم لصحيفة «الحياة» اللندنية فى حوار شهير له عام ٢٠٠٦ بأن الإخوان لو وصلوا لحكم مصر سيحافظون على أمن إسرائيل وإنهم سينفذون اتفاقية كامب ديفيد لأنهم سيكونون دولة آنذاك وهم يحفظون عهود الدولة المصرية.
ثم بعد يناير ٢٠١١ قابل وزير خارجية مصر السيد هنرى كيسنجر، فسأله الوزير العرابى: هل سيخوض الإخوان انتخابات الرئاسة، فقال له كيسنجر: نعم وسيصبح واحد منهم رئيسا لمصر، والداهية كيسنجر يعرف ما يقول، وينقل خبرا لم يكن الإخوان قد باحوا به بعد، فسأله العرابى: وهل ستمانع أمريكا؟ فقال كيسنجر: لا لأنهم تعهدوا بالحفاظ على أمن إسرائيل وتفاهمنا معهم بشأن قناة السويس وسيناء، ووصل الإخوان للحكم، برعاية جون ماكين، وكيرى، ووليم بيرنز، ثم شاء الله أن تنكشف جماعة الإخوان وينزل الستار على المسرحية التى كانت تقودها ضد إسرائيل، كانت مجرد حرب كلامية ومسرحية خادعة، وخلف الكواليس كانوا يتبادلون القبلات، وما خفى كان أعظم، ومازال فى جعبتى الكثير.