رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

هاتى رجل


المرأة التى يخصَّص لها يوم عالمى كل عام.. بل خُصِّص لها عام مضى وولى!.. وأيام تخصص لها.. تكون فيها فتاة تارة وأمًا تارة.. ينسى كثيرون أنها حقًا هنا كانت وما زالت وستظل.. فوجودها المحتوم أمر واقع جعله كثيرون واقعًا مؤلمًا وحقيقة أكيدة جعلها كثيرون من كبرى الكذبات.. الفتاة والأخت والخالة والعمة والزوجة والقريبة والنسيبة والابنة والأم.. صفات متعددة لشخص واحد لا وجود له فى العقل الجمعى إلا بوجود رجل.
فالأم لا بد أن يكون لها زوج كى تكتمل أمومتها التى وهبها لها الله وانتزعها منها كثيرون لا يعترفون بها إلا وهى نكرة لا بد أن يضاف اسمها لرجل، زوجًا كان أو أبًا يوكل إليه أمرها! علمًا بأن الله هو من كفل لها الحياة على الأرض وفى السماء، كما كفلها لسائر الخلائق، فى حين يرى كثيرون من هؤلاء الخلائق أنهم هم الأعلى وهى الأقل والأدنى بالضرورة.
جعلوها نصف الدنيا لتأخذ النصف فى الميراث والشهادة، وهو ما جرّأ ربما عليها الجميع ليستبيحوا سبيها والاتجار فيها أو تهميشها وإقصاءها، واعتبارها تارة عورة فلتختبئ إذن فى خبائها وإلا كانت عرضة للذباب يلتصق بها والذئاب تنهش لحمها والكلاب تنبح فيها وتارة نكرة وتارة قارورة وتارة ضعيفة لينكلوا بها لا ليحموها.. جعلوها كل ذلك ليقصوها ويستضعفوها فتكون مطية ولقمة سائغة لكل ضرس يكسرها ليبتلعها كل حلقوم يمر بها.
تصدر للواجهة باسم أبيها ثم زوجها ثم ولدها.. وفى نهاية المطاف وعند رحيل أى من هؤلاء أو جميعهم والأسباب متعددة مختلفة.. تبقى هى وحدها حبيسة أو طريدة أو مجتنبة.. سيناريو وحيد محكم لا فكاك منه لامرأة الشرق يتكرر يوميا بتنويعاته المختلفة وكل يوم يظهر تقليد جديد يرسخ ويضيف المزيد من التنكيل لسجل حياتها حتى صار التنكيل ممنهجًا مقننًا.. حتى النزهة صارت محرمة عليها إلا فى وجود «رجل» أو «محرم».
هكذا يرى الأثرياء الجدد أصحاب القرى السياحية والكومباوندز، التى تبتلع أموال النساء العاملات قبل الرجال، ورغم ذلك يحظر على النساء ارتيادها وحيدة.. فالمرأة التى تعمل قاضية ومحافظا ووزيرا ورئيس حزب أو جامعة أو شركة كبرى تجوب البلدان وتنشط هنا وهناك لا بد لها من رجل يسحبها من يديها ويسير بها كى تقبل اجتماعيًا.. العروض السياحية تخصص للأسر لا للفتيات غير المتزوجات أو النساء.
الأرامل أو المطلقات أو من يعمل زوجها فى الخارج.. حتى وإن كن أمهات أو لهن أمهات.. المرأة كى ترتاد المصيف مع أبنائها الأيتام أو من هجرهم أبوهم بالسفر أو الموت أو الانفصال يطلب منها أن تأتى للقرية السياحية مصحوبة أو مكفولة برجل، زوجًا كان أو أبًا.. يحرم عليها أخذ أبنائها وحيدة.. يحرم عليها أخذ جارتها أو حتى أمها معها للتنزه فى القرية السياحية التى تطلب منها دومًا كشرط أساسى لوجودها أن يكون معها رجل ويقال لها علنًا «هاتى رجل».
ذلك هو التقليد الجديد المتبع فى القرية السياحية الفارهة التى تقدم عروضها فقط للأسر ولا مكان للنساء فيها إلا بصحبة رجل.. فهدية القرية السياحية فى مصر للمرأة الوحيدة فى عيدها أن تقبع فى دارها لا تغادرها للقرية إلا بصحبة رجل لا بد من رجل.. «هاتى رجل» طلب عجيب يطلبه منها المجتمع وتطلبه منها أمها فى الكثير من الأحيان ويطلبه منها أبوها وجارها وكل من يتعامل معها يسألها دوما السؤال العجيب: «ممكن رجل أكلمه» «فين رجلك؟» «معاكى رجل؟» «إنت متجوزة؟».
أما ما دون ذلك فكأنه والعدم سواء، مهما اعتلت المرأة من مناصب ومهما علا شأنها يطلب منها دائمًا أن تكون فى حضرة رجل وأن يمنح ذلك الرجل لها حقوقها المكتسبة.. بعد كفاح أكيد كافحت النساء وكافح المجتمع المتمدين من أجل أن تكون للمرأة أوراق ثبوتية تتجول بها دون إذن الزوج، فجواز عبورها للبلدان ما كان يصدر لها حتى وقت قريب إلا بموافقة الزوج، وكانت وزارة الداخلية تطلب موافقة الزوج لتسافر الزوجة، وإن منعها الزوج تمنع من السفر بأمر وزير الداخلية، كل ذلك مضى وولى لتأتى الْيَوْمَ تلك القرية السياحية فى المنتجع الكبير الفاره الشهير وتطلب من المرأة فيه أن تأتى بصحبة رجل.. ويقال لها علنًا يا امرأة «هاتى رجل» أو ارحلى لا مكان لك ولا وجود ولا كينونة إلا ومعك رجل، سواء كان عمرك عشرين أو تسعين لا يهم.. كله سواء عندنا دون رجل.