رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

عم نسيم فهمي .. وأسرته التي عزتنا في مصابنا


حادثتا كنيسة مار جرجس ومار مرقس فى طنطا والإسكندرية، ألجمتا ألسنة كثيرة وأنا منهم، ألجماتنا حتى عن تقديم العزاء لأشقائنا وأصدقائنا المسيحيين، الذين اعتدنا التواصل معهم فى الأفراح والأحزان فضلًا عن أعيادهم الدينية. وقفت الكلمات فى الحلوق هذه المرة بصورة غير اعتيادية، لا أعلم لهذا سببًا مباشرًا أو واضحًا يمكن الاستناد إليه، الظاهر منه ربما مساحة غضب هائلة تسكن العقل والروح تمكنت من حجب ما يمكن أن يقال فى تلك اللحظة، وما لفت انتباهى أن كثيرين من الأصدقاء والشخصيات المحترمة التى أتابعها أو أتواصل معها عبر «فيسبوك» و«تويتر»، وجدت لديهم سطورًا تشابه حالتى، وعاينت تألمهم الصامت وعجزهم المماثل لحالتى، حتى إن إحداهن كتبت نصًا: «لن أكتب سطورًا للتعازى، فأنا وسط المصاب الذى أحتاج فيه لأيادى تواسينى، أجلس أمام شاشة التليفزيون وأشعر بشلل كامل».



أنقذتنى أو بالأصح انتشلتنى، من هذا المأزق النفسى الضاغط، الفقرة التى بثها برنامج «كل يوم» للأستاذ عمرو أديب مساء الإثنين، من مقابلة على الهواء عبر مراسلة البرنامج التى بثتها من منزل «نسيم فهمى»، أحد أشهر شهداء كنيسة مار مرقس بالإسكندرية. اكتسب عم نسيم شهرته كونه هو من ظهر فى المقطع المصور قبل ثوان من وقوع تفجير المرقسية بالإسكندرية، هو يعمل موظف بالكنيسة شاءت ترتيبات يوم صلاة «أحد السعف» أن يُعين حارسًا أو بالأحرى منظمًا للدخول على الباب الجانبى، بدا عم نسيم بـ«ظهره» وهو يمنع الانتحارى من استخدام هذا الباب ويشير إليه بالتوجه إلى البوابة المخصصة. وبعد هذه اللقطة اللحظية تُسودّ الشاشة بآثار التفجير الذى طاله لينهى حياته ويصعد للسماء شهيدًا، ربما وأنا أكتب الآن، تعترينى رغبة جارفة بألا أكف عن استجلاء ما كنت تفعله أو تشعر به يا عم نسيم، خلال هذا اليوم الذى انتهت فيه قصتك تلك النهاية المأساوية، لكن لا المقام يسمح ولا المقال الصحفى بقادر أن يترجم خلجات وطيات نفس تظهر ملامحها فى صورتك الدافئة. هذا الوجه الغارق فى مصريته، من تلك الوجوه التى تستعذب أن تطيل معها الحديث والتأمل، نظرة عيون تصاحبها ابتسامة خجولة قريبة تريد الملامح أن تبتلعها سريعًا خشية ألا تكون فى غير موضعها.

بالعودة إلى لقاء أسرة عم «نسيم فهمى»، زوجته وشابان هما ابنا هذا الشهيد، كانوا فى معرض الحديث بكلمات اعتيادية أمام كاميرات وميكروفون تبث عنهم مباشرة، عن مصاب هائل ضرب تلك الأسرة الصغيرة بفقيدهم. وإذا بانقلاب المشهد كلية مع أول كلمات لزوجته تحدثنا عنه وعن لحظات علمها بخبر استشهاده، لم أشهد مساحات من النقاء والسكينة والصدق الآسر فى حديث كحديثها، لقد حَوَّلت الحديث بفطرتها السمحة إلى منطقة ربما لم تخطر ببالها وهى تصوغ كلماتها، حيث صارت تعزينا نحن، وهى تحكى لنا كيف رممت مشاعرها عندما علمت بأن زوجها فى مكان أفضل مما كان فيه. قدر عالٍ من المعانى الجميلة سكن «كل» الحروف التى نطقت بها، ومقدار من المحبة طغى على مشهد الحزن حتى امتد ليشمل إعلان السماح لهذا القاتل، فقد وصفته تلك السيدة المصرية الغالية بأنه ضحية غرر به دون أن يعى ماذا يفعل. لفرط تهذيبها لم تستخدم كلمة الجرم وهى تتحدث عن هذا الفعل، فهى كانت أحرص على أن تحدثنا عن عم نسيم وحياته وماذا دار بينهما من كلمات حميمية قبيل يوم مغادرته، فعندما ذكرت له يوم شم النسيم وأين سيقضونه رد عليها بأنه يريد أن ينام فيه ويستريح، ليثير عجبها فهو بذلك يكسر عادتهم بالخروج لقضائه بالخارج كعادة البيوت المصرية.

لم تكن الزوجة وهى تقص لنا مشاهد من حياة عم نسيم، سوى امرأة تخطو خطواتها الأولى فى رحلة استعذاب الحديث عن زوجها، التى لا يساورنى شك فى أنها ستظل أسيرة لها حتى ترحل لتلقاه ليستكملا حياتهما معًا، فرط الحنان والامتنان الذى تكنه لهذا الرجل بدا وكأنها تريدنا جميعًا أن نعرفه، وحقيقة فى جملها القصيرة المتنوعة وضعت لنا حياته كاملة أمام أعيننا. وبرقتها البالغة كانت تمسك بأطراف حزننا تطبطب عليه، معتبرة أن هذا من مهام حديثها أيضًا، بدت وقد أدركت جزعنا فتسارع بتذكيرنا أنه قد رحل إلى النور وأن اختيار مكانته بهذه النهاية هو ما يستوجب التعزى والطمأنينة على المصير.

لا أدرى من أى بيت خرجت تلك السيدة المصرية، ولا من أين أتت بهذا الصدق والنقاء الراقى، لتسكن فى هذا البيت البسيط المحترم، وتقضى أيامها زوجة لعم نسيم تقوم على شئونه وتربى ابنيه اللذين كما ظهرا فى حديثهما القصير، لا يختلفان كثيرًا عن أمهما سوى أنهما شابان محترمان يسكن افتخارهما بوالدهما، جل حديثهما عنه. لتجلى بسهولة سر نظرة الرضا التى تسكن عيون عم نسيم فى صوره التى تداولت بعد الحادث، فمن قضى عمره مع زوجة كتلك التى أطلت علينا وحدثتنا عنه، له أن يحمل هذا الرضا، فالخير يظل ساكنًا خلف أبواب بيوت كتلك لا يغادرها ولا يألو جهدًا كى يكون حاضرًا، وتدًا فى خيمة وطن كبير كوطننا.