رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

سيد هويدى: كتابى "المبشرون" ظل سنوات فى أدراج المجلس الأعلى للثقافة (حوار)

سيد هويدي
سيد هويدي

ما بين أول الكتب المنشورة وصولًا لأحدثها، هناك حكايات عن رحلات الكتاب والمبدعين مع دور النشر، وهناك صعوبات ومعوقات مع نشر العمل الأول، وهناك أيضًا المشكلات المتكررة والمتشابهة بين المبدعين ودور النشر، سواء فيما يخص تكلفة الكتاب، أو توزيعه، والعقود المبرمة بين الطرفين، أو حتى حقوق الملكية الفكرية وغيرها، في سلسلة حوارات يقدمها "الدستور" يحكي الكُتاب تجاربهم مع عالم النشر.

ويحكي لنا الفنان التشكيلي والكاتب  سيد هويدي تجربته مع دور النشر، حيث سبق وصدرت له مؤلفات: "صراع الهوية فى زمن الحداثة"، "متاحفنا"، "المبشرون"، "فنانون يحلمون بواقع جديد"، وكتاب "هويتنا البصرية" والصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2022.

◄ ما الصعوبات التي صادفتك في طريق نشر كتابك الأول؟

رحلة صدور كتابي "متاحفنا" دراماتيكية مضنية، استغرقت 5 سنوات، بدأت بدوافع أن المتاحف كتب مفتوحة للمعرفة، لكن لا يرتادها أحد، فقد دفعتني أسباب كثيرة ومتعددة، جعلتني أنفق سنين من عمرى أجمع فيها معلومات وأقوم بتوثيقها بهدف عرض 17 متحفًا ليس فقط لأنها حاضرة في ذهني، ومنجم للمعرفة، رغم سكونها، ورغم واقعها الرتيب، لكن طوال الوقت كنت أراها نوافذ على تاريخ مجيد، ومصدرًا للوجدانيات وأحد سبل الارتقاء بالمثل العليا، باعثًا لتكريس الشعور الوطني، باعتبار دورها يتجاوز كونها مخزنًا للمقتنيات، وأبنية تراثية صماء، لذا كنت دائمًا أرى المتحف كائنًا حيًا يجسد فكرة ترسم ملامح نبيلة لوطن.

وشائج حب وود نبتت مع كل متحف كتبت عنه وصورت معالمه وحفظت مقتنياته، لكن نشر هذا المحتوى واجهته استهانة بثروة قومية مجمدة، عاجزة عن أداء دورها، وفي هذه الأثناء بعد نشر عمودي الأسبوعي في إحدى الصحف تحت عنوان (مستقبل الثقافة في مصر) محاولًا الكشف عن السيناريو القادم بعد فشل وزير الثقافة "فاروق حسني" الوصول إلى مقعد اليونسكو، طلب الوزير من رئيس التحرير "عبدالله السناوي" لقائي في مكتبه، في هذا اللقاء شرح الوزير طبيعة المرحلة القادمة، وتزامن مع هذا اللقاء إنجازي لمشروع كتابي "متاحفنا" والذي ضم استطلاعات مصورة موثقة للمتاحف، فعرضته على الوزير الذي قال لي: "اطبع منه نسخة بالألوان، بهدف الاطلاع، وسلمها في مكتبي، تلك النسخة التي كلفتني مبلغًا وقدره، وبعد أن سلمته في مكتب الوزير، لم أتلق أي رد يفيد إمكانية طباعته، رغم متابعتي لإجراء التسليم، وسط هذه الحيرة تحمس للفكرة رئيس قطاع العلاقات الثقافية بالوزارة الشاعر حسام نصار، لكن سرعان ما قامت الوزارة بتغييره، وأخيرًا استقر الكتاب في أدراج قطاع الفنون التشكيلية ساكنًا، حال سكون متاحفنا وثرواتنا القومية، إلى أن طلبت من رئيس القطاع الدكتور "صلاح المليجي" طباعته ودفعه إلى المطبعة، وأقمت أيامًا في قسم الجرافيك بالقطاع أراجع أدق التفاصيل حتى نصل إلى نسبة خطأ صفر، وبعد أن ظهر إلى النور، استفسرت من "المليجي" عن تقدير القيمة المالية للمادة العلمية المقدرة لجهدي في إنجاز الكتاب الذي أنفقت من عمري عليه خمس سنوات، قال "المليجي": "كويس أنه اطّبع".

ورغم استرداد وزارة المالية ملايين الجنيهات في نهاية السنة المالية 2012 من وزارة الثقافة، لم يتم إنفاقها على النشاط الفني والثقافي، في الوقت الذي كان فيه واقع الفنانين في قمة البؤس، بسبب ضعف اقتناء الأعمال الفنية وتوقف السياحة، ويقال إن المسئول الذي يرد مبالغ مالية من ميزانية المؤسسة التي يرأسها يتقاضى عن ذلك نسبة مئوية من قيمة المبلغ الذي تم استرداده.

ورغم أني بدأت رحلة مع كتاب "متاحفنا" إلا أن كتابي "صراع الهوية في زمن الحداثة" هو أول كتاب صدر لي، ولأنه بحث علمي فقد حصل على جائزة الشارقة للنقد التشكيلي، وصدر في كتاب، لكن مفهوم الهوية ظل موضوعًا محتدمًا فكريًا، ومجالًا للبحث سكن كل اهتمامي المعرفي، وأصبح مجالًا للتقصي، خاصة عندما تبين أن سؤال الهوية شائك مراوغ محير، في ظل وجود هوية فردية، وأخرى جماعية، ويحتاج السؤال جلاء .. هل الهوية ثابتة .. أم متغيرة، بحكم أن الهوية هي بيانات البطاقة الشخصية؟


◄ما المشاكل التي واجهتها بخصوص حقوق النشر والملكية الفكرية؟

هناك ضرورة للإشارة إلى أن إصدار كتب الفنون البصرية، اختيار صعب لدى الناشرين، لا يقبل عليها القطاع الخاص، وتتصدى لها في غالب الأحوال، مؤسسات الدولة المختلفة على نحو مرهق، لأن أغلب مؤسسات وزارة الثقافة لديها إدارات للنشر وكل جهة على جدولها للنشر خطة تخصها لدرجة الازدواجية، فقد شهد العام 2008 إصدار هيئة قصور الثقافة عنوانًا لموضوع تراثي يباع بـ24 جنيهًا، ونفس العنوان أصدرته دار الوثائق القومية بمبلغ 80 جنيهًا .

◄كيف تواجه هذه المشكلات مع الناشر؟ وما أصعب موقف تعرضت له؟

كتابي "المبشرون" ظل سنوات في أدراج المجلس الأعلي للثقافة، وتغير عليه أمناء للمجلس كثر، وهو على حاله، إلى أن جاءت مديرة جديدة للنشر من "آل الريدي" والذي يضم دراسات عن 20 فنانًا بصريًا يحلمون بواقع جديد في اتجاه الحداثة، والكتاب يتناول مفارقة مذهلة شهدها القرن العشرون منذ بدايته، تلك التى كانت تدفع فريقًا من الفنانين فى مصر باتجاه توطين الحداثة كمفهوم حضاري، فى زمن الدفاع عن الهوية، ففى الوقت الذى كانت تبحث الأمة عن بواعث للنهضة فى الاستقلال واستنهاض الكوامن الخلاقة، وجد البعض فى العقل والوجدان معًا قوة دافعة، ومع ذلك التقى البعض ليجمعوا بين بريق الحداثة، وأصالة المعنى وملامح الخصوصية، هؤلاء هم المبشرون.

وتعرض مشروع كتابي "سيد عبدالرسول" إلى الاختصار أشبه بالبتر، والمدهش أن الاختصار تم بيدي، لكن حتى يظهر في ثوب سلسلة (ذاكرة الفن)، لأن أعداد السلسلة من القطع الصغير، التي يرأس تحريرها الناقد عزالدين نجيب.

واستغرق العمل في كتابي "هويتنا البصرية" 10 سنوات .. انتهيت من المسودة الأولى في ديسمبر 2010 وبعد هذه اللحظة جاءت ثورة يناير وتوقفت أنشطة كثيرة، لكن أحداث الثورة طرحت جديدًا في مفهومي للهوية، وأصبح من الصعب الإصدار بعد هذه التغيرات على الأرض، خاصة أن الهوية الوطنية تعرضت إلى هجمة مهددة العناصر الأساسية.

في عام 2018 قدمت نسخته النهائية للمجلس الأعلى للثقافة، لكن لا حياة لمن تنادي فإدارة النشر في هذا الكيان في غيبوبة دائمة، واقترح علىّ صديق أن أقدم نسخة إلى هيئة الكتاب، وبالفعل تقدمت به إلى الهيئة، وبعد سنة انتظارًا، تواصلت مع رئيس الإدارة المركزية للنشر بالهيئة الدكتورة "سهير المصادفة" التي طلبت كتابة كلمة الغلاف، لأن الكتاب لجنة القراءة أجازته وجاهز لدخول المطبعة، وبعد استيفاء المطلوب، فجأة تم تغيير "د. المصادفة"، لأبدأ رحلة جديدة عبثية في دهاليز إدارة النشر، إلى أن ظهر كتاب (هويتنا البصرية) في معرض الكتاب 2022، وأبلغت المسئولين رغبتي التقدم لمسابقة أفضل كتاب، فقالوا التقديم في شهر ديسمبر 2022، وفي الموعد تقدمت، الموظفون بعد فحص شروط التقدم للمسابقة قالوا: رقم الإيداع للكتاب صدر في 2021، وبهذا لا يمكن قبوله لدخول المسابقة.. وفي هذه الدورة تحجب جوائز فرع الفنون.

وكتاب "هويتنا" يكشف عن مواجهات الشخصية المصرية؛ والتحديات الأساسية فِي صراعها عَلَى هوية، مختلف عليها، فِي ظل مجتمع تقليدي إقطاعي، وقبضة استعمار إنجليزي؛ فقد نازعتْ الْهُوِيَّةَ عناصرُ ومكونات عديدة؛ أبرزها: تَحَدٍّ ديني سلفي، تراوح بَيْنَ سلطة الأزهر الأكاديمية والروحية، والبروز الديني لجماعة "الإخوان المسلمين"، وظهور الدولة القومية الوطنية بعد مطالب ليبرالية فِي الأربعينيات وتأثيرها عَلَى الثقافة والفن، لكن الدولة القومية اختارت الاشتراكية طريقًا لبناء مجتمع جديد؛ لتواجه وجهًا لوجه المشروعَ الغربي للهيمنة، وهو الأمرُ الذى وضع المجتمع المصري مع الثورة الناصرية، وسعيها لمشروع قومي، فِي مأزق تاريخي؛ فالتبست العلاقة مع الغرب؛ سواءً الأوروبي أَو الغرب الأمريكي بعد الخروج مِنْ إطار الْهُوِيَّةِ العثمانية الإسلامية.

فيما تجسَّدتْ أسئلة الْهُوِيَّةِ طوال القرن العشرين، فِي سماء واقع مصري، مُثقل بالتاريخ، بدايةً مِنْ عصر الأُسرات، وحتى جلاء الإنجليز، وكأنها صخرة سيزيف، يستجمع الإنسان المصري كل طاقته، مع تعاقب الفصول، فِي حملها، صعودًا إِلَى قمة الجبل، وعندما يصل؛ تهوى إِلَى السفح مرةً أخرى، فِي معاناة وتحدٍّ صارخ، عَصِيّ عَلَى التصنيف؛ لذا سوف نستكشف سؤال الهوية، فِي وجود تحدٍّ سلفي أصولي يطرح الدين؛ كمكون أساسي فِي الشخصية المصرية، ومن ثم بروز دور الدولة القومية وتداعيات وجودها، وشرعية التغيير التي انتزعتها بمباركة اجتماعية، والعلاقة الملتبسة المعقدة مع الغرب، وتأثير كل ذلك عَلَى الفن، والبدائل المطروحة المتاحة المتعلقة بسؤال الهوية، وتبين ما إذا كان تضخمه؛ كان أحد أسباب عرقلة التقدم، والوقوع فِي فخ الاستغراق فِي الذات، عَلَى نحو أن صرفنا عَنْ أسئلة أهم، وهي: كيف نتقدم، وما هي آليات المعاصرة؟