رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

"شاهدها طه حسين".. تفاصيل مناظرة الشيخ الشنقيطي وعلماء الأزهر

طه حسين
طه حسين

كشف الكاتب حمدى البطران في كتاب "طه الذي رأى" تفاصيل الإجازة الأولى لعميد الأدب العربي طه حسين، فقال عاد الشيخ الصغير، من إجازته الأولى إلى القاهرة أثناء دراسته في الجامع الأزهر وما إن استقرَّ فيها حتى سمع ذكر الأدب والأدباء، كما سمع العلم والعلماء وسمع حديث الأدب بين هؤلاء الطلاب الكبار من زملاء شقيقه، حين كانوا يذكرون الشيخ الشنقيطي واهتمام الأستاذ الإمام محمد عبده به.

تعلق طه حسين بالشيخ محمد عبده والشيخ الشنقيطي
أضاف أنه كان لهذا الشيخ تأثيره الكبير على الشيخ الصغير، وألقى في قلبه البذور الأولى للأدب التي سرعانَ ما أينعتْ وأزهرتْ، وجعلته فيما بعد يتربع على عرش عمادة الأدب وقع هذا الاسمُ الأجنبي من نفس الشيخ الصغير موقعًا غريبًا، مما كان يسمعه من أمور الشيخ غير المألوفة والشاذّة، كما صدمته الآراء التي كان يختلف تأثيرها على التلاميذ، فهي تُضحك بعضهم، وتغضب آخرين. 

وتابع "كان الطلاب الكبار يتحدثون فيما بينهم، بأن الشيخ الشنقيطي، كان يحفظ ويروي الحديث سندًا ومتنا عن ظهر قلب، وكانوا يتحدثون عن حدّته وسرعة غضبه وانطلاق لسانه بالقول الفاحش والبذيء، وكانوا يضربونه مثلًا لحدة الشيوخ المغاربة، كما كانوا يعرفون أنه أقام فترة من الزمن بالمدينة المنورة، ورحل منها إلى مدينة قسطنطينية التركية، وأنه زار إسبانيا".

أشار إلى أنه كانوا يلقون شعره ويحفظونه، يعرفون أن له مكتبة غنيّة بالمخطوطات والكتب المطبوعة في مصر وفى أوروبا، ولكنه مع ذلك يقضي أكثر وقته في دار الكتب يقرأ وينسخ، لكن ما شغل الناس بهذا الشيخ، مشكلةٌ لغوية أثارها في أحد آرائه التي كان يرددها، وهي أن اسم "عمر" مصروف لا ممنوع من الصرف. 

مناظرة الشيخ الشنقيطى وعلمائه
وكان طه حسين وقتها يسمع حديث عمر هذا فلا يفهم منه شيئًا أول الأمر، ولكنه لم يلبث أن فهمه في وضوح حين تقدم في درس النحو وعرف الصرف والممنوع من الصرف، أقام الأزهر مناظرة بين علمائه والشيخ الشنقيطي، لشرح فكرة أن عمر مصروف لا ممنوع من الصرف. 
تفاصيل مناظرة الشيخ الشنقيطي وعلماء الأزهر

وانعقدت المناظرة بين علماء الأزهر ويرأسهم شيخ الجامع الأزهر، وطالبوا الشنقيطي أن يعرض عليهم رأيَه في صرف اسم عمر فقال لهم في لهجته المغربية المتحضّرة: لا أعرض عليكم هذا الرأي حتى تجلسوا منّى مجلس التلاميذ من الأستاذ.

تردّد الشيوخ، ورفضوا أن يستمعوا له، لكنّ واحدًا منهم، وكان ماكرًا، نهض من مجلسه، وسعى حتى كان بين يدي الشيخ، فجلس على الأرض متربعًا، وبدأ الشنقيطي يعرض رأيه فقال: أنشد الخليل: بن أحمد. يا أيها الزاري على عمر قد قلتَ فيه غير ما تعلم، قال الشيخ الجالس مجلس التلميذ بصوته الخفيض الماكر: لقد رأيت الخليل أمس فأنشدنى البيت على هذا النحو: يا أيها الزاري على عمر، ولم يدعه الشيخ الشنقيطي يُكمل قوله، وإنما قطع عليه الإنشاد محتدًّا وهو يقول: كذبتَ، كذبتَ، لقد مات الخليل منذ قرون طويلة فكيف يمكن لقاء الموتى؟

وجعل بعد ذلك يُشهد الشيوخ على تعمّد صاحبهم المزاح والكذب وعلى جهله بالنحو والعروض، وتحولت المناظرة إلى الهزل والمزاح والضحك، وانفضّتْ دون أن يُقضى في مسألة عمر، أممنوع من الصرف أم غير ممنوع؟

كان طه حسين يسمع كلام هذا الشيخ الغريب ويحفظه، ويجد فيه لذةً فائقة وعميقة فيما فهم منه، كان الشنقيطي يقرأ لبعض الطلاب بعض القصائد التي تُعرف بالمعلقات السبع، وكان شقيقه وبعض أصدقائه يستمعون لهذا الدرس في يوم الخميس أو في يوم الجمعة من كل أسبوع. 

سمع منهم الصبي للمرة الأولى قول مطلع قصيدة طويلة للشاعر الجاهلي امرؤ القيس:
-قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل     بسقط اللوى بين الدخول فحَومَلِ.


صناعة الإنشاء 
كان شقيقُ طه حسين، يحاول أن يحفظ المعلّقات، فيكررها مراتٍ عديدة حتى يحفظها، فأتاح للشيخ الصغير أن يحفظ منها معلّقة امرئ القيس ومعلّقة طرفة، وكان يردد الأبيات بصوتٍ مرتفع حتى تستقر بذاكرته، وكان طه حسين يسمع، فحفظها قبل أن يحفظها شقيقه، وعندما عرف شقيقه ذلك أشركه معه في الحفظ، ولكنه لم يتجاوز هاتين المعلقتين، ثم تابع دروسه الأزهرية الأخرى، واستقرت المعلقتان في نفس الصبي يحفظهما ولا يفهم منهما إلا القليل.

 

سمع طه حسين زملاء شقيقه من الطلاب وهم يتحدثون عن درس آخر، كان يعلّم الأزهريين صناعة الإنشاء وكان يلقّبه شيخ سوري من أتباع الأستاذ الإمام، وقد استمع إليه هؤلاء الطلاب فاشتروا الكراسات، وكتبوا موضوعات الإنشاء، لكنهم عدلوا عنه دون سببٍ واضح.