رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

"محافظون وتجارب 2".. البغدادى بطل موقعة الكورنيش!

هي مصر المحروسة ، وقاهرة المعز، ومدينة الألف مئذنة، وجوهرة الشرق، وقاهرة الأعداء والحروب والنكبات والأزمات ، هي المدينة التي لا تنام .

قال عنها  المخزومي : وأما القاهرة بالخصوص فبلد عظيم الشأن، وكرسي الإمام وبغية الإسلام ، والدليل على شرفها وعظمها اتخاذ الملوك لها داراً، وبيت المال بها قراراً، وجيوش الإسلام لها استقراراً، ورحل إليها ونشأ بها واستوطنها العلماء الأعلام، والسادة من أولياء الله الكرام، وأهل الفضائل والصناعات البديعة .

استكمالا لما بدأناه في الحديث عن محافظي مصر الذين تولوا المسئولية عبر السنين القريبة ، هناك عدة حقائق عن محافظة القاهرة أو عاصمة مصر يجب ذكرها أولاُ والتي تُصنف في الوقت الحالي واحدة من أكبر 10 عواصم وازحمها على مستوى العالم  ، وهى الأقدم التي تضم عواصم لدول قديمة  حكمت مصر عبر التاريخ ، ومازالت اثارها موجوده حتى الان ويسكنها سكان القاهرة ، بمناطقها ومبانيها القديمة في الفسطاط والعسكر والقطائع التي بدأت مع دخول الإسلام لمصر ، و تضم الان مناطق وأحياء مصر القديمة  ، وبها أيضاً القاهرة الفاطمية وتشمل حالياً مناطق الأزهر والحسين والظاهر والدراسة ، وتوجد القاهرة الخديوية والتي تضم مناطق عابدين ووسط البلد . 
بينما أضُيف للقاهرة عدة أحياء لم تكن ضمن حدود العاصمة قديماُ ، أضُيفت لها مع بداية القرن العشرين منها احياء حلوان والمعادى ومصر الجديدة والزمالك وعين شمس والمطرية وسبقهم قليلاً حى شبرا الذي اسسه محمد على عام  1809 ثم أضيف اليهم حى مدينة نصر في الستينات من القرن الماضي .
اما العشوائيات فقد ظهرت في حقبة السبعينات ، وبدأت مع ظهور ازمة المساكن وبدء ظاهرة سكان المقابر ، والتى تحولت مع الوقت الى احياء كبيرة ومزدحمه كحى البساتين ومناطق قلاون وباب الوزير ، وكلما اشتدت ازمة الاسكان زاد عدد سكان المقابر من الاحياء ، فكان نصيب القاهرة التي تضم 25 حياً ما يزيد عن 72 منطقة عشوائية وبينما تجاوز عدد سكان مدينة القاهرة الأن رقم الـ 17 مليون نسمة  .
وقبل الحديث عن ابرز محافظي القاهرة وتجاربهم معها ، هناك محطات لابد من ذكرها ، اثرت في شكل العاصمة وجغرافيتها حتى وصلنا لشكلها الحالى ، ابرز تلك الشخصيات والتى لن ينساها تاريخ القاهرة هي شخصية عبداللطيف البغدادي عضو مجلس قيادة ثورة يوليو ، والذي لم يكن محافظاُ للقاهرة في يوم من الايام ولكنه كان صاحب الفضل في إنشاء كورنيش النيل الممتد حالياً من حلوان وحتى شبرا الخيمة.
فحتى عام 1953 لم يكن طريق الكورنش مكتملاُ وكان ومليء بالحواجز التي تعيق مرور طريق يطل على نهر النيل مباشرة ، ولم يكن متاحاً حتى هذا التاريخ لابناء الشعب المصري رؤية نهر النيل مباشرة بطول القاهرة ، فكانت رؤية النيل حكراً على الأجانب بسفاراتهم ومبانيهم وحكر للاثرياء التي كانت تطل قصورهم وفيلاتهم على النهر بمراسى خاصة، مثلهم فى ذلك مثل السفارتين البريطانية والأمريكية والثكنات العسكرية الانجليزية بالمنطقة المحيطة بـ كوبري قصر النيل 
وكانت فكرة  إنشاء كورنيش للنيل يمتد من شبرا إلى حلوان، أحد أهم المشروعات التى تبنتها ثورة يوليو فى خطتها الخمسية الأولى ، وكان انشاء طريق الكورنيش أحد مظاهر التحدى  للنفوذ الاجنبي فى مصر إلى جانب انه مشروعاً قومياً ، يعبر عن إنحياز ثوار يوليو للغالبية العظمى من الشعب المصري،وفى عام 1954 عهدت الحكومة لوزيرالبلديات والشؤون القروية آنذاك " وزارة التنمية المحلية حاليا " السيد/عبداللطيف البغدادي بتنفيذ مشروع شارع كورنيش النيل
بدأ البغدادي في تنفيذ المشروع فأخذ فى طريقه مساحات كبيرة من الأراضى الخاصة والمؤسسات العامة أيضاً مثل المطبعة الأميرية وترسانة بناء السفن ، وقام بهدم عدد من القصور والفيلات المُطله على النيل مباشرة ،حتى اصطدم بمبنى السفارة البريطانية التي كانت تحتل مساحة كبيرة مطلة مباشرة على النيل
فأعطى البغدادى لمسؤولى السفارة البريطانية مهلة 48 ساعة فقط لتنفيذ الازالة ولكنهم ماطلوا فقام بهدم جزء كبير من المبنى  بالبلدوزر ليفتح الطريق أمام استكمال المشروع متجاهلا كونها سفارة الدولة العظمى الاكبر في العالم في هذا الوقت وجيشها مازال يحتل جزء من مصر ولكنها الكرامة الوطنية التي وضعها البغدادي وخلفه ثوار يوليو أمام أعينهم  .
وبالفعل ينتهى البغدادى من انشاء الكورنيش في زمن قياسى، وتم أفتتاحه في يوليو عام 1955 وسط احتفالات رسمية وفرحة شعبية كبيرة ، وعرف المصريون لأول مرة فكرة التنزه على شاطئ النيل والإستمتاع بمنظره وهواه النقي .
وللحديث بقية