رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

وثائق وأسرار معركة «المهاجر» (2)| فتوى مفتى مصر التى أنقذت الفيلم والحلم

المهاجر
المهاجر

- 18 يوليو 1993 حصل يوسف شاهين على موافقة الرقابة على تصوير الفيلم رغم وجود بعض الملاحظات الرقابية

- أوفدت المصنفات رقيبًا لمصاحبة بعثة التصوير للتأكد من تنفيذ الملاحظات الرقابية

تظلم «المهاجر» إذا اعتبرته وصنّفته على أنه مجرد فيلم سينمائى، حتى لو خلعت عليه كل أوصاف الروعة والسحر، ذلك لأنه أكبر من ذلك وأخطر، ولا نبالغ عندما نقول إنه تجاوز فكرة العمل السينمائى، وتحول إلى معركة طاحنة اختلطت فيها السينما بالسياسة وبالمقدس الدينى، وأثارت من الصخب ما جعلها تسرق الأضواء والاهتمام حينها من قضايا مصيرية، وتجاوزت أصداؤها الحدود المصرية وراحت العيون فى العالم العربى والغربى تتابعها باهتمام وشغف، وتترقب وتترصد تطوراتها وفصولها وجلسات المحاكمة ومصير الفيلم وصاحبه.. بل مصير وطن كان يخوض معركة حياة مع طيور الظلام.

وفى العام ١٩٩٧ عُرض «المهاجر» لأول مرة تليفزيونيًا، ولم يكن الأمر مجرد عرض تليفزيونى أول لفيلم سينمائى، بل كان نهاية لمعركة شرسة خاضها مخرجه يوسف شاهين، حارب فيها على جبهات عدة، وفى مواجهة خصوم شتى، كلهم تكتلوا لمنع الفيلم ومصادرته، ووصل النزاع إلى ساحات المحاكم، حتى نجح فى الانتصار لفيلمه وظهر للنور. وبعد مرور ربع قرن على نهاية هذه المعركة نتصور أنها تستحق قراءة جديدة ورؤية مختلفة، ونتصور أن «المهاجر»- الفيلم والقضية- لم يبح بعد بكل أسراره، ويحتاج إلى جهد حقيقى فى التنقيب عنها والكشف عما خفى منها، وتقديم صورة كاملة عن الفيلم الذى أقام الدنيا وشغل الناس وتسبب فى تغيير القوانين فى مصر.

د. سيد طنطاوى يقترح تقديم «معالجة غير مباشرة» لقصة يوسف وإخوته

فى قلب تلك الحالة من اليأس انفتحت أمامه فجأة طاقة من الأمل، أطلت من تصريح قرأه لمفتى الديار المصرية يومها د. محمد سيد طنطاوى «جلس على كرسى الإفتاء من ١٩٨٦ وحتى ١٩٩٦ ثم شيخًا للأزهر خلفًا للشيخ جاد الحق من ١٩٩٦ وحتى رحيله عام ٢٠١٠». 

فقد سئل المفتى حينها عن رأيه فى أزمة فيلم «يوسف وإخوته» فاقترح بأن على صاحبه أن يبحث عن حلول فنية يتفادى بها قرار المنع، ما دام غرضه نبيلًا ولا يقصد التعرض لقصة نبى الله يوسف الصديق فى ذاتها.

والتقط يوسف شاهين الخيط، وذهب إلى المفتى يسمع منه ويناقشه، بعد أن أعاد له الأمل، وكانت تصريحاته وكأنها يد من خلال الموج مُدت لغريق.

كان اللقاء بين المفتى والمخرج فاصلًا فى المعركة المحتدمة، وكان الشيخ طنطاوى يمتلك من الحجة والإقناع ما جعل يوسف شاهين بكل تمرده وجنوحه وجنونه ينصت إليه بإعجاب بالغ.. ويخرج من عنده بحل عملى وعبقرى لإنقاذ الفيلم والحلم.

ملخص كلام الشيخ، حسب ما حكاه لى ناصر أمين محامى شاهين فى القضية نقلًا عن موكله: تقديم قصة يوسف الصديق مباشرة، وبالسيناريو المطروح هو أمر مستحيل الموافقة عليه وتمريره، ولذلك فأمامه حلان: الأول.. أن يتنازل عن نصف طموحه بأن يقدم قصة يوسف وإخوته فى مرحلة ما قبل البعثة، ومن خلال راوٍ ينقل كلام يوسف وأبيه يعقوب عليهما السلام، فلا يجوز أن يظهرا بشخصيتيهما الحقيقيتين.. وأما الحل الثانى فهو أن يقوم بتجريد القصة ويأخذ منها المعنى والعظة ويقدمها بمعالجة غير مباشرة للوقائع والشخصيات.. وكانت لدى المفتى حجة درامية شديدة الإقناع: فالثابت قطعًا أن يوسف عليه السلام كان آية فى الجمال والحسن، بدليل أن صاحبات امرأة العزيز قطعن أيديهن من فرط حسنه، فمن هو الممثل الذى يمكن أن يقوم بهذا الدور ويصدقه الناس مهما كانت براعته وموهبته؟!.. يستحيل أن يجد ممثلًا بتلك المواصفات.. فلماذا يُدخل نفسه فى مقارنة يعلم أنه الخاسر فيها قبل أن يدخلها؟!.. ولماذا لا يطلق العنان لخيال المشاهد ولا يحجر عليه؟!

كانت المبررات شديدة الإقناع له كمخرج وفى غاية المنطق له كمبدع، وخرج شاهين من عنده بقرار واضح بضرورة البحث عن معالجة جديدة للفيلم، يحافظ فيها على رؤية الشيخ التى يتجاوز بها الموانع الشرعية، وفى الوقت نفسه يحافظ على جوهر الفكرة الأصلية، وبكل ما تحمله من إسقاطات ورسائل، عن شاب يتعرض لظلم بيّن من أقرب الناس إليه، ورغم ذلك يتجاوزه ولا ينزلق إلى العنف والانتقام، بل يمنحه الإرادة والحافز على النجاح الباهر فى النهاية.

وأعاد يوسف شاهين كتابة فيلمه بناءً على تلك الرؤية الجديدة الوجيهة، ولكنه لم ينس أبدًا قصة يوسف، فظلت مسيطرة على تفكيره طوال مشاهد الفيلم، حتى فى عنوانه، إذ أبقى على العنوان الأصلى: «يوسف وإخوته»، وبمجرد أن انتهى منه تقدم به إلى الرقابة على المصنفات الفنية، وكما استجاب لنصيحة مفتى الديار المصرية بتقديم معالجة غير مباشرة لقصة يوسف النبى، استجاب كذلك لنصيحة رئيس الرقابة بتغيير اسم الفيلم، الذى يمكن أن يثير الريبة من جديد ويضعه تحت طائلة القانون ٣٥ لسنة ١٩٥٥ الذى يلزم الرقابة بعرض الأفلام التى تتعرض لأنبياء الله أو العشرة المبشرين بالجنة من صحابة النبى أو آل بيته الكرام أو الخلفاء الراشدين، على مجمع البحوث الإسلامية، وبما إن تجاربه السابقة مع المجمع كانت ماثلة وساخنة فى ذهنه، فإنه قَبِل الملاحظة فورًا وعدّل اسم الفيلم إلى «المهاجر»، كما عدّل أسماء الشخصيات، فبطله مثلًا تحول من يوسف إلى «رام».

وفى ١٨ يوليو ١٩٩٣ حصل يوسف شاهين على موافقة الرقابة على تصوير الفيلم، رغم وجود بعض الملاحظات الرقابية العامة التى وافق على أن يأخذ بها فى الاعتبار أثناء التصوير.

وبدأ يوسف شاهين فورًا فى تصوير «المهاجر» بعد أن استقر على فريق عمل الفيلم: تمثيلًا وتصويرًا وديكورًا وأزياءً وأماكن التصوير الداخلية والخارجية. «شارك فى صناعة الفيلم حشد غير مسبوق من النجوم والمبدعين، فى التمثيل: يسرا، محمود حميدة، خالد النبوى، صفية العمرى، حنان ترك، أحمد بدير، عمرو عبدالجليل، أحمد فؤاد سليم، والنجم الفرنسى ميشيل بيكولى.. تصوير: رمسيس مرزوق.. موسيقى تصويرية: الموسيقار محمد نوح.. تصميم ملابس: ناهد نصر الله.. ديكور: حامد حمدان.. مونتاج: رشيدة عبدالسلام.. صوت: دومينيك هينكان».

تسريب نسخة السيناريو تشعل المعركة من جديد

كان كل شىء يسير فى هدوء وبلا ضجيج، بل إن يوسف شاهين انتهى من التصوير وحدد موعدًا لنزول الفيلم إلى دور العرض، لكنه فوجئ بما لم يكن فى الحسبان، فقد وجد نفسه وفيلمه فى قلب عاصفة عاتية وجاءت الرياح بما لم تشته سفنه وخططه.

والذى حدث أن نسخة من سيناريو الفيلم تسربت من الرقابة ووصلت إلى مجمع البحوث الإسلامية، لتنبهه إلى «الجريمة» التى تتم من وراء ظهره، وإلى الخديعة التى لجأ إليها يوسف شاهين وتحايله على الرقابة لتمرير فيلمه عن نبى الله يوسف دون الرجوع للمجمع، ومن جديد وجد يوسف شاهين نفسه فى صدام أكثر حدة مع المؤسسة الدينية وقوانينها المانعة لظهور الأنبياء على الشاشة. 

وبتاريخ ١٧ أكتوبر ١٩٩٣ أرسل المجمع خطابًا رسميًا إلى الرقابة يطلب نسخة «رسمية» من سيناريو «المهاجر» لفحصها ومراجعتها، ولم يكن أمام رئيس الرقابة حمدى سرور سوى الرضوخ والاستجابة للطلب. وفى ٢ نوفمبر ١٩٩٣ أرسلت الرقابة نسخة السيناريو ومعها هذا الخطاب الذى حاولت فيه أن تخلى ساحتها وتوضح موقفها وتؤكد أنها لم تخالف القانون:

«فضيلة الأستاذ الشيخ فتح الله يس جزر مدير عام البحوث والترجمة/ مجمع البحوث الإسلامية/ الأزهر.. تحية طيبة وبعد.. فبالإشارة إلى كتاب فضيلتكم رقم ٣٢٧ فى ١٧/١٠/١٩٩٣ بشأن طلب نسخة من سيناريو فيلم (المهاجر) تأليف وإخراج يوسف شاهين.. نتشرف بأن نرفق نسخة من السيناريو المذكور علمًا بأن الإدارة قد وافقت على تصوير السيناريو بعد أن تأكدت بأن موضوع السيناريو هو مجرد فكرة سينمائية لم تشر من قريب أو بعيد إلى أن المقصود هو قصة سيدنا يوسف، وتأكيدًا من الإدارة على ذلك فقد اشترطت على صاحب الشأن عند التنفيذ مراعاة الآتى:

- التأكيد على أن أحداث الفيلم لا تمت إلى أى قصة أو حادثة فى التاريخ وأنها مجرد رؤية سينمائية لفترة خصبة فى التاريخ المصرى القديم.

- تحاشى كل ما يسىء إلى التاريخ والحضارة المصرية أو إضفاء صبغة سياسية على أحداث السيناريو، أو الربط بين قصة أحد الأنبياء ومفاهيم سياسية لا تتفق مع المشاعر الوطنية.

- تعهد الشركة المنتجة بعدم عرض الفيلم فى أى مكان بالعالم قبل عرضه على الرقابة المصرية وموافقتها وإلا اعتبر الترخيص لاغيًا.

- تفادى كل ما يفيد بأن «رام» قد جاء إلى مصر ليساعد المصريين فى بناء الهرم أو ليعلمهم فنون الزراعة، وإنما جاء للاستفادة من نور العلم والعلماء بمصر.

- أوفدت الإدارة رقيبًا لمصاحبة بعثة التصوير للتأكد من تنفيذ الملاحظات الرقابية.. هذا ويمكن لفضيلتكم إيفاد من ترونه لمشاهدة الفيلم بعد وروده للإدارة، كما نرجو التفضل بعد الإطلاع بالتنبيه على إعادة نسخة السيناريو إلى الإدارة.. والسلام عليكم ورحمة الله.. المدير العام حمدى سرور».

ورغم كل ما ساقته الرقابة من تطمينات، إلا أن تقرير مجمع البحوث عن سيناريو «المهاجر» جاء صادمًا للجميع، فبتاريخ ٥ فبراير ١٩٩٤ أرسل المجمع إلى الرقابة: 

«يلاحظ أن قصة يوسف وقصة المهاجر كلتاهما قصة واحدة والاختلاف فى الأسماء وصياغة الأحداث وتصويرها وذلك للتمويه، وأن وجوه الاتفاق الكثيرة مثل تهيئة امرأة العزيز المكان ليوسف ومراودتها له عن نفسه، ومصير يوسف الذى انتهى إليه بزجه فى غياهب السجن، واعتراف امرأة (أميهار) أو امرأة العزيز أمام المجلس الذى دعا إليه الملك ببراءة يوسف وأنها هى التى راودته عن نفسه.. وكذلك بالنسبة لحضور أبناء آدم أو أبناء يعقوب إلى مصر وتعرفهم على أخيهم وكيفية التعرف وحكايته.. إلخ، فإن هذه الأحداث كلها مسجلة فى سيناريو (المهاجر) وسيناريو (يوسف وإخوته) الأمر الذى يقطع بأن القصتين قصة واحدة».

«كما يُلاحظ أن الكاتب قد أفلتت منه عبارات شائنة ومبتذلة فى سيناريو (المهاجر) مثل قوله فى الصفحة ١٤٩ المشهد ١١١: هورى: أى حمار يؤكد لك أن النسوان هما اللى ممشيين العالم.. والفرعون نفسه الملكة (تى) مجرجراه من مناخيره.. وقوله: وإنتى بقا لك شهور مختفية من كل الحفلات والمواكب مشغولة بالحدود إنتى رخره.. بلد تحكمها نسوان لا بد إنها تروح فى داهية.. وإلى غير ذلك من العبارات التى تسىء إلى الفيلم والمشاهدين.. حيث إن سيناريو المهاجر هو نفسه سيناريو يوسف عليه السلام.. فإن الإدارة ترفض تصوير هذا السيناريو بصورته الحالية لمخالفته الشريعة، ولاحتوائه على العبارات الهابطة والمشاهد الخارجة على تقاليد المجتمع وآدابه.. برجاء التفضل بالاطلاع واتخاذ اللازم».

وبعدها بأيام قليلة، وفى ١٢ فبراير، أرسل المجمع خطابًا رسميًا إلى مساعد وزير الداخلية يطلب تدخل الوزارة لوقف تصوير الفيلم.

دعوى قضائية عاجلة والمحكمة تحكم بوقف عرض العمل 

تصاعدت الأحداث، خاصة بعد أن وقع تقرير الأزهر فى يد المحامى محمود أبوالفيض، الذى أسرع- استنادًا إلى موقف مجمع البحوث الإسلامية- بإقامة دعوى أمام محكمة الأمور المستعجلة يطالب فيها بوقف عرض الفيلم ومصادرة النيجاتيف ومنعه من التوزيع الخارجى.. 

ووصلت الأحداث إلى الذروة بصدور قرار من المحكمة بمنع الفيلم من العرض ومصادرته.. ليبدأ فصل جديد مثير فى معركة «المهاجر».

فقد جاء حكم محكمة القاهرة للقضاء المستعجل فى جلستها الخميس ٢٩ ديسمبر ١٩٩٤ بمنع عرض فيلم «المهاجر» ومصادرة نسخ العرض مفاجئًا وصادمًا ومربكًا ليوسف شاهين، الذى كان يظن قبله أنه نجا بفيلمه من الصدام مع المؤسسة الدينية الرسمية، وكذلك مع الرقابة على المصنفات الفنية، خاصة أن الحظ كان حليفه طوال شهور التصوير، فأنجزه فى وقت قياسى عما قدر، وفى هدوء وبلا ضجيج كما خطط، بل إن الطبيعة تحالفت معه عندما هطلت الأمطار بغزارة وفى غير أوانها فى وادى الريان بالفيوم، فجاء مشهد المطر ضمن أحداث الفيلم فى غاية الروعة وبأمطار حقيقية وليست مصنوعة.. 

ووصل الحظ السعيد إلى ذروته عندما وافق رئيس الرقابة حمدى سرور على رجاء شاهين بأن يسافر بنفسه إلى باريس ليشاهد نسخة الفيلم فى معمل التحميض، ليوقع بنفسه على التصريح بعرضه، خشية أن تتأخر وصول النسخة إلى القاهرة، ولم يكن قد تبقى على انتهاء مدة خدمة حمدى سرور كرئيس للرقابة سوى أيام معدودات.

وبالفعل كان الترخيص بعرض «المهاجر» هو آخر قرار يوقعه حمدى سرور كرقيب، وتنفس شاهين الصعداء، وزال القلق الذى سيطر عليه حينها خشية أن يكون خلفه أكثر تشددًا، ويعطل عرض الفيلم.

واحتفالًا بتلك النهاية السعيدة أقام شاهين فى أول سبتمبر ١٩٩٤عرضًا خاصًا فور وصول نسخة الفيلم من باريس، دعا إليه عددًا من أقرب أصدقائه كان من بينهم د. أسامة الباز، مستشار الرئيس مبارك للشئون السياسية، وبناءً على ما تلقاه من استحسان لمستوى الفيلم حدد يوم ٢٦ من الشهر نفسه موعدًا لنزوله إلى دور العرض السينمائية.

فإذا بكل المصادفات السعيدة تنتهى فجأة، ويتحول الحلم إلى كابوس، ويجد شاهين نفسه فى دوامة، وفى معركة قضائية خسر جولتها الأولى بهذا الحكم الذى قضى بمنع عرض الفيلم ومصادرته.

وتشهد وقائع تلك الجولة بالبراعة لمحمود أبوالفيض، المحامى، وهى براعة يشهد له بها ناصر أمين محامى خصمه نفسه فيقول لى: الحق أنه أدار القضية بذكاء وبأداء قانونى رفيع المستوى، ونجح فى التأثير على المحكمة باستخدام أسباب «شعبوية» تدق على العاطفة الوطنية والدينية، ونجح فى استخدام كل الوسائل الممكنة وغير الممكنة، ووقتها تسربت نسخة من السيناريو- بدا أنه تسريب متعمد- ووقعت النسخة فى يد السيناريست جابر عبدالسلام، وباعتباره رقيبًا سابقًا فى الجيش فإنه تقدم ببلاغات ضد الفيلم إلى جهات سيادية بدعوى أنه يسىء إلى العسكرية المصرية، ويطالب بمنع عرضه، وهو البلاغ الذى التقطه محمود أبوالفيض وأدخل صاحبه متضامنًا معه فى القضية، وهو ما قوى موقفه القانونى وجعله يحصل فى النهاية على حكم بمنع عرض الفيلم.. 

وبسبب القضية وحساسيتها وملابساتها وخطورة الاتهامات الموجهة ليوسف شاهين فإن وزارة الداخلية قررت أن تفرض عليه حراسة خاصة، خشية أن يتعرض لمحاولة اغتيال من متشددى التيار الدينى والجماعات الإرهابية، وكان شاهين قبلها يرفض فكرة الحراسة ويقاومها بشدة ويرى أنها تقيد حريته ولا يستطيع الحركة فى ظل حارس يتبعه كظله، ولكنه هذه المرة لم يستطع الرفض وخصصت له وزارة الداخلية حراسة خاصة، وهو أمر حاول التكيف معه حتى لا يشغله عن معركته وقضيته.. ولكن جابى خورى ابن شقيقته وأقرب مساعديه فى شركة «مصر العالمية» يفجر لى مفاجأة: «عاش خالى أصعب أيامه، كانت حالته المزاجية سيئة، كل يوم فى مناقشات وجلسات للبحث عن حلول، لكنه قرر أن يقاوم الظروف، وأذكر كلمته البليغة: هم لم ينجحوا فقط فى وقف الفيلم ولكن (وقفونى) أنا شخصيًا، فى إشارة إلى الحراسة المفروضة عليه والتى تقيد حريته وتفكيره، كان يرى أن خصومه كسبوا على كل الجبهات، كسبوا قضيتهم بوقف الفيلم وحصلوا على ما يرغبونه من شهرة، لكن مكسبهم الأكبر هو أنهم أوقفوه عن التفكير وعن ممارسة حريته، وفى لحظة قرر أن يبلغ وزارة الداخلية بأنه يتحمل مسئولية نفسه وحماية حياته ويطلب سحب الحراس الذين يتبعونه فى كل مكان، كما قرر ألا يستسلم وأن يستأنف على الحكم ولا يرفع الراية البيضاء».