رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

تصحيح المسار فى منتصف العمر.. الفلسفة فى كبسولة ملونة

تصحيح المسار فى منتصف
تصحيح المسار فى منتصف العمر

عنوان الكتاب خادع لأنه يناقش عشرات القضايا غير "أزمة منتصف العمر" التى يوحى بها عنوانه. 

رحلة مثيرة يطوف فيها الكاتب وسط علوم مختلفة ومفيدة.. هذا هو الانطباع الذى ينتابك بعد قراءة كتاب "تصحيح المسار فى منتصف العمر" للدكتور بهى الدين مرسى والصادر عن دار نشر الأدهم مؤخرًا.. الكتاب يشبه مؤلفه والمؤلف طبيب كبير.. لكنه انطلق من الطب إلى الثقافة مثل كثير من كبار كتابنا من إبراهيم ناجى إلى يوسف إدريس ومن مصطفى محمود إلى صلاح حافظ وصولًا لمحمد المخزنجى وخالد منتصر وإيمان يحيى.. الطبيب يعتز كثيرًا بأن يصفه الناس بأنه "حكيم".. وهو وصف مشتق من التاريخ القديم, حيث كان العلماء يجمعون بين المهارة فى الطب والفلسفة والكيمياء والعلوم المختلفة.. الدكتور بهى الدين مرسى فى "أزمة منتصف العمر" يثبت أنه حكيم, ولكن على طراز ٢٠٢٢ فهو يجمع بين الطب وإدارة الأعمال التى درسها دراسة أكاديمية وتخصص فيها بعد سنوات طويلة من ممارسة الطب، وهو يجمع إلى هذا وذاك ثقافة عامة عريضة ودراية واسعة بالدين الإسلامى وقضايا التجديد فى الفكر الدينى.. وهو يضع كل هذه الخلطة فى كتابه الذى تحتار فى تصنيفه ولا تعرف.. هل هو كتاب تنمية بشرية عادى؟ أم هو كتاب يقدم الفلسفة بلغة بسيطة؟ ولا تعرف هل هو سيرة ذاتية لصاحبه؟ أم أنه «خلاصة» رحلة حياة صاحبه دون التوقف عند أحداث بعينها وكأنه يقدم لك «روح» سيرته الذاتية أو عطرها المركز دون أن يشغلك بما حدث فيها؟.. يخدعك عنوان الكتاب فتظن أنه كتاب عن «أزمة منتصف العمر».. لكنك حين تبحر بين فصوله المختلفة تكتشف أنه يتخطى هذه الفكرة لاهتمامات شتى غيرها، فهو إذن ليس كتابًا عن أزمة منتصف العمر وإن كان صاحبه قد كتبه بعد أن تخطى منتصف العمر وهو كما قلنا ليس كتاب تنمية بشرية وأيضًا ليس كتاب طب!

والأدق أنه كتاب عابر للنوع وعابر للتصنيف وإن كل فصل من فصوله يصبح عنوانًا لكتاب كامل، فهو يبدأ بفصل يحرض القارئ فيه على أن يحدد مصيره بنفسه ويضع له عنوانًا مثيرًا هو «هل أنت فاعل أم مفعول به»؟ ويروى فى الفصل كيف أصبح طبيبًا بعد أن أعجب بمنظر الطبيب الذى جاء للكشف على والده.. ثم هو ينطلق بعد هذا الحديث عن ما يسميه صناعة القدوة وخطورة القدوة السيئة.. ثم يغلبه طبعه كطبيب فيذهب إلى عالم كمال الأجسام وخطورة تعاطى أدوية تربية العضلات.. وهو يعود فى الفصل الثانى إلى حبه للفلسفة فيتحدث عن ماهية الذات الإنسانية والتصنيفات الانفعالية للبشر ثم ينطلق إلى قضية فلسفية خطيرة وهى «موقع الربوبية فى الضمير الإنسانى» وهى قضية معقدة.. لكنه ينطلق منها إلى موضوع أبسط وهو كيف نتكيف مع مقتضيات الحياة وهل نتكيف أم نتأقلم؟ لأن بين الاثنين فارقًا كبيرًا، وهو ينطلق فى فصل تالٍ إلى خلاصة تجربته الذاتية تحت عنوان «حصاد الحياة» ويبدأه بحكمة مفيدة وهى أن «الثراء هو ما تستمتع به مما كسبت وليس قدر ما تملكه من ثروة»!! وهى حكمة بالغة العمق رغم أنها تبدو بسيطة.. وبديهية.. لكنها لو كانت كذلك لما سمعنا كل هذه القصص عن البخل والبخلاء.. إن ترجمة هذه الحكمة أن من يملك ألف جنيه ويستمتع بها أكثر ثراءً ممن يملك مليون جنيه ولا يستمتع بها.. وهو يقول أيضًا إنه لا يوجد معيار معين لتحديد النجاح والفشل.. المسألة نسبية تمامًا.. ويصل إلى أن النجاح هو تحقيق المستهدف الذى رصدته لنفسك مهما كانت قيمته.. والمعنى أنك أنت الذى تحدد هل نجحت أم لا وفق ما حددته لنفسك من البداية.. وفى فصل تالٍ يعود د. بهى الدين مرسى إلى طبيعته كطبيب ويتحدث عن العلاقة بين الروح والجسد وكيف تؤثر أحوالنا النفسية على أجسادنا بالسلب والإيجاب.. ثم يعود فى الفصل الذى يليه إلى تخصصه الثانى بعد الطب وهو التنمية البشرية ويقدم فصلًا بعنوان «تطوير الذات» يعود فيه إلى عدد من المراجع الهامة فى هذا المجال الذى يشغل الملايين حول العالم.. ويواصل العزف على وتر التنمية البشرية بفصل يحمل عنوانًا مثيرًا للغاية وهو صناعة السعادة وهى كما نعرف جميعًا حلم البشر أجمعين منذ بدء الخليقة وحتى يوم الدين.. حيث يحلم الجميع بالسعادة ويصل لها القليلون.. والحقيقة أن كتاب د. بهى الدين مرسى رحلة مثيرة فى صنوف شتى من المعرفة لكنها رحلة هامة وممتعة.. لا يمكن أن تدرك أهميتها إلا بعد أن تقرأ الكتاب نفسه.. جرب ولن تندم.