رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

رموز.. وجنائز!

«بيننا وبينهم الجنائز».. مقولة شهيرة منسوبة إلى الإمام أحمد بن حنبل، فإذا كان التاريخ هو تسجيل الأحداث والوقائع التى مرت على الشعوب فى الماضى، فإن الجنازات أو مراسم التشييع واحدة من أهم الأحداث التاريخية التى تسجل الحالة التاريخية والظروف السياسية التى ارتبطت بالشخصية الراحلة، وهنا قد يكون الراحل شخصية سياسية أو فنية أو دينية.

وبالربط بين أحداث الجنازات أو مراسم التشييع، سوف نقرأ جزءًا مهمًا من تاريخنا الوطنى والسياسى والاجتماعى كجزء مهم من التاريخ الحديث والمعاصر؛ من المفيد أن نتوقف أمامه ونقرأ تفاصيله وما أحيطت به من أحداث وعوامل أدت إلى ظهور جنازة شخصية تختلف عن شخصية أخرى، وزعيم عن زعيم آخر، أو فنان عن فنان آخر.

أتوقف هنا عند مرحلة مهمة فى تاريخ النضال الوطنى ومقاومة الاحتلال الإنجليزى ونقرأ أحداث تشييع جنازة الزعيم المصرى الشاب مصطفى كامل الذى رحل يوم 10 فبراير عام 1908 عن عمر 34 عامًا، وشيعت جنازته ودفن بداية فى مقابر الإمام الشافعى، وكانت جنازته شعبية أكثر منها رسمية، ولم تكن جنازته تليق به كسياسى بارز وهو أول من تبنى وجهة النظر المصرية وروج لها ضد الاحتلال فى الخارج، وأول من دعا إلى إنشاء الجامعة المصرية ومؤسس الحزب الوطنى وجريدة اللواء، ولكن ظرروف الاحتلال حالت دون تكريمه بالشكل اللائق، غير أنه وبعد 31 عامًا من وفاته، وقف المحامى والمؤرخ الشهير عبدالرحمن الرافعى فى مجلس النواب المصرى، مطالبا بتكريم الزعيم الوطنى الذى يرقد فى مدافن الإمام.

بينما تم تخصيص مبلغ 200 ألف جنيه لبناء ضريح خاص للزعيم سعد زغلول، فاعتمد البرلمان مبلغ 50 ألف جنيه لبناء ضريح خاص يليق بالزعيم مصطفى كامل، وبعد قيام ثورة يوليو وفى 11 فبراير عام 1953 تقرر نقل رفات الزعيم الراحل لمقره الجديد وتشييع جنازته من جديد وبالفعل خرجت جنازته الثانية من- دار اللواء- وهو مقر الجريدة التى أسسها وتم دفن الزعيم فى مقبرة خاصة بنيت على الطراز الإسلامى أمام قلعة محمد على فى الطريق الواصل للسيدة عائشة.

وهنا لا بد أن نتوقف عند زعيم آخر توفى خلال أحداث ثورة 19 رحل خلال فترة نفيه للخارج وهو الزعيم محمد فريد الذى يحسب له التصدى لمؤامرة مد امتياز قناة السويس لعام 1968 كما كان يطالب الاحتلال، وهو أيضًا من أسس نقابة العمال المصريين وكان أيضًا الساعد اليمنى للزعيم مصطفى كامل.
وخلال نفيه متنقلًا بين الأستانة وأوروبا رحل يوم 15 نوفمبر عام 1919 بألمانيا وحالت ظروف الاحتلال من عودة جثمانه إلى مصر فتم حفظه داخل كنيسة ألمانية حتى تطوع 12 من تلاميذه لإنهاء إجراءات نقل الجثمان إلى مصر على نفقتهم الخاصة، ولكنهم وللأسف لقوا حتفهم جميعًا نتيجة حادث قطار دامٍ وقع بين النمسا وإيطاليا، وللأسف أيضًا لم يذكرهم أحد، ثم قرر الحاج خليل عفيفى تاجر المانيفاتورة الوطنى تحمل تكاليف نقل جثمان الزعيم إلى مصر على نفقته الخاصة وسافر إلى ألمانيا، وكاد يفشل فى نقل الرفات ولكنه نجح فى النهاية بعد أكثر من شهر وتم نقل الرفات إلى ميناء الإسكندرية فى شهر يونيو 1920، حيث تولى كل من أحمد باشا يحيى ترتيب مراسم التشييع من الإسكندرية، وقامت شركة جومون للسينما بوضع كاميرات تصوير بالشوارع، وقامت للأول مرة بتصوير الجنازة فى مصر، وكان وداعًا مهيبًا شارك فيه جموع من المصريين توافدوا على الإسكندرية من محافظات الدلتا، وفى القاهرة دعا الأمير عمر طوسون لتأسيس لجنة من شباب الأحزاب والوطنين للإشراف على جنازة الزعيم فى القاهرة، وتم بالفعل تشييعه مرة أخرى يوم 9 يونيو 1920 وسط إجراءات أمنية مشددة إلى مقابر السيدة نفيسة، وقد اتخذت الحكومة إجراءات غير عادية فى هذا اليوم، منها قرار بأن يكون يوم جنازة الزعيم محمد فريد إجازة رسمية لجميع المصالح الحكومية والمدارس والمصانع، وبعد قيام ثورة يوليو تقرر نقل رفات الزعيم مرة أخرى إلى جوار صديقه الزعيم مصطفى كامل وتم النقل بمراسم رسمية وبالموسيقى العسكرية ليكون عدد مرات تشييع الزعيم محمد فريد هو خمس مرات، أما الجنازة الأهم والأكبر فى هذه المرحلة فكانت جنازة الزعيم سعد باشا زغلول عام 1927 وهى أول جنازة يتم تصويرها سينمائيًا، لم تتكرر تفاصيلها وضخامتها فى النصف الأول من القرن العشرين إلا خلال تشييع جنازة الفنان الكبير نجيب الريحانى عام 1949.
انتظروا تفاصيل وشخصيات وأحداثًا أخرى الأسبوع المقبل.