رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

المرجفون فى المدينة

من حسن الطالع أن يتزامن الاحتفال بنصر أكتوبر مع الاحتفال بذكرى المولد النبوى الشريف، ومن الذكاء أن نبحث عن المعنى وراء الذكرى وألا ننشغل بالشكل عن المضمون.. المعنى وراء نصر أكتوبر هو أننا ننتصر عندما نعمل وعندما نعرق وعندما نخطط وعندما يؤدى كل منا دوره فى تخصصه.. والمعنى وراء الاحتفال بمولد النبى الشريف أن ننفذ إلى جوهر رسالته وهو الإنسانية والرحمة والتعايش كما قال الإمام الأكبر وأكد سيادة الرئيس.. لقد توقفت كثيرًا أمام ما قاله الرئيس بالأمس حول خطورة الشائعات وكونها جريمة فى حق المجتمع فإذا بى أتذكر أن مجتمع المسلمين فى المدينة نفسه عانى من الشائعات، وأن الرسول الكريم نفسه وله من العصمة ما لم يتأت لبشر عانى من الشائعات والافتراء والأكاذيب، وأنه إلى جانب المسلمين المخلصين كان يعيش فى المدينة من سماهم القرآن بـ«المنافقين».. والمنافق فى اللغة هو الذى يُظهر عكس ما يبطن.. وأصل الكلمة من النفق الذى يحفره الأرنب ليهرب منه وقت الخطر.. حيث لهذا النفق فتحتان يستعمل واحدة منهما وقت الخطر.. وسمى المنافق منافقًا لأنه يجعل لنفسه وجهين.. والمنافقون كانوا يستهدفون الرسول كحاكم للمدينة بالشائعات، والتشكيك وأحاديث الإفك وهو نبى الله المعصوم، فما بالنا بالحاكم العادى أو المسلم العادى.. لم يكن المنافقون يشككون فى نبوة النبى أو يشقون عصا الطاعة عليه لأنهم لا يستطيعون مواجهته.. لكنهم يستهدفونه بالشائعات.. فإذا نادى للحرب أقنعوا الناس بأنه لا جدوى للحرب، وإذا مال إلى السلام أقنعوا الناس بأنه لا بد من الحرب.. إلخ وهم فى هذا يختلفون تمامًا عن أصحاب الرأى المختلف من المسلمين ومنهم من راجع الرسول فى خطة معركة بدر فأخذ برأيه ومنهم من راجعه فى شأن زراعة النخل فأقره على رأيه وقال قولته الشهيرة «أنتم أعلم بشئون دنياكم».. المنافقون أيضًا وصفهم القرآن بـ«المرجفين» وهم الخائضون فى الأخبار والفتن السيئة، كما تقول كتب التفسير.. و«الرجف» هو الاهتزاز الشديد.. والمعنى أن المرجفين يهدفون إلى هز ما هو مستقر وهدم ما هو ثابت وقد قال فيهم الله سبحانه وتعالى «لئن لم ينته المنافقون والذين فى قلوبهم مرض والمرجفون فى المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلًا».. ونحن لسنا صحابة ولا أنبياء ولكن مجتمعنا يتشابه مع مجتمع المدينة الأول فى أن كليهما كان يبنى نفسه ودولته وسط من يكره ذلك لأنه ضد مصالحه ويتشابه أيضًا فى أن المنافقين فى الحالتين ضعاف لا يملكون سوى سلاح الشائعات والإرجاف والتشكيك، ولا يعنى هذا أن مجتمعنا بلا أخطاء ولا عيوب.. بالعكس، لدينا أخطاؤنا وتحدياتنا ومشاكلنا، لكننا فى نفس الوقت ندرك أن «المرجفين فى المدينة» ليس هدفهم إصلاح أخطاء البناء ولكن هدمه، وندرك أن أضرار الهدم قاتلة ولا تقارن بعيوب البناء، وندرك أن هؤلاء المنافقين حلفاء للأعداء ومن ثم فهم «خونة» بالمعنى الوطنى والقانونى وأعداء لنا بالمعنى الاصطلاحى. ألا لعنة الله عليهم وعلى حلفائهم أجمعين.

والحقيقة أن الرئيس السيسى دخل إلى الموضوع مباشرة حين أشار إلى أن الشائعات جرم دينى كما أنها جرم سياسى، وكان أكثر مباشرة حين أشار إلى أن «الدين المعاملة» حيث ابتلى مجتمعنا فى العقود الأخيرة بمن صور لنا أن الدين هو الطقوس الدينية وليس المعاملة، وأقنعنا أن الدين هو المظهر وليس الجوهر، وأن الزى أهم من الأخلاق وأن الشعائر أهم من المشاعر.. فأصبحنا نرى من يصلى ويغش فى الميزان، ومن يصوم ولا يتقن عمله، ومن يحج ويدفع الرشوة، ومن ترتدى الحجاب وتمارس الغيبة والنميمة، ومن يستضيف الدعاة فى منزله لكنه يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين، ومن يسافر فى رحلات الحج الفاخر لا طلبًا لرضا الله ولكن لكى يقابل أصحاب الثروة والنفوذ ويوطد علاقته بهم خلال أيام الحج السريع الفاخر.. وقد انعكست هذه الممارسات الضارة على حالة مجتمعنا فتراجع العمل والإتقان لحساب التواكل، وتراجعت قيم التكافل ورعاية الفقير لحساب التدين المظهرى الفاخر والفارغ أيضًا.. وكان من علامات التراجع أيضًا أن المتطرفين وتجار الدين راحوا يدلسون على الناس ويقولون لهم إن تنظيمات الإرهاب تريد إعادة عصر الإسلام الذهبى الذى تسيد فيه المسلمون العالم، والحقيقة أن هؤلاء جهلاء ضالون، فالعصر الذهبى للإسلام تحقق حين انفتح المسلمون على الحضارات المجاورة لهم، وترجموا علومها وفلسفاتها وحين تجاهل حكامهم آراء المتطرفين التى كانت تنادى بحبس الفلاسفة والعلماء.. وقد وصلت الإمبراطورية العربية لأوج اتساعها فى عهد بنى أمية الذين كانوا بمثابة حكم مدنى للدولة الإسلامية.. وكانوا رجال سياسة لا رجال دين.. واستطاعت مواهبهم السياسية أن تصل بالدولة الإسلامية لأقصى اتساع لها بفعل عوامل دنيوية بحتة مثل الاستعانة بخبرات أهل البلاد المفتوحة وعقد التحالفات وتدريب الجيوش وغير ذلك من أخذٍ بالأسباب الدنيوية تطبيقًا لقول الرسول «أنتم أعلم بشئون دنياكم» وهى نقطة أحببت أن أؤكد عليها حتى لا نرى من التكفيريين من يستغل حديث كبار علمائنا عن العصر الذهبى للإسلام فى غير موضعه أو يستخدمه كمصيدة لاصطياد المراهقين والجاهلين بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.. والله أعلى وأعلم.