رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

الناقد عبدالكريم الحجراوى يكتب: لهذه الأسباب استحق عرض «شا طا را» جائزة أفضل عرض فى التجريبى

جريدة الدستور

الحكى والسرد من العناصر الفاعلة فى الثقافة العربية، وأُبدع من خلاله العديد من الفنون الأدائية المهمة والمعروفة لدى الخاصة والعامة. أما عن حضور السرد على خشبة المسرح فربما يكون واحدة من خصائص المسرح العربى حديث النشأة، وإن كان قد نفى أرسطو فى كتابه «فن الشعر»، عن الدراما، بشقيها التراجيدى والكوميدى، صفة السردية كونها محاكاة مباشرة لأناس يفعلون. ثم جاء برتولد بريخت فوضع مكانة مميزة للسرد كبديل للحبكة فى مسرحه الملحمى، وذلك بغرض تغريب المتفرج وجعله مراقبًا للأحداث لا مندمجًا معها، وهو ما توافق مع الذائقة العربية أكثر.

واعتمدت المسرحية المغربية «شا طا را»، للمخرج أمين ناسور، على هذه المدرسة فى مسرحة السرد والحكى، ونعنى بالسرد هنا كما عرّفه جيرالد برنس بأنه الحديث أو الإخبار عن واقعة أو أكثر سواء أكانت حقيقية أو خيالية من قبل سارد أو أكثر إلى مسرود له أو أكثر. وتتناول المسرحية حكاية ثلاث فتيات مغربيات، تسرد كل واحدة منهن للجمهور مأساتها عن العنف الذى تعرضت له. 

الأولى هى رابيعة، امرأة من شمال إفريقيا أم عازبة حملت سفاحًا بعدما غُرر بها فقررت الهرب إلى الغرب حتى لا يحمل ابنها وصمة العار التى وصمت بها، وفى رحلتها تفقد ابنها، وتضطر إلى العمل فى بيوت المتعة الزائلة، وأدت الشخصية شيماء العلاوى بلهجة مغربية أمازيغية.

والحكاية الثانية هى لـ«شانى» التى ولدت لأم من إفريقيا- جنوب الصحراء. تزوجت أمها من أحد أفراد قوات حفظ السلام بدولة إفريقية، وتركها لمصيرها بعد ذلك وغادر إلى بلاده. لتبدأ الابنة شانى بعد كبرها رحلة البحث عن أبيها فى الغرب لتواجه عنصرية مزدوجة هناك، فلا هى إفريقية ولا غربية، لا مقبولة فى بلاد أمها أو بلاد أبيها المجهول. وأدت هذا الدور باللغة الفرنسية الفنانة التى تحظى بمكانة شعبية كبيرة فى المغرب مونية لمكيمل، ورشحت عنه لجائزة أفضل ممثلة فى مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى.

والحكاية الثالثة طاليا، وهى شابة من الشرق، والتى روت معاناتها بلغة عربية فصيحة ذات سرد خلاب وتمكن لغوى الفنانة قدس جندول، زُوِّجت طاليا وهى طفلة صغيرة وسرقت عن عالم الطفولة واللعب، تطبخ وتعتنى بشئون البيت كسيدة ناضجة تقف لعدم اكتمال نموها على كرسى لتحلق بأوانى الطبخ على الموقد، وحين تعرضت قريتها للقصف قررت الهرب مع حبيبها ليغرق فى البحر وهو ينقذها من الغرق لتكتمل مأساتها فى الغرب. 

ثلاث حكايات لثلاث نساء منفصلات لا يجمع بينهن سوى هجرتهن إلى الغرب، والمعاناة التى تعرضن لها فى بلادهن التى شكّلها المخرج أمين ناسور بصريًا كما هى رحلات العذاب التى يخوضها المتصوفة من أجل الخلاص بالانتقال من وادٍ إلى وادٍ بحثًا عن السكينة والسلام. كما هى رحلات الطير فى «منطق الطير» لفريد الدين العطار، غير أن طيور العطار فى النهاية تسعد بالوصال مع السيمورغ، بيد أن شخصيات «شا طا را» لا يجدن هذا السلام والسعادة فى الغرب بل يبدأن معاناة أكثر قسوة وزيادة الفقد فى عالم يفترض كونه أكثر انفتاحًا على قضايا المرأة.

وقد عمل المخرج على كسر حدة السرد على خشبة المسرح من خلال الموسيقى والغناء المباشر للفنانة تيفيور، وموسيقى وأداء إلياس المتوكل. وبالاعتماد على الواقعية وتنويع اللغة. عبّر أداء الممثلات الثلاث عن حالة الغضب اللاتى بداخلهن جراء الصدمات التى تعرضن لها خلال رحلتهن إلى الحرية، سواء بالأداء الصوتى أو عبر الموسيقى التى تعبّر عن مواقفهن ولتنقل من مشهد حركى إلى آخر ومن شخصية إلى أخرى، وكذلك من خلال تشكيلات الإطارات التى دخلن بها إلى خشبة المسرح التى تغيرت دلالاتها حسب الموقف، فهى تارة ترادف السجن الذى عشن فيه هؤلاء النسوة ورغبتهن فى الانعتاق عنه، وتارة توحى كأنها شبكات صرف صحى كموازٍ لرؤيتهن للعالم الذى يعشن فيه. وأكدت تلك المعانى السينوغرافيا لأحمد سمار، وأيضًا من أجل إبراز معان جديدة لعذابات تلك النسوة اللاتى وحدتهن المسرحية فى اسم واحد «شا طا را»، وهو أول حرفين من اسم كل واحدة منهن «شانى، طاليا، رابيعة». 

حصد العرض القدر الأكبر من جوائز مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، جائزة أفضل عرض بالمهرجان، وجائزة أفضل مخرج، وأفضل عمل جماعى.. لتكون أولى جوائز المسرح المغربى عبر تاريخه فى مهرجان القاهرة.