رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

مقام راحل «1»

الجميع على أهبة الاستعداد، للرحيل يحزمون أغراضهم. 

حمل أغراض سيده، وضعها فى القمرة المخصصة له، رصّ الصناديق التى تحتوى على الأصباغ وأدوات الرسم، وحرص على التأكد من لوحات سيده، لوحات سجل فيها مشاهداته فى القطر المصرى، يساعد فى تجهيز النسيج للرسم عليه، ويجلس بالساعات رهن حركة أصابع سيده، وهى تحول هذا الفراغ الخاوى إلى عالم وحياة، عشرات الرسوم التحضيرية، ما يسميها سيده اسكتشات، ثم يعود ليرسمها بدقة وصبر فى مرسمه فى باريس.

يساعد سيده فى تسجيل تفاصيل كل مشهد يجذب انتباه سيده، ولا يكتفى السيد بذلك، لكنه يسجل هو الآخر ملاحظاته ويصف المشهد وصفًا مسهبًا، عشرات الاسكتشات لحراس القصور من حرّاس القصور النوبيين ومواكب المحمل فى شوارع القاهرة، ومضيئى الشموع فى بدايات الليل والأضرحة، وحواة الأفاعى والدلالين ورعاة الأغنام. 

كثيرًا ما يقلد أعمال سيده، تبهره لوحة العلماء الثلاثة: علماء الدين يتأملون فى مخطوطاتهم، يجلسون فى غرفة تحتوى على خزانة كتب خشبية مع نقوش أرابيسك بديعة. وأرضية الغرفة مزيّنة بسجادة كردية أو فارسية مع صندوق خشبى مطعّم باللآلئ. تتلألأ فى اللوحة ملابسهم التقليدية المكونة من عمامة وطربوش وجبّة أو قفطان، وأحذية مغربية حمراء. يحسد سيده على هذه القدرة على صقل سطح اللوحة وجمال الألوان التى تنبض بالحياة. 

يعرف من ملازمته لسيده أن ما يظهر فى اللوحة من تفاصيل الملابس والحلى والأسلحة ليست حقيقة ما كان يرتديه من يرسمهم، لكنها التحف التى يحرص السيد على جمعها ووضعها فى صناديق، وبداخل كل صندوق وصف مسهب للقطعة الفنية وتاريخ ومكان شرائه لها، ثم يستخدمها فى تزيين أيدى وملابس من يرسمهم. 

يتمنى يومًا أن يصل إلى ما وصل إليه سيده، هل يمكن تحقيق ذلك؟ لا وجه للمقارنة بين الخادم والسيد الذى يعمل والده فى بلاط الملك: فرانز جوزيف الأول، من أتيحت له أن يشاهد كنوز قصر شونبرون، وأن يدرس فى أكاديمية فيينا للرسم، فتعهده المعلمان رودولف إرنست، وجان بول لوران بالرعاية، وحببا إليه المواضيع التاريخية. 

يتأمل لوحات سيده وهى ملفوفة فى أكياس من القماش لحمايتها، فيدرك أنه ليس للمرء أن يطمع فيما ليس له.. يمر عليها بيده.. لوحات تفيض بالفخامة والدراماتيكية، كأنها خارجة للتو من كتاب الليالى العربية.. ينتبه ويبحث فى الصناديق المرصوصة بعناية فائقة عن نسخة الليالى الألمانية، استأذن سيده أن يخط قصة منها، رفض لكنه عاد وسمح له أن ينسخ قصة واحدة، تفتنه رحلات السندباد البحرى السبع، فيمضى لياليه فى نسخها، وتصبح المخطوطة سلواه بالليل فى الغربة الطويلة التى يعيشها مرتحلًا مع سيده فى بلاد غريبة عجيبة، لا يعقل سر افتنان سيده بها، لكنها بالقطع روح الفنان وقد بدأ يشعر بانعكاسها عليه، فبدأ خياله ينشط فى تجسيد لوحات لم يرها من قبل، وجعل من مغامرات السندباد موضوعًا لرسوماته، رسومات بالفحم الأسود تتحرك بها أصابعه، كأن بها مسًا. 

ظل يقاوم رغبته فى الرسم ويعللها بحسد شيطانى نما فى صدره تجاه سيده، حتى قابلها فى سوق المدينة، لم يكن مضى على قدومهما إلا يومان وما تبقى للعودة لباريس خمسة أيام. 

حزم أشياءه، لكنه متردد، لو أنه يعرف اسمها، بقيت ساعة على تحرك الباخرة، رآها مرتين تشترى مستلزمات من محل للعطارة، تتبعها، خادمة تحمل ما تتبضعه، اعترض طريقها، كأنه سهو، فسقط أسير لمحة غضب فى العينين وشبح ابتسامة على شفاه منفرجة قليلًا تحت خمارها.

ما الذى يريده؟، فقط أن يعرف اسمها، رسمها من خياله، هل تقبل منه الصورة، تتبعها لبيتها، فليحاول المستحيل فى هذه الساعة، طرق الباب، فتحت الخادمة، اندهشت، 

مد لها يده بالصورة، وقّعها باسمه ريمون، نطق صوته..

- السيدة الصغيرة، ريمون. 

ود أن تظهر، وخاف أن يخرج سيد أو عبد أسود. 

أدار ظهره عائدًا، سمع صوتًا: merci

ليس طيفًا، هو متأكد من أنه سمع الصوت، استدار، لم يكن فى مواجهته سوى باب خشبى كبير. 

يتبع...