رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

ليست معركة مهاجرين

لا أتذكر اليوم الذى أصبح فيه «اليهود» فى مركز الحرب بأوكرانيا، «كنت قد تناولت ظهورًا مجازيًا للهولوكوست والنازية فى الحرب الروسية على أوكرانيا سابقًا»، هذه المرة عاد الحديث عن اليهود مرة أخرى، ولكن ليس مجازًا بل بصورة مباشرة، ما الذى يدفع باليهود بين نيران الروس ومقاومة الأوكران؟ ولماذا فى الأحداث القريبة أو البعيدة يظهر فيها الحديث عن اليهود كأزمة أو كحلول أو كطرف ثالث؟

الأزمة بدأت قبل أيام عندما تقدمت وزارة العدل الروسية بطلب إلى المحكمة فى موسكو لتفكيك مؤسسات «الوكالة اليهودية»، التى تنشط فى الدولة بوصفها منظمة روسية مستقلة، وقد اتهمت روسيا هذه الوكالة بخرق القانون الروسى، وادّعت وزارة العدل الروسية أن الوكالة اليهودية فى موسكو تجمع وتحتفظ وتنقل معطيات حول مواطنين روس بصورة مخالفة للقانون، ولذلك يجب إغلاقها. وقالت إن نشاط الوكالة اليهودية يشجع على هجرة الأدمغة من روسيا، وإن الوكالة تولى أفضلية لهجرة مواطنى روسيا الذين يعملون فى مجالات العلوم والأعمال التجارية، وخروجهم من روسيا يقلل بشكل كبير من قدرات روسيا العلمية والاقتصادية.

هذه الادعاءات سمعناها منذ سنوات، فالوكالة اليهودية تأسست فى روسيا ١٩٢٩، وكانت تنظم بشكل فعّال هجرة ذوى الأصول اليهودية إلى إسرائيل، وبدأت نشاطاتها فى روسيا ١٩٨٩، قبل عامين من سقوط الاتحاد السوفيتى، وفى كل الفترات كان الحديث عن هجرات العقول والكفاءات، وفى كل الفترات لم يكن هناك أى ذكر لإغلاق الوكالة اليهودية.

هذه الواقعة ليست الأولى التى تخص اليهود فى روسيا، ففى مايو الماضى استيقظ العالم على تصريحات على لسان وزير الخارجية الروسى، سيرجى لافروف، قال فيها: «إن هتلر يحمل دماء يهودية»، وفى خطوة غير مسبوقة أعلن مكتب رئيس الحكومة فى حينه، نفتالى بينيت، عن أن الرئيس الروسى، فلاديمير بوتين، قدم اعتذاره عن الكلام الذى صدر عن وزير خارجيته، وقَبِل «بينيت» اعتذاره لمعرفته مواقف «بوتين»، على مدى أعوام، من الشعب اليهودى ومن المحرقة.

والحقيقة أنه لا أحد ينسى أن ٤٠٪ من ضحايا المحرقة كانوا من المواطنين الروس، ولا أحد ينسى أيضًا الدور الكبير الذى قام به الجيش الأحمر الروسى فى الانتصار على النازيين.

ما الأسباب؟

حتى لو كان الحديث عن المهاجرين، فإن المعركة ليست حولهم، الحديث ليس عن الجغرافيا بل عن السياسة، هناك من رأى أن الخطوة الروسية جزء من حملة عامة ضد المجتمع المدنى والمنظمات الأجنبية التى بدأت قبل غزو أوكرانيا، وأن الوكالة اليهودية ليست المستهدفة بحد ذاتها، لكن هناك من رأى أن القرار بسبب المواقف الإسرائيلية من الغزو الروسى لأوكرانيا، رغم أنه، وبخلاف الدول الغربية، فإن إسرائيل مع ذلك لم تفرض حتى الآن عقوبات ضد روسيا، والتى يقول البعض إن ذلك يرجع لمصالح أمنية إسرائيلية.

لكن فى الوقت نفسه هناك غضب روسى من الدعم الإسرائيلى لأوكرانيا، فحسب تصريحات الناطقة بلسان الخارجية الروسية، ماريا زخاروفا، فإن جنودًا إسرائيليين يقاتلون إلى جانب الجيش الأوكرانى، وأن مرتزقة من إسرائيل يقاتلون فى فرقة «آزوف»، وهى فرقة عسكرية مؤلفة من جنود ينتمون إلى اليمين المتطرف، وجزء منهم أجانب.

وهناك من يرى أن قرار إغلاق الوكالة هو انتقام من رئيس الوزراء الإسرائيلى لابيد نفسه، الذى كانت تصريحاته شديدة اللهجة ضد الحرب، حينما كان وزيرًًا للخارجية ورئيس وزراء بديل.

وهناك من ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، ورأى أنها خطوة موجهة إلى لابيد ومحاولة لتقوية رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو، قبل انتخابات الأول من نوفمبر، والذى تربطه علاقة قوية ببوتين.

أما إسرائيل فجاء ردها بعبارة مختصرة أطلقها وزير الشتات الإسرائيلى، نحمان شاى، فى تغريدة قال فيها: «لن يتم اتخاذ اليهود الروس كرهائن للحرب على أوكرانيا، إن محاولة معاقبة الوكالة اليهودية على موقف إسرائيل من الحرب أمر مؤسف ومهين، ولا يمكن فصل يهود روسيا عن علاقتهم التاريخية والعاطفية بدولة إسرائيل».