رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

حكاية رجل مهم

الكتابة عن الشخصيات التى تركت أثرًا كبيرًا فى الوجدان ليست سهلة، لأن الجمهور العريض يشارك الكاتب فى معرفة المكتوب عنه، أحب الكتب التى تتناول حياة النجوم، حتى لو كانت خفيفة تعيد إنتاج ما نعرفه عنهم، ممثلين كانوا أو مطربين أو أدباء أو سياسيين، ونادرًا ما يصادفك كتاب يتجاوز فكرة الكتاب الصحفى الذى يسرد حياة شخص تحبه، استمتعت بقراءة كتاب «أحمد زكى- حكاية رجل مهم» للصديق والزميل والناقد السينمائى أسامة عبدالفتاح، ليس فقط لأنه عن الموهوب العظيم الفنان أحمد زكى، الذى أسعدنى زمانى وعرفته عن قرب فى مرحلة من حياتى، ولكن لأن الكتاب رسم جدارية لزمن كامل تشير السينما إلى تحولاته العنيفة.

ويلعب زكى دور البطولة فيه، إلى جوار التوثيق والاعتماد على بعض المصادر، نجح أسامة فى القبض على جوهر أحمد زكى، اليتيم الذى رحل والده بعد عام من رحيله، الذى تولت جدته تربيته بعد زواج أمه، والذى اعتبر جمال عبدالناصر هو والده الحنون، الذى يضع صورته جنب سريره، وفى أحد الحوارات حكى كيف خاطر بحياته لكى يلمسه وهو يمر بالقطار على بلده فى الشرقية، كان يعتبر نفسه ابن ثورة يوليو، التى تعلم فى مدارسها، وحين مات ناصر لم يستطع النوم أربعة أيام، وبكاه بحرقة، وأحب السادات أيضًا، بسبب انتصار أكتوبر العظيم، تعلم أحمد زكى البرادة والخراطة والحدادة فى مدرسة الزقازيق الثانوية الصناعية، التى كان ناظرها محبًا للفن، وكانت تشهد حالة مسرحية رائعة تشارك فيها كل التخصصات، نجح بعد ذلك فى اختبارات المعهد العالى للفنون المسرحية أيام كان يقبل الحاصلين على الثانوية العامة أو ما يعادلها، شعر بأنه سينجح من أول مرة من ردود أفعال أساتذته من أمثال رشاد رشدى ونبيل الألفى وكرم مطاوع، وبدأ يسمع كلامًا ممن لا يعرفونه عن «الولد الميكانيكى» الشاطر الذى يتفوق على أقرانه من المتقدمين، فيما بعد قال إن الفضل فى تفوقه فى الرد على مختلف الأسئلة فى الأدب والشعر وغيرهما يرجع إلى مكتبة قصر ثقافة الزقازيق، التى كان يتردد عليها فى صباه، أحمد زكى قدّم فى حياته ست مسرحيات و١٧ مسلسلًا و٥٩ فيلمًا سينمائيًا، يحكى المؤلف تفاصيلها وتطور النجومية وبعض العقبات التى اعترضته فى البداية، إلى أن وصل إلى أحمد زكى صاحب البصمة الفارقة فى فن التمثيل، ويرى الفنان محمود حميدة أن زكى نقل هذا الفن فى السينما المصرية أبعد مما كان عليه قبل ظهوره، وأنه نبه المشاهدين إلى الطريقة الجديدة والفريدة التى يؤدى بها، وأصبحوا يتساءلون عنها ويفكرون فيها، وبدأوا يقارنون بينه وبين النجوم الكلاسيكيين أو أصحاب المواصفات الكلاسيكية للفتى الأول، ويؤكد أن بطل «البرىء» نقل وعى الجمهور إلى منطقة أعلى وأبعد من تلك التى توقف عندها عقودًا طويلة، أما عميد المعهد العالى للفنون المسرحية الدكتور مدحت الكاشف فقال لأسامة عبدالفتاح إن زكى استطاع أن يستفيد من كل ميراث تقنيات الأداء التمثيلى منذ بدء الغريزة التمثيلية عند البشر، مرورًا بكل التقنيات الأدائية لرواد الفن التمثيلى منذ القرون الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين، وصولًا إلى منهج ربما يمكن تسميته فيما بعد «منهج أحمد زكى فى التمثيل»، لأنه تمتع بأداء ينهض على الاستغراق التام الذى يصل إلى حد التظاهر المفرط بالاندماج والمعايشة الكاملة، وفى الوقت نفسه يستند إلى طريق التحليل بالحركات الطبيعية والفعل الجسمانى الخارجى، الذى يهيمن على الشخصية بحالة الأداء ربما قبل وبعد الدخول فى الأداء، الكتاب ملىء بحكايات غزيرة عن بطل «زوجة رجل مهم» أثناء تصويره أعماله حكاها حميدة ومجدى أحمد على ومدير التصوير سعيد شيمى، استوقفتنى واحدة لم أعرفها من قبل حكاها بطل «الهروب» فى أحد البرامج، عندما أصر على أن يدخل درج مشرحة المعادى فى فيلم محمد خان «موعد على العشاء»، لتصوير مشهد تأتى فيه البطلة سعاد حسنى للتعرف على جثة زوجها، خاف العاملون فى المشرحة عليه، وقال للمخرج إنه يريد من البطلة أن تحس بالصدمة لصالح المشهد، وعند التصوير كتم نفسه ليبدو ميتًا عندما يفتحون الدرج، ولكنه فوجئ بأن السندريلا لم تكتف بالصراخ كما هو مكتوب، بل اندمجت وبدأت تمسك بوجهه وتخاطب زوجها على أمل أن يرد عليها، مما أطال زمن المشهد وبالطبع كتم الأنفاس، وسقطت سعاد مغشيًا عليها من التأثر، وانشغل الجميع بها وتم نسيان بطل «الهروب» داخل الثلاجة، إلى أن انتبه أحدهم، الكتاب غنى بالحكايات، ونجح المؤلف فى التأريخ بشخصية أحمد زكى لمخرجى جيله الكبار، بوعى وعذوبة، كتاب جميل يليق بفنان عظيم كان عنوانًا للموهبة والنبل والكرم والقلق والحزن.. والفرح أيضًا.