رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

«أيام الشمس المشرقة».. الإمتاع والمؤانسة في حكايات المهمشين ببلاد العم سام

الكاتبة ميرال الطحاوي
الكاتبة ميرال الطحاوي

بهدوء وروية ونفس طويل، تنسج الكاتبة ميرال الطحاوي عوالم شخصياتها الروائية في عملها الأحدث "أيام الشمس المشرقة" الصادر مؤخرًا عن دار العين، وتحفر عميقًا في عالم المهاجرين والمهمشين في إحدى البلدات الأمريكية الصغيرة الواقعة في جنوب الولايات المتحدة، والمطلة على المحيط.

الرهان على الحكي

قد تتبادر إلى الذهن حال ذكر أمريكا، قصص الصعود والتحقق، على اعتبار أننا نتحدث عن "أرض الأحلام"، إلا أن رواية "أيام الشمس المشرقة" تقدم صورة مغايرة تمامًا، عن أماكن تشبه الأحياء العشوائية الفقيرة في الكثير من بلداننا العربية، وعن أناس يعيشون هناك في بلاد العم سام، مهمشين، وشبه منسيين، يكافحون، كلٌ بطريقته، لمواصلة الحياة الصعبة للغاية في تلك البلدة ذات الطبيعة الصحراوية.

تتخذ الكاتبة من شخصية "نعم الخباز"، مدخلًا، للحكاية، فنعم سيدة مصرية لف بها الزمان ودارت الأيام إلى أن وجدت نفسها هناك في بلدة "الشمس المشرقة"، بعد رحلة طويلة في بلاد الله. 

وعبر هذا المدخل، تتقافز ميرال الطحاوي من شخصية إلى أخرى، ومن حكاية إلى حكاية، بطريقة الأواني المستطرقة، إذ تفضي كل شخصية، إلى أخرى، فإذا كانت البداية بنعم الخباز وحكايتها في تلك البلدة الأمريكية، ثم حكاية استرجاعية عن نشأتها وطفولتها في إحدى قرى الدلتا، فإن "نجوى" صديقة نعم الخباز في نفس البلدة الهامشية، حكاية أخرى، تطرحها الطحاوي، بدءًا من حاضر وراهن نجوى في "الشمس المشرقة" رجوعًا إلى تاريخها الأسري والعائلي في مصر. وهكذا دواليك، شخصية تقود إلى أخرى وحكاية تقود إلى حكاية، في رواية "بروفايلات"، لا تولي لتطور مسار الحكاية والدراما أهمية قدر اهتمامها بانسيابية السرد، ونعومة الأسلوب، والمتعة المتولّدة عن هذا الحكي المتدفق، ثم التركيز على شخصيات تلك البلدة الأمريكية، وإلقاء الضوء على الأبعاد الإنسانية في حكاية كل شخص من تلك الشخصيات.

والرواية لا تتطور إلى الأمام، فليس هناك حدث رئيسي أو مركزي له بداية وخط تطور ولحظات ذروة ثم نهاية، بل هي رواية شخصيات تشبه في ذلك رواية "المرايا" لنجيب محفوظ، والتي تقوم على نفس المبدأ، من حيث استعراض بطاقات تعريفية، لكل شخصية، ترسم لكل منها بروفايل، يحفر في دخيلته، وتاريخه، وأفكاره، دون التركيز كثيرًا على التفاعل بين تلك الشخصيات، سواء أكان ذلك التفاعل صراعًا أو حبًا أو صداقة أو حتى علاقة عمل.

وهكذا يتحول الرهان الرئيسي في "أيام الشمس المشرقة" من حبك عقدة، وإحكام حكاية، إلى رهان على فعل "الحكي" نفسه، ونعومة السرد وتدفق الحكايات بشكل متناغم وبتوازن أتاح عرض كل شخصية بشكل عميق، إذ تصلح معظم تلك الشخصيات، لتكون كل واحدة منها على حدة بطلة لعمل سردي كبير.  

9789774906473

أرض الأحلام المجهضة والعلاقات المأزومة

وترسم ميرال الطحاوي جغرافيا قاسية، وغير متوقعة، لعالمها الروائي، إنه الوجه المستتر من الغرب، دخيلة الحضارة الغربية في موطن ذروتها في أمريكا الشمالية، وفي تلك البقعة، القاسية، والعشوائية، فإن الإخفاقات والتعثرات لا تخص المهاجرين واللاجئين والمتسللين عبر الحدود، لأن تلك المدينة الحارة تقسو على الجميع دون تمييز، ثم تؤطر ميرال الطحاوي تلك القسوة، عندما تخلق مدينة "الجنة الأبدية" القريبة جدًا من "الشمس المشرقة"، إلا أنها تقع في أحد الجبال القريبة، وهي على النقيض من الشمس المشرقة، مدينة للأثرياء، مصممة بطريقة "الكومباوند" المغلق على سكانه من أصحاب النفوذ والسلطة والثروات الكبيرة.

وهكذا فإن الرواية لا تكتفي بكشف عورات هؤلاء المهمشين وأحلامهم التي تهشمت على الأرض وتعفنت وصارت هدفًا للذباب وهوام البرية، وإنما تضع كل ذلك البؤس أمام المرآة، وتقارنه بطبقات أخرى تعيش حياة الرفاه، لتطعن بذلك خيالات الحالمين والرومانسيين عن الفرص العريضة المتوفرة في مجتمع يدعي أنه من أنصار العدالة والمساواة بينما هو في الواقع قد بلغ أقصى حالات الانمساخ بفعل الرأسمالية الشرسة.

وبحكم حالة البؤس العامة، فإن العلاقات بين شخصيات "أيام الشمس المشرقة"، بدت في أغلبها شائهة وممسوخة، لأن الشخصيات كلها، المهاجرين والأمريكان على حد سواء، تعيش حالة اغتراب، على اعتبار أن الفقر في الوطن يؤدي تلقائيًا لحالة من الغربة.

وتبرع “الطحاوي” في رسم تلك العلاقات المتوترة والمأزومة بين الشخوص، فنعم الخباز تتزوج من أحمد الوكيل الذي تيتم مبكرًا في مصر وحملته الأقدار إلى الشمس المشرقة، ليتحول هناك إلى شبه متسول معدوم المواهب والمهارات، يعيش يومًا بيوم. 

وأحمد الوكيل نفسه وبحكم شخصية "التابع" التي نشأ عليها، يدخل في علاقة صداقة وتعلق بالشيخ أبو عبد القادر القادم من دولة آسيوية ما، ويعمل في "الشمس المرقة" كإمام للمسلمين ويتولى دفن موتاهم ويعيش بدوره على راتب قليل وإحسان المسلين وغيرهم. 

وعلى جانب آخر، نرصد علاقة أخرى غريبة تجمع بين سليم النجار، المناضل الشامي محترف الكذب، والذي يتورط في علاقة تستهلكه فيها "علياء الدوري" الثرية العربية، جسديًا وفنيًا، ليذهب بعدها مستنزفًا وفارغًا إلى عاهرة الحي "ميمي دونج" المهاجرة الإفريقية الجميلة التي لا تنال من العمل بجسدها سوى لحظات متعة خاطفة مع من تفتح له بيتها من رجال الشمس المشرقة، دون أن تتقاضى أموالًا، ويلجأ سليم لميمي دونج فقط لينام على صدرها، وكأنما يبحث فيها عن بديل لحضن الأم، ولا يمارس معها أي علاقة حميمة، فقط يكتفي بالنوم في حضنها.

وحتى العلاقة بين فضائين مكانيين مثل بلدة الشمس المشرقة الفقيرة، وبلدة الجنة الأبدية التي تخص الأثرياء، تعكس بدورها أزمة كبرى بين هؤلاء الذين سحقتهم الحياة، مع فئة أخرى من البشر الذين في الغالب لا يرون هؤلاء الفقراء ولا يرحبون بهم ولا يحبون الاختلاط معهم في علاقة تكاد تشبه علاقة السيد بالعبد.

وتمتد تلك العلاقات المأزومة إلى جذور كل شخصية من تلك الشخصيات، وإلى ماضيها الذي حملته كل شخصية معها من بلادها الأصلية مرورًا برحلات طويلة انتهت بالجميع في ضيافة بلدة الشمس المشرقة.

 ولكي تتسع اللغة لكل تلك الحكايات المتشعبة، اختارت الطحاوي لغة بسيطة، خالية من التكلف والشعرية المجانية، لغة تعتد في المقام الأول بالقيام بدورها كوسيلة لتوصيل المعنى، زاهدة في الزخرف والجماليات، لحساب الانسيابية والتدفق وملاءمة المحكي عنه، لذلك نرصد حوارات تدور بالعامية أحيانًا، ثم بلغة وسيطة تهجن الفصيح بمستويات لغوية أقل وتطعّمه بالعامية، ونوع ثالث من الحوارات يدور بلغة فصيحة، وكل نوع من تلك الأنواع يعتمد في مستواه اللغوي على طبيعة الشخصية المتكلمة وأبعادها.

وباستخدام هذه المستويات اللغوية، وطريقة الحكايات المتشعبة، والتركيز على بروفايلات الشخصيات أكثر من التركيز على حدث معين وتطويره، رسمت ميرال الطحاوي، في "أيام الشمس المشرقة"، صورة كابية، عن الاغتراب والتآكل والأحلام المجهضة والعلاقات المأزومة التي تجمع النماذج البشرية هناك، على هامش الهامش، في بلاد العم سام.