رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

«مراجعات حسن الهلاوى».. مناظرة شكرى وانتقام الكتيبة الخضراء (2/3)

جريدة الدستور

تعد مراجعات "حسن الهلاوي" الأولى من نوعها في التنظيمات العنيفة والإرهابية داخل السجون والمعتقلات، وكان لرحلة "الهلاوي" الفكرية داخل هذه التنظيمات منعطفات خطيرة وتعد بمثابة الانطلاقة الكبرى لبدايات مراجعات التسعينيات، في هذا الحلقة نوضح قصة مناظرة شكري مصطفي زعيم التكفير والهجرة، وقصة اعتداء "الكتيبة الخضراء" عليه في منزله بالطالبية.. وإلى التفاصيل:

ملخص أفكار التكفير
كانت تسيطر على الساحة الفكرية في أوائل السبعينيات مساحات فكرية ضبابية كثيرة وخاصة مع انتشار أفكار ورؤى شكري مصطفي وقبول البعض لها، ورغم أن غرم البعض وهواه كان يتجه نحو التنظيمات الجهادية، على حد قول المحامي المنشق عن الإخوان مختار نوح، لكنها أزعجت البعض وخاصة مع انتشار أفكار شكري بين الفتيات وهروب عدد كبير منهن من أسرهن إلى هذه الجماعة وبيعتهن التنظيمية لها على السمع والطاعة. 

وتلخصت أفكار شكري وجماعته في الآتي: اعتبار أن سائر المعاصي كالظلم والفسق ونحوها تعنى "الكفر المخرج من الملة" وبالتالي فكل من ارتكب مخالفة شرعية من هذه المخالفات وغيرها الواردة فى آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية فهو كافر كفر أكبر مخرج من ملة الإسلام.

آمنوا بفكرة " التوقـــف والتبيــن: "وهى عدم الحكم على أى مسلم بكفر أو إيمان حتى يتبين كفره من إيمانه عبر عرض فكر جماعتهم عليه، فإن وافق عليها فقد دخل الإسلام، وإن أبى فقد أصبح كافرًا، وكل من آمن بمبادئهم ثم انشق عليها يصبح مرتدا يتوجب عليه حد الردة. 

اعتبار أن الهجرة من دار الكفر (وهي أى دولة لا تحكم بالشريعة إلي دار الإسلام) هي: "واجب شرعى وحتمى" ولذلك سعوا للهجرة فى غياهيب الجبال واعتزلوا المجتمع "الكافر" فجلسوا في جبال أسيوط والمنيا وقرية الخطاطبة في الشرقية واعتبروا أن كل من يتحاكم للقانون الوضعي أيًا كان دافعه يصبح كافرا كفرا بواحًا. 

وترتب على أفكارهم هذه أن رفضوا علماء السلف وأقوالهم وكتبهم (أحمد والشافعي وأبوحنيفة ومالك) وقالوا: نحن رجال وهم رجال وعلينا أن نعمل عقولنا في النص ونفهمه كما فهموا هم النصوص، بل وأخذوا من الأحاديث ما يؤيد مذهبهم وفسروا القرآن برأيهم ومعقولهم وما تأولوه من اللغة.

اصطدمت أفكار الجماعتين الإرهابيتين (الجهاد والتكفير)، ودعا "الهلاوي" "شكري مصطفى" لمناظرة في جمع أفكاره، فوافق شكري ولكنه اشترط أن يكون اللقاء وسط أتباعه، وأن يتحدث "الهلاوي" بعد أن يفرغ "شكري" من طرح جميع أفكاره. 

ووافق "الهلاوي" على طلبه واستمرت المناظرة تسعة أيام سجلت علي مجموعة من شرائط الكاسيت، وكان يحضر "شكري" بأتباعه وكانوا يقتربون من 150 شخصًا تقريبا، بينما يأتي "الهلاوي" ومعه النفر القيل لا يزيد عن عشرة من قادة التنظيم واتباع "الهلاوي" حتي فرغ "شكري مصطفي" بالفعل من عرض أفكاره وتسجيلها. 

وجاء الدور على "الهلاوي" فنقض هو ومجموعته من القادة والأتباع في شبه تظاهرة فكرية (كان معظم الحشد أغلبهم من منطقتي شبرا والجيزة )، وكانوا على أتم الاستعداد ولوحوا بالقوة لـ "شكري" في حالة أي تعدٍ عليهم بالألفاظ أو الخروج عن اللياقة في الكلام وكانت مفاجأة لعناصر "شكري" وجود الحشد والاستعداد والتنظيم ولم يصنعوا أي رد فعل عنيف، وتفوق "الهلاوي" على "شكري" في هذه المناظرة. 

لم يمر الأمر على ما يرام بعدها، خاصة مع انتشار شرائط المناظرة علي أبواب المساجد وفي الخلايا التنظيمية لتيار الجهاد، وكانت كلمة "الهلاوي" هي الأبرز والأكثر انتشارًا بالطبع. 

تراجع بعض أتباع "شكري" عن فكره وأعلنوا ذلك، فأعد "شكري" وجماعته قوة ضاربة أطلق عليها "الكتيبة الخضراء " لتأديب هؤلاء، يقول "الهلاوي" في هذا الصدد في حوار نادر مع المحامي مختار نوح: "عندما استفحل أمر جماعة التكفير والهجرة وكفر أفرادها أفراد المجتمع بمجرد المعصية كان لابد من وقفة لهم، فعرضت على شكري مصطفى عقد مناظرة فكرية أرد بها على مزاعمه الفقهية الخبيثة.. وبالفعل تحدث هو طوال 8 ساعات كاملة عن فقه التكفير والهجرة الذي يتبناه وأدلته في ذلك، ثم عقدنا جلسة للرد عليه وسجلت 4 ساعات كاملة فندت فيها كل هذه المزاعم، بل وأقنعت العديد من أعضاء تنظيمه بالعدول عن هذا الفكر السقيم، وعلى رأسهم قائد الجناح العسكري عند شكري وانتشرت هذه الشرائط في الأسواق وكانت حديث الجميع، وللأسف لا أمتلك منها نسخة واحدة الآن بعدما تم القبض على وأخذ الأمن كل ما لدى من كتب وشرائط".

يستكمل "وقد كنت في البداية أظن أن أمن الدولة وراء هذه المحاولة، ثم علمت بحقيقة الأمر بعد ذلك.. والتفاصيل تتلخص في أن بعض الأفراد المنتمين لتنظيم شكري مصطفى هجموا على منزل أسرتي وزعموا أنهم أمن الدولة واقتحموا الباب ودخلوا عليّ بعدما أصابوا شقيقي بعدة طعنات، ولم يتركوا جزء من جسدي إلا وطعنوه بشدة ولم يتركوني إلا جثة هامدة فظنوا أنني فارقت الحياة فتركوني وانصرفوا، ثم شاء الله أن أستفيق وناديت على أهلي وحملوني إلى المستشفى وتم إنقاذي.. وبعدها فرض أمن الدولة الحراسة علي لمدة عام".

الكتيبة الخضراء تنتقم من الهلاوي 
يكشف خالد الهلاوي، شقيق حسن، الذي تم الاعتداء عليه في هذه اليوم، تفاصيل هجوم الكتيبة الخضراء فيقول: "في يوم 12 يناير 1977، سمعنا طرقًا شديدًا على باب شقتنا في الطلبية، وكان الوقت يقترب من بعد منتصف الليل وظننا في بداية الأمر أنهم مباحث أمن الدولة لأنهم كانوا يأخذون الشيخ حسن بهذه الطريقة، إلا أننا فوجئنا بدخول عدد من 2 إلى 12 رجلا وبيدهم مطاوي قرن غزال، في نفس الوقت كان حسن يحاول الهروب بالقفز من الشباك إلا أنهم ادركوه وانهالوا عليه ضربا بـ"المطاوي"، بينما اكتقيت أنا والكلام لشقيق الهلاوي بترديد الشهادتين. 

كان خالد الهلاوي ينظر للمشهد بارتباك شديد، خاصة بعد أن تيقن أنهم ليسوا بأمن دولة، كما أنهم ببساطة شديدة يتسلحون بالمطاوي فقط، وكان نصيب شقيق الهلاوي من أحدهم ثلاث طعنات وضربة بالشومة علي رأسه. 

بينما لم يتركوا "حسن" إلا وهو ينزف بعد أن تم طعنه أكثر من 17 طعنة نافذة في الصدر والظهر واليد والأذن وكانت إحدى الضربات بينها وبين القلب حسب التقرير الطبي 1 سم فقط. 

دخل "حسن الهلاوي"، بعدها في فترة نقاهة طويلة استمرت ثلاثة أو أربعة شهور وتم اتهامه في قضية السفارة القبرصية والمعروفة "بقضية القنص" بعدها وفي السجن تقابل مع أحد الأشخاص وقص عليه أنه كان أحد الذين هجموا علي منزله وحاول قتله وطلب منه السماح والمغفرة بعد ان أنشق عن جماعة "شكري"، وكان هذا الشخص هو أسامة السيد قاسم المكنى "أبو الحارث المصري"، أحد قيادات الجهاد وجبهة تحرير الشام فيما بعد. 

عرفت فيما بعد هذه الكتيبة باسم "الكتيبة الخضراء"، التي نفذت عدة عمليات لضرب وتأديب المنشقين عن الجماعة، منهم رفعت أبو دلال ومجموعة حلوان، ود. محمود حماية، الذي قيدوه من الأرجل واليدين ووضعه على شريط القطار وهو في شبه غيبوبة كاملة حتي يمر عليه القطار، لكن أقدار الله جعلت شخصًا يمر وينقذه من الموت المحقق، كما اختفى قطب سيد حسين زوج شقية د. صلاح الصاوي، أحد قيادات الإخوان وقد أعيا الصاوي البحث عن قطب ولم يجده على الإطلاق وكان قطب أحد أهم المنشقين عن جماعة "شكري" آنذاك. 

ومما سجله بعض عناصر شكري المحكوم عليهم في قضية اغتيال الشيخ الذهبي في تفاصيل اعترافاتهم أن سبب الاعتداء علي "الهلاوي" ليس كما اشيع مناظرته الشهيرة والتي وزعت أكثر من نصف ملون شريط، ولكن السبب أنه حضر وأظهر القوة العددية لهم مع اتباعه مما أحدث في أنفسهم غصة كبيرة لانهم لم يستطيعوا الرد ومن هنا تراجع عدد كبير من اتباع "شكري" عن فكرة، كذلك تصدير كلمة "الهلاوي" أكثر من كلمة شكري في التسجيلات التي تم توزيعها.

قضية "القنص" أو السفارة القبرصية
يستكمل الهلاوي في حواره النادر مع محاميه مختار نوح فيقول عن هذه الفترة: "وبعد نجاتي من محاولة قتلي في أواخر عام 1977م كان بعض أفراد مجموعة الإسكندرية مازالوا يحملون فكر الجهاد وقام أحدهم بمحاولة خطف سلاح عسكري حراسة على إحدى السفارات الأجنبية بالإسكندرية، وهي السفارة القبرصية واستمات يومها العسكري على سلاحه وكان يمسك به من ناحية "السمكي" بشدة وتركه الشاب فجأة فطعن العسكري نفسه وهرب الشاب".

ولما قبضوا عليه اعترف على أفراد مجموعته بالإسكندرية، ثم على مجموعة القاهرة وأنا كنت منهم فقبضوا على وأخذنا جميعا أحكاما عسكرية مشددة وحكم علي بـ7 سنوات.

استقر الهلاوي في سجن مزرعة طرة ليقضي العقوبة، لكن حركيته وديناميكيته جعلته يفكر أيضا بطريقة مختلفة وكان في نهائي كلية اصول الدين بجامعة الأزهر وطلبت من إدارة السجن السماح لي بتأدية الامتحانات، كانت الامتحانات تجري في الكلية وليست في السجون كما هو حادث الآن. 

يستكمل الهلاوي حواره فيقول: "أثناء قضائي للسنوات الأولى.. وخططت للهروب.. وفي أثناء أحد أيام الامتحانات بجامعة الأزهر خرجت من اللجنة ولم أجد الحارس المرافق لي فانصرفت.

الهروب الكبير 
في اليوم الموعود نزل "الهلاوي" إلى الامتحانات بجامعة الأزهر، وعلى مبنى الكلية تركته سيارة الترحيلات ودخل مع أمن الجامعة بصحبة أمن الترحيلات ومصلحة السجون للمبنى الرئيسي، ومعه "جاويش" بكلابش لأداء الامتحانات، وفي إحدى الغرف بالكلية جلس "الهلاوى"، وأحضرت له ورقة الإجابة وأخذ يجيب عن الأسئلة وسط تعاطف جميع الحاضرين من الممتحنين والطلاب. 

ترك الحارس الطالب وفك قيده الحديدي من يديه ليكون أكثر حرية وانتظره خارج الغرفة ليؤدي الامتحان بهدوء وسكينة، انتهز "الهلاوي" على الفور الفرصة، ولأنه كان متفوقًا لم يستغرق حل الامتحان وقتا كبيرا، مختصرا الوقت ليتصرف بشكل سريع، ونهض مسرعا وكان شباك الغرفة الزجاجي مفتوحًا على مصراعيه وأمامة حديقة داخلية، قفز منها إلى فناء جامعة الأزهر، ومنها إلى السور الداخلي ليجد نفسه في شارع الأزهر العمومي ليتوه وسط الناس. 

لم يلتفت وراءه مرة أخرى، لكنه حسب المتعارف عليه سيتم البحث عنه بالكلاب البوليسية في محيط المكان وسيتم توزيع صورته علي المارة ليتعارفوا عليه أو على الأقل يوجهون الأمن إلي أقرب مكان تواجد فيه، وهذه ما ستستغرقه الأجهزة الأمنية بعض من الدقائق فقام على الفور بتغيير مظهره الخارجي وشكله ليتوه وسط المارة من الناس ويصعب تحديد ملامحه بدقة.
  
كان الاختيار الأول أن خلع "الهلاوي" قميص السجن الأزرق الذي كان يرتديه، واستقر بالبنطلون والقميص الذي كان يرتديهما تحت قميص السجن، ودخل على الفور إلى صالون حلاقة لحلق ذقنه وشاربه وتغيير ملامحه الأولية، وهنا أخذ "الهلاوي" مقعده عند الحلاق، وقص الشعر والشارب واللحية فتغيرت معالمه تماما،فقد كان أبيض الون ذا ملامح أرستقراطية، ولهجة عصرية لبقة فلا يتخيل أحد أنه من الريف أو هارب من أي سجن على الإطلاق. 

ولكن حدثت مفارقة عجيبة وهو جالس عند الحلاق فقد فوجئ بدخول فرد أمن يرتدي البدلة الميري (ضابط برتبة ملازم)، ويقول له خلص يا عم أريد أن أحلق، موجها حديثه له،ـ فأسقط الرجل في يديه القول ـ وظن أن الأمن قد توصل إليه وأنه وقع لا محالة في قبضتهم مرة أخري،وخاصة وأن بينه وبين الجامعة الأزهرمسافة قريبة جدًا، لكنه سرعان تصرف بهدوء شديد حتى تأكد أن الرجل يريد الحلاقة مثله تمامًا ولا يبحث عنه. 

التقط "الهلاوي"، أنفاسه وترك الحلاق وشكره ودفع الحساب بسخاء دون أن يلفت النظر إليه، بل وطلب من الحلاق أن لا يحاسب فرد الأمن نظرا لتأخره علي كرسي الحلاقة، وبالفعل دفع له الحساب مقدما موهما الحلاق بأنه يحترم حراس الوطن الساهرين علي أمن المواطنين، وهنا استجاب الرجل وفرد الأمن لعرض "الهلاوي"، وترك المحل وغادره إلي حيث "الهروب الكبير".

في الحلقة الثالثة والأخيرة يقدم «أمان»:

* قصة الهروب الكبير.

* رحلات "الهلاوي" إلى أفغانستان وإيران.

* مناظرة "الهلاوي" لشيخ السلفية العلمية "الألباني" وتداعياتها في العالم الإسلامي.

* قصة اختفاء "الهلاوي" عند السلفية النجدية.

* أسرار لقاءات "الهلاوي" بـ "الظواهري" و"عمر عبد الرحمن".

* مراجعات "الهلاوي"  في المزرعة  وقصة التوبة عن العنف.

لقراءة الحلقة الأولى:

«مراجعات حسن الهلاوي».. قضية الفنية وبدايات أفكار الجهاد (1- 3)