رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

نحل «الفتاوى الدينية».. وعسل «الإصلاح الزراعى»

 

كان الدين حاضرًا بقوة خلال الأحداث التى شهدتها الأسابيع الأولى لثورة يوليو ١٩٥٢، ومن أبرزها صدور قانون الإصلاح الزراعى فى أول سبتمبر من عام ١٩٥٢، الذى يعد من أخطر القوانين التى أصدرها ضباط الحركة المباركة، ويقضى بألا يتجاوز نصاب الملكية الزراعية لأى شخص ٢٠٠ فدان، وله فوق ذلك أن يتصرف إلى أولاده فى مساحة أخرى لا تزيد على ١٠٠ فدان، وتستولى الحكومة على الزائد على هذا النصاب، ويبدأ الاستيلاء على أكبر الملكيات الزراعية، وتوزع الأراضى المستولى عليها على صغار الفلاحين، بحيث تكون لكل منهم ملكية صغيرة لا تقل عن فدانين ولا تزيد على ٥ أفدنة. 

واللافت أنك لا تجد كتابًا تناول موضوع الإصلاح الزراعى، إلا واجتهد كاتبه، خصوصًا من معاصرى هذه الحقبة، بكل ما أوتى من معلومات وطرائق فى التعبير إلى تبريره وحشد الأسباب والحجج التى دفعت حكومة محمد نجيب- أولى حكومات حركة يوليو- إليه، بعد أن كان التلكؤ فى إصداره أحد الأسباب التى أدت إلى الإطاحة بوزارة على باشا ماهر التى لم تمكث فى الحكم أكثر من شهرين.

تجد ذلك حاضرًا عند المؤرخ الكبير عبدالرحمن الرافعى، الذى رأى فى القانون أداة لتحقيق العدل بين الطبقات وتقليل الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بينها، ووضح أن البلاد كانت تعانى من سوء توزيع ملكية الأراضى الرزاعية، بسبب وجود قلة تحتكر آلاف الفدادين وكثرة لا يملك بعضها أكثر من ربع فدان، وأنكر الدعوة التى تبناها البعض باستصلاح الأراضى البور وتوفيرها لصغار الفلاحين بشروط سخية، بدلًا من تفتيت الملكيات الزراعية الكبرى، وكان تركيزه الأكبر على دور القرار فى علاج مشكلة الفقر والتفاوت الطبقى، دون التفات إلى مخاطره على الزراعة التى كانت تعد فى ذلك الوقت عصب الاقتصاد المصرى، المرتكز على تصدير الحاصلات الزراعية إلى الخارج.

تجد الأمر نفسه فى مذكرات الرئيس محمد نجيب «كنت رئيسًا لمصر» الذى أصدرت حكومته القانون حين كان رئيسًا للوزراء، إذ يتحدث أيضًا عن سوء توزيع الملكية الزراعية فى مصر «٦ ملايين فدان» على إجمالى سكانها فى ذلك الوقت «٢٢ مليون نسمة»، ويشير إلى أن ٣ ملايين فقط من المصريين يعيشون عيشة كريمة، فى حين أن الباقى يعانى من تدنى متطلبات الحياة، ويشير إلى أن جمال سالم هو أول من تبنى هذا القانون بإيعاز من صديقه الدكتور راشد البدراوى، الأستاذ بجامعة القاهرة والمفكر اليسارى المعروف، وأن سر استبعاد على ماهر من رئاسة الوزراء ارتبط برفضه هذا القانون لما له من آثار خطيرة على اقتصاد البلاد، وأن الأفضل فرض قانون ضرائب تصاعدية على ملاك الأرض، مع زيادة أجور الفلاحين.

ثار جدل نخبوى كبير، فى ذلك الوقت، حول القانون الذى تريد الثورة إصداره، ركز أصحابه- فى الأغلب- على النتائج الاقتصادية التى يمكن أن تترتب عليه، لكن جانبًا من النقاش انصرف إلى مسألة الشرعية الدينية للاستيلاء على الملكية الزراعية التى تقع فى حوزة أفراد لتوزيعها على آخرين. كان سيد قطب- صاحب كتاب «العدالة الاجتماعية فى الإسلام»- يتبنى منذ عام ١٩٤٨ مسألة الاستيلاء على أراضى الباشوات وتوزيعها على الفلاحين، ودعا- قبل الثورة- إلى إصدار قانون يحدد الملكية الزراعية بمائة فدان للفرد مع رد كل الأراضى للدولة دون تعويض لتوزيعها أو تأجيرها للفلاحين ثم تصبح ملكًا لهم بعد عشر سنوات، وهو القانون الذى صدر بعد الثورة بتعديل بسيط جعل نصاب الملكية لا يزيد على ٢٠٠ فدان.

كان عبدالناصر راضيًا عن موقف الإخوان الداعم له فى ذلك الوقت، فقد كان بحاجة للملاءة الدينية التى تقدمها له الجماعة لتمرير قانون الإصلاح الزراعى، ويحكى الدمرداش العقالى فى مذكراته أن عبدالناصر رفض مطلب اتحاد طلاب جامعة فؤاد- الذى كان العقالى يترأسه عام ١٩٥٢- باعتقال مرشد الجماعة حسن الهضيبى، وذكر أن الثورة أعدت مشروعًا لقانون الإصلاح الزراعى، تنوى إصداره خلال أيام، فإذا أصدر أمرًا باعتقال الهضيبى، الآن، فقد تأييد الإخوان، وهو التأييد الذى تحتاجه الثورة لمواجهة الآثار المحتملة لصدور قانون الإصلاح الزراعى فى أوساط الإقطاعيين والطبقات الغنية والرأسمالية، وإذا فقدت الثورة تأييد الإخوان لها فسوف تنضم- بطبيعة الحال- إلى صفوف الإقطاعيين فى تحالف مضاد ليست لدى الثورة الوليدة القدرة على مواجهته.

لم يقابل الإخوان قانون الإصلاح بمعارضة تذكر، فى إطار تصافقهم مع النظام حينذاك، والعجيب أن المعارضة جاءت من الأزهر الشريف، الذين كان يجلس على منصة مشيخته فى ذلك الوقت الشيخ عبدالمجيد سليم، وكان معروفًا بصلابة مواقفه، وصراحة فتاواه، وعدم اكتراثه لموقف السلطة من آرائه، وقد أدى على هذا النحو أيام الملك فاروق، وظن أن بإمكانه المواصلة على الوتيرة نفسها بعد الحركة المباركة. تبنى الشيخ موقفًا معارضًا لقانون الإصلاح الزراعى وأعلن عدم مشروعيته، وذهب إلى أن الحكومة أمامها عدة سبل أخرى لإنعاش الفقراء من خلال رفع قيمة الضرائب، أو باستحداث سياسات جديدة تفتح استثمارات جديدة تستوعب البطالة والفقر، أما مصادرة «الأصول» من أصحابها فذلك عمل غير مشروع، كما كان يردد «سليم»، لكن معارضته لم تُجد شيئًا، وانتهى الأمر بتمرير القانون.

كان فرح البسطاء من أبناء القرى فى مصر عارمًا، فبعد أن كان الفلاح أجيرًا بات مالكًا للأرض. وفى غمرة الفرح بالقانون الجديد لم يلتفت أحد إلى النتائج المترتبة على تفتيت التربة الزراعية، وعلى الزراعة كأهم مصدر للدخل القومى فى مصر. أما موقف شيخ الأزهر من القانون فلم يهتم به أحد، بصورة عكست الموقف البراجماتى الذى تتبناه منصات التدين الشعبى نحو مسألة الحلال والحرام. فتحليل الشىء أو حرمته مقبول من المؤسسة الدينية، إذا لم يكن له علاقة بدائرة المصالح الشعبية، ويختلف الأمر إذا وقع الشىء داخل هذه الدائرة، ففى هذه الحالة ترجح المصلحة على فتاوى المؤسسة الدينية، مهما كان احترام المجموع الشعبى لها. 

فى كل الأحوال علينا ألا ننسى أن قانون الإصلاح الزراعى خدم مصالح قطاع عريض من الفلاحين، وانتشلهم من معاناتهم التاريخية من العمل كأجراء داخل وسايا الخواجات والإقطاعيين.