الأربعاء 08 ديسمبر 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

إثيوبيا.. التحولات الدراماتيكية على أسوار العاصمة

ترأس أبى أحمد، رئيس الوزراء الإثيوبى، اجتماعًا تنفيذيًا الإثنين الماضى، داخل مقر «حزب الازدهار» الحاكم، شاركه فيه جميع أركان نظامه بمن فيهم وزير الدفاع الإثيوبى «أبراهام بيلاى» الذى خرج من الاجتماع ليصرح لوسائل الإعلام بأنه اعتبارًا من الغد الثلاثاء، ستبدأ جميع القوات العسكرية والأمنية فى اتخاذ إجراءات وتكتيكات خاصة من أجل مواجهة ما وصفه بـ«الوضع الصعب». سبق توصيف وزير الدفاع للوضع بساعات تصريح أبى أحمد الصادم الذى ألقاه فى وجه سكان أديس أبابا، حين قال: «دعونا نجتمع على جبهة القتال» دون أن يحدد من أين سيبدأ وأى جبهة يقصد؟

الغرب الذى طالما تغنى بالنموذج الإثيوبى، وقام بأكبر عملية تلميع لـ«أبى أحمد» شخصيًا لحد منحه جائزة «نوبل للسلام»، متهم اليوم من قِبل رئيس الوزراء بأنه يتحالف ضد إثيوبيا بغرض هزيمتها، وتعلن الحكومة التى يترأسها طوال شهور وحتى ساعات مضت عن معارضتها لتدخل المجتمع الدولى. ذات الحكومة أيضًا بدلت من وصف النزاع مع «التيجراى» من «عملية لإنفاذ القانون» إلى «حرب وجودية»، مما استلزم فى لحظات حرجة من تداعى تفاصيلها إلى دعوة جميع المواطنين القادرين على حمل السلاح إلى الانضمام إلى القتال فى دعوة الحفاظ على كيان الدولة الإثيوبية من الانهيار. البروفيسور «أوول آلو»، المحاضر البارز فى القانون بجامعة كيلى البريطانية، الذى رشح أبى أحمد لجائزة نوبل نشر تغريدة صباح الثلاثاء معبرًا عن صدمته من تصريحات الأخير، واصفًا إياها بالأمر غير العادى وغير المسبوق أن تكون حافلة بلغة الاستشهاد والتضحية، حيث تكشف مدى يأس الوضع وانهياره.

هذا جزء من التحولات وليست جميعها بالطبع، وهو ما يحاول المبعوث الأمريكى للقرن الإفريقى حصاره أو ترميمه وكبح جماح التدهور إلى ما هو أسوأ، من وجهة نظر التفاوض ومحاولة الوصول إلى حل سياسى سلمى فى الأفق المنظور. المبعوث فيلتمان حاول منذ شهور أن يسوق مفهوم أن الرغبات الرئيسية التى وقف عليها لكلا الجانبين لا تتضمن استبعاد أحدهما للآخر، حيث قصر مطالب جبهة «التيجراى» على رفع الحصار الحكومى والسماح للمساعدات الإنسانية بدخول الإقليم، لإنقاذ ٤٠٠ ألف شخص يعيشون تحت وطأة المجاعة، فى مقابل رغبة أبى أحمد أن تنسحب قوات التيجراى من الأراضى التى تم الاستيلاء عليها. لكن المبعوث أغفل فى الوقت نفسه أن كلا الطرفين لديه أهداف تكتيكية واستراتيجية لم يخفها أثناء عملية الوساطة، وتظل قادرة على نسف كل الجهود التى ترمى إلى الخروج باتفاقية سلام، ففى الوقت الذى يؤمن أبى أحمد بقدرته- ورغبته- فى تحقيق نصر عسكرى يرمم له شرعية حكمه، كانت قيادات الجبهة تلح على ضرورة تنحى أحمد رافضة الاعتراف بنتائج الانتخابات التى خرجت بنتائج فوز ساحق مزيف من وجهة نظرها. بقى جيفرى فيلتمان وطاقمه يرقبون الوضع ويقيسون موازين القوى بين الطرفين خلال الشهور الماضية، وربما تسلل لهم بعض الارتياح بعدما نجح الجيش الإثيوبى وبعض حلفائه من الميليشيات الإقليمية فى كبح جماح قوات التيجراى التى خاضت قتالًا شرسًا من أجل قطع الطريق الواصل بين أديس أبابا وجيبوتى، لكن الأخيرة لم تعدم سبيلًا آخر أكثر تهديدًا لمجمل الوضع الميدانى وهو ما أوصله للمشهد الجاثم اليوم على العاصمة.

خلال شهور الترقب وأثناء خوض معارك الطريق الذى يمثل شريان العاصمة الواصل إلى الساحل، نجحت عناصر استخبارات جبهة تحرير «التيجراى» فى إحداث اختراق فعال بالتحالف مع بعض من فصائل «الأورومو»، التى تقع العاصمة فى أراضيهم وينتمى لعرقيتهم رئيس الوزراء المتهم بخديعتهم والجور على مطالبهم لصالح «الأمهرة». هذا التحالف مكن التيجراى من النفاذ إلى نقاط مؤثرة فى الطريق جنوبًا إلى العاصمة، وهناك من المصادر المحلية مَن تابع عن كثب المفاوضات التى أجرتها الجبهة مع القادة المحليين فى أكثر من موقع، ووصف هذه المباحثات التى أفضت إلى تعهدات تيجرانية بتأمين مصالحهم فى حال استعادتهم للسلطة، كونها وفرت بيئة آمنة مكنت قوات التيجراى من النفاذ سريعًا لتجثم على مفاصل الطرق المؤدية للعاصمة من جهة الشمال. هذا التحول وصفه المبعوث فيلتمان فى تقرير أخير أرسله للخارجية الأمريكية، بأنه «لفترة من الوقت، كانت الخطوط ثابتة، ثم قبل نحو أسبوع بدأت «قوات التيجراى» فى التحرك سريعًا مرة أخرى، وهذا يقلقنا لعدة أسباب. أهمها أنه فى حال اقتربت القوات من العاصمة أديس أبابا فقد تزيد الجبهة من مطالبها، باعتبار أن خطوط واشنطن الحمراء ظلت تعارض بشدة تهديد قوات التيجراى العاصمة، من خلال قطع الطريق إلى جيبوتى أو تهديد أديس من خلال دخولها فعليًا.

المتحدث باسم الأمم المتحدة «ستيفان دوجاريك» كشف للصحفيين فى نيويورك عن أنه يتم الآن نقل بضع مئات من أفراد عائلات الموظفين الدوليين من إثيوبيا، وقال: «لكن سيبقى الموظفون فى إثيوبيا للاضطلاع بتفويضاتنا». وانضمت كل من ألمانيا وفرنسا وتركيا فضلًا عن الولايات المتحدة فى حث مواطنيها على مغادرة إثيوبيا على الفور، استشعارًا منها بأن التقارير التى ظنت أن التيجراى سيتجاوبون مع عملية التفاوض، بدت متفائلة بأكثر مما يعكسه الوضع الميدانى المأزوم، الذى فتح شهيتهم لتكرار سيناريو ١٩٩١ وقت كانت الجبهة تحت قيادة «مليس زيناوى» تقتحم العاصمة أديس لإسقاط حكم «منجستو هيلاماريام». اليوم يبدو أبى أحمد وقد تلبسته فعليًا ملامح منجستو وتحاصره وعاصمته مشاهد النهاية من كل جانب، خاصة مع إعلان تسع حركات مسلحة منها وأكبرها بالطبع التيجراى وهى القوة الرئيسية، لكن انضمام الأورومو والعفر والصوماليين على هدف إسقاط حكم أبى أحمد، ليس له سوى سيناريو وحيد هو اقتحام العاصمة أديس أبابا، أو هروب الأخير إلى ملاذ آمن فى إحدى دول الجوار كحل أخير ينجو به من التصفية التى يتعهد بها العديد من الفصائل المسلحة.

فى مشاهد النهاية، تظل المعادلات مفتوحة على سيناريوهات عدة أغلبها ينذر بمزيد من الدماء، فالتطورات الميدانية الأخيرة على الأرض أطاحت بقدرات الجيش الإثيوبى ووضعته فى مأزق حاكم، وهو ضرورة القتال حتى النهاية ودفعت برئيس الوزراء والعسكريين من حوله نحو تصعيد لا مجال للتفاوض فيه. فالجبهة تطرح إقامة مرحلة تأسيسية جديدة تعقب الإطاحة بالحكومة الحالية، وتتعهد بتقديم أركانها للمحاكمة بتهم «جرائم الحرب» التى ارتكبوها فى إقليمهم بالخصوص، وغيره من مسارح القتال إرضاء لحلفاء السلاح اليوم الذين يناصبون نفس العدو عداء لا هوادة فيه. ويبقى شبح التفكك أحد السيناريوهات المرشحة بقوة، نظرًا لمطالبة العديد من العرقيات فضلًا عن التيجراى إما بمزيد من صلاحيات الحكم الذاتى، أو الانفصال التام الذى يكفله الدستور الحالى، وهو بمثابة القنبلة الموقوتة على وضع انتظار كلمة النهاية للمنتصر، الذى سيمد يديه وسلاحه ليعبث بها لا محالة.