الأربعاء 08 ديسمبر 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

نوبل بين محفوظ وأيتماتوف

فى ١٣ أكتوبر ١٩٨٨ أُعلن فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل، فى ذلك الوقت كنت أدرس بجامعة موسكو فى الاتحاد السوفيتى، ما زلت أذكر الفرحة التى عمت المغتربين هناك، مصريين وعربًا، فرحة فاقت كل الحدود، لم تتوقف أجراس الهواتف لثلاثة أيام بين المصريين الدارسين والعاملين فى موسكو يتبادلون التهانى مقرونة بالدهشة والشعور بالفخر، أما أصدقاؤنا الروس فقد فتحوا لنا بسخاء أكبر كمية من زجاجات الشمبانيا احتفالًا بالحدث، كأنما نحن تحديدًا من فاز بها وليس محفوظ.

فى واقع الأمر كانت الجائزة تكريمًا شخصيًا لكل مصرى وعربى، كأنما رُدَّ إليه اعتباره، غير أنها كانت بالطبع اعترافًا بدولة الأدب العربى الحديث على خارطة الأدب العالمى، ومن شدة فرحى قررت أن أعكف على جمع كل أو معظم ما كتبه المستشرقون السوفيت عن نجيب محفوظ، ورسائل الدكتوراه التى حصل عليها الدارسون الروس فى أعماله والمقالات الأدبية ومقالات كبار المستشرقين وردود أفعال الصحف السوفيتية، وبفضل الأستاذ محمود أمين العالم صدر الكتاب فى القاهرة بعنوان «نجيب محفوظ فى مرآة الاستشراق السوفيتى».

وأرسل الأستاذ نجيب رسالة رقيقة للعالم، يعرب له فيها عن تقديره للكتاب، بعد ثلاثة أعوام اختفى الاتحاد السوفيتى، وأمسى ذلك الكتاب شهادة لا يمكن أن تتكرر؛ لأنها من أدبيات دولة لم تعد موجودة وثار فى حينه لغط أن جزءًا من الجائزة جاء بسبب موقف نجيب محفوظ من موضوع «السلام»، وقد عبر محفوظ عن موقفه ذلك، وفهمه هذه المسألة بوضوح فى كتاب مع رجاء النقاش وكتابين مع محمد سلماوى، ولم يخف موقفه، وهذا حقه، وكان لنا أن نلومه لو أنه تاجر بموقفه أو تربح منه أو ساقه إلى الآخرين ليفوز بشىء، لكنه لم يفعل ذلك قط، بل إنه فى رسالته إلى الأكاديمية السويدية أشار بقوة إلى حقوق الشعب الفلسطينى.

على أى حال لم تكن سعادتى بالجائزة، حينذاك، السبب الوحيد وراء حماسى واهتمامى بإصدار الكتاب، ففى تلك السنوات كان جنكيز أيتماتوف، أشهر الروائيين السوفيت قاطبة، وراجت أعماله وترجمت إلى كل اللغات تقريبًا، وقد التقيت أيتماتوف عام ١٩٨٧، قبل عام من فوز محفوظ بنوبل- قبل تفكك الاتحاد السوفيتى ١٩٩١- لإجراء حوار صحفى معه، ووجدته مقتضبًا متجهمًا كأنما كنت أقتطع الدقائق من لحمه، لكننى أرجعت ذلك إلى أنه من «قرغيزيا»، وهى بلدة جبلية ذات طبيعة قاسية دخلها الإسلام أوائل القرن الثامن الميلادى، ونشأت ثقافتها وآدابها وتطورت تحت تأثير الثقافتين العربية والتركية، لهذا كان من الطبيعى أن أسأله عن تأثير الثقافة العربية فى أدبه وعمَّا إن كان قد قرأ شيئًا من الأدب العربى؟ وأجابنى باقتضاب: «عندما يكون لديكم أديب بقامة جابريل جارسيا ماركيز فسوف نقرأه»! واصلت الحوار معه أو تظاهرت بذلك، لكننى لم أنشره قط رغم إلحاح الجريدة على نشره.

بعد عام واحد فقط من ذلك اللقاء فاز محفوظ بنوبل، وتذكرت لقائى بأيتماتوف وشعرت كأنما رُدت إلى روحى بهذه الجائزة، وقلت لنفسى: «نعم يا سيدى لدينا أدباء بقامة أى أديب عالمى». لم يسع نجيب محفوظ إلى نوبل، لكنها سعت إليه، أما أيتماتوف فقد بذل كل جهد ممكن للحصول على الجائزة دون جدوى رغم أنه أصبح مستشارًا للرئيس جورباتشوف عام ١٩٨٩، ورغم أنه راح، وفق الموضة حينذاك، يتحدث عن «الأخطاء الاستعمارية للاتحاد السوفيتى»، ثم زين له البعض أن زيارة إسرائيل ستفتح له الطريق إلى الجائزة، فقام بزيارتها والتقى رئيس الحكومة إسحق شامير وقدم له مؤلفاته مصحوبة بإهداء حار، ورغم ذلك لم يفز بالجائزة، أما محفوظ الذى لم ينكر يومًا رأيه فى ضرورة السلام حسبما يفهم هو السلام، فإنه لم يتاجر قط بهذا الرأى، ولم يقم ببيع موقفه فى سبيل الحصول على جائزة، ورأيه فى تلك القضية قديم، يشترك فيه بعض المفكرين من أبناء جيله، ومن حقه وحق أى إنسان أن يكون له رأى «آخر»، المهم ألا يكون ذلك الرأى ذريعة للتربح والتكسب، وهو ما لم يقم به محفوظ قط ولو للحظة.

تحية له فى ذكرى فوزه بالجائزة والاعتراف العالمى بإسهامه الأدبى، وهو اعتراف فى الوقت ذاته بدولة الأدب العربى وبزعمائها وقادتها، وهم كثيرون.