رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

هل يمكن لنصف كيلو عدس أصفر أن يغير العالم؟ «2-1»

 

فى واحدة من أنضج التجارب القصصية، يقدم الكاتب محمد داود، المجموعة القصصية « نصف كيلو عدس أصفر»، الصادرة حديثًا عن دار ميريت، تتكون المجموعة من ١٨ قصة، يبدو أن كثيرًا منها يشكل مفتتحًا لمشروعات قصصية، شديدة الثراء والتنوع من حيث الأساليب السردية، من حيث العوالم القادرة على التماس مع الواقع الاجتماعى والثقافى، والقدرة على الغوص فى التعقيدات الإنسانية، والأهم تكريس مفهوم السؤال فى مواجهة واقع الإجابة.

ونبدأ من عنوان المجموعة المُخاتِل، الذى يعطى أكثر من تفسير من قبل القراء والمتلقين. فلماذا عدس أصفر تحديدًا وليس عدس «بجبة»، العدس الأصفر بما يحمله فى الذاكرة الشعبية من قدرة على خلق الالتباس، وأن الذى لا يعرف يقول «عدس»، تعدد وتنوع استخدام العدس فى المطبخ، حالة الهشاشة والسيولة التى تصيبه عند طبخه أو اختباره بالنار.

فى قصة «نصف كيلو عدس أصفر» نرى حال الطفل الصغير بطل القصة، والالتباس الذى وقع فيه حول ما طلبته منه الجدة، وهل هو نصف كيلو عسل أسود أم ما قر فى ذهنه بأنه نصف كيلو عدس أصفر، هذه الحالة الضبابية التى سيطرت على الطفل الصغير تطرح السؤال عن هذه الضغوط الحياتية التى تقع على هذا الطفل فى هذه السن، فتؤدى به إلى هذه الحالة وأن تلتبس عليه الأشياء، فعدم اليقين الذى يحمله النص فى حالة هو نموذج لحالة الالتباس والضبابية التى تسيطر أجواء المجموعة.

تنوعت الأساليب السردية فى المجموعة ومن بينها تقديم الحدث الواحد من وجهات نظر كل من شارك فيه، كما فى قصة «جلسة عرفية».. ورغم أن العنوان يوحى، إلا أن القصة تفاجئنا بصوت الأب الذى يروى واقعة مشينة هى اعتداء ابنه عليه وضربه على رأسه، ثم نقرأ فى المقطع الثانى رواية الابن للواقعة، ويتضح أن كلًا منهما يقدم رواية مناقضة لرواية الآخر وكل منهما يسيطر عليه شعور الضحية، فيما يعرف فى علم النفس بظاهرة «راشومون» نسبة إلى الفيلم اليابانى الشهير «راشومون» ١٩٥٠، إخراج أكيرا كوروساوا.

ومن خلال قراءة قصة «جلسة عرفية» تتضح روح السخرية السوداء التى يتمتع بها الكاتب ودقة اختياره للعنوان، فرغم أن «الجلسة العرفية» عادة ما تكون للحكم بين غريبين، إلا أننا نكتشف، عبر التفاصيل التى يرويها كل من الأب والابن، كم التشوه الذى يعترى علاقتهما. 

وينجح الكاتب فى أن يجعلنا حائرين بعد قراءة النص أيهما على حق، أيهما خطأ، وأيهما صواب، وإن كنا فى كل الأحوال نتعاطف مع الشخصيتين، فالكاتب يرصد ما اعترى العلاقات الإنسانية من اهتراء، ويسجل الواقع الذى أصبح يفوق الخيال دون خطب زاعقة، ولكن بمهارة ودقة طبيب يعرف متى وأين يستخدم مشرط الجراح. 

من أبرز السمات فى المجموعة القصصية هى استخدام الكاتب لصوت واحد فى السرد، صوت واحد مهيمن مسيطر، لا نستطيع الفكاك من حصاره السردى، وكلما أوغلنا فى النص، تأكدت قدرة الراوى على استلابه لنا وهيمنته الكلية على فضاء السرد كما فى قصتى «أم عفاف» و«رجل لأرملة المرحوم المسكين»، ففى كل من القصتين ورغم اختلاف تربيتهما الاجتماعية، فالراوى فى «أم عفاف» سائق ميكروباص، يجلس معه فى العربة طبيب، لا نسمع صوته، ثم تركب معه «أم عفاف» السيدة التى تعانى مأساة مقتل ابنتها الشابة فى حادث طريق، وهى أيضًا صاحبة الحدث الأهم فى القصة، لا نسمع لها حسًا، بينما يثرثر السائق طوال النص بما حدث، وما كان سيحدث، وكيف كانت الأقدار ستتغير إذا تمت الاستجابة لنصائحه، لا صوت أو لا رؤية غير ما يرويه السائق من منظوره ورؤيته وفهمه، ورغم ذلك لا نشعر كقراء بالملل أو الرغبة فى الانزياح من موقع المتلقى، إنها حالة من الاستلاب الكامل وتغييب الوعى، إن لم تكن آلية لغسيل المخ.. وفى قصة «رجل لأرملة المرحوم المسكين» تزداد مهارة الكاتب مع التصاعد الزمنى والدرامى من مقطع للتالى.. ورغم أننا ندرك نية الرجل العجوز منذ المقطع الثانى فى الزواج من الشابة، إلا أننا نتابع ألاعيبه الخطابية والبلاغية بترقب شديد واستمتاع كبير، واستخدامه المنحرف لآيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة لتحقيق غرضه.. وتتماس هذه التقنية مع واقعنا الثقافى، حيث تتجلى حالة الاستلاب الكاملة أمام ما تقدمه وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعى والخطاب الدينى النفعى... وللحديث بقية.