رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

«الدستور» تنشر حوارا عمره 56 عاما لـ«أديب نوبل» مع فؤاد دوارة

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

«الدستور» تواصل الاحتفال بذكرى «نجيب مصر المحفوظ» 

ربما لا تنطبق مقولة إننا «نتقدم كلما رجعنا للوراء» على شىء فى حياتنا بقدر ما تنطبق على الثقافة المصرية، فماضيها عريق، يزدان بمثقفين كل منهم شمس مضيئة، وبنقاد جادين، يأخذون أنفسهم والمبدعين الذين يكتبون عنهم بالجدية الواجبة، ينطبق هذا على بطل هذا الحوار الأستاذ نجيب محفوظ، وعلى محاوره الناقد الكبير فؤاد دوارة.. على هامش الاحتفال بالذكرى الخامسة عشرة لرحيل «نجيب مصر المحفوظ» ننشر هذا الحوار النادر بين فؤاد دوارة ونجيب محفوظ، والذى نشر أول مرة عام ١٩٦٥، أى منذ ٥٦ عامًا كاملة، وقيمته أنه أحاط بكل مفاتيح تكوين نجيب محفوظ، فى وقت لم تكن هناك كتابات نقدية كثيرة حول أديب مصر الكبير، كما أنه كان بمثابة بروفة مبكرة لمذكرات نجيب محفوظ التى باح بالبعض منها للناقد الكبير رجاء النقاش فى كتاب صدر عام ١٩٨٨، وإن تميز حوار دوارة بأنه رحلة فى قراءات نجيب محفوظ، وتكوينه العقلى، وهو يكشف عن قراءات متعددة لكبار أدباء العالم، باللغة الإنجليزية، فضلًا عن قراءات فلسفية متنوعة، فضلًا عن قراءات فى علوم النفس والجمال والاجتماع.. وهو يكشف فيه أنه استجاب لنصائح أساتذته العقاد والحكيم فدرس الفن التشكيلى والنحت، والعمارة وتاريخ الفن، والفن الفرعونى والإغريقى ويتحدث أيضًا عن علاقته بالشعر وعزفه الموسيقى على آلة القانون، وهو يقول إنه يقرأ بالإنجليزية، وبالفرنسية أحيانًا.. فى الحوار الذى أجرى بمناسبة بلوغه عامه الخمسين قال نجيب محفوظ إنه قلق من ناحيتين.. ناحية الصحة وناحية المال، وقال إنه حتى وقتها لم يكن قد وصل لمرتب يكفل له ضروريات الحياة، وإنه كل شهر يسدد التزاماته من دخل غير المرتب «أجر نشر القصص والروايات»، وقال إنه مستور لكنه لا يمكن أن يتخلص من القلق.. وقد شاء الله أن يبارك لنجيب محفوظ فى صحته وأن يمتد به العمر حتى الخامسة والتسعين، وأن يستمر فى الإبداع حتى شهوره الأخيرة رغم آثار محاولة اغتياله، وشاء الله أن يبارك له فى ماله، فيفيض عن حاجته ويتبرع به للأعمال الإنسانية.. هذا حوار رائد لم يتكرر مثله فى حياة نجيب محفوظ.. وهو درس لشباب الكتاب ومتعجلى الشهرة، وراكبى التريند، ونجوم المبيعات.. فتحية للمحاور ولمن أجرى معه الحوار، ومحبة تليق بكل من قام بعمله وأخذ نفسه بالجدية الواجبة.

 

نص الحوار:

 

نجيب محفوظ: أنا رائد الشر الجديد بلا منازع!

حين قررت أن أجرى هذا الحديث مع نجيب محفوظ، كان فى ذهنى إلى جانب الإسهام فى تكريمه لبلوغه الخمسين من عمره، المديد إن شاء الله، هدف آخر أهم، فالذى لا شك فيه أن نجيب محفوظ أصبح يمثل قمة سامقة فى أدبنا الحديث، وهى قمة حية متطورة نستطيع أن نبارى بها قمم الأدب الغربى.. ومن تتبعى لأعماله ودراستى لبعضها، ومن اتصالى الشخصى به أدركت أنه لم يصل إلى هذه المكانة عن طريق الصدفة، أو عن طريق الموهبة وحدها، وإنما بلغها بمجهود شاق مضن، وقراءات عديدة منظمة، وجهاد للنفس وحرمان لها من كثير من رغائبها، ونزواتها، ولولا ذلك ما استطاع أن يكون نجيب محفوظ الذى نعرفه اليوم والذى اشتركت فى تكريمه والاحتفاء به كل الهيئات الرسمية وغير الرسمية وكل الأدباء والفنانين والنقاد من مختلف الأجيال والمدارس، بعد أن أحسوا جميعًا أن اشتراكهم فى تكريمه إنما هو فى حقيقة الأمر تكريم لأنفسهم، واعتراف بفضل أصبح ثابتًا ومقررًا لا مجال إلى الانتقاص منه أو التهوين من شأنه.

لذلك كان هدفى من هذا الحديث أن أقدم للقراء وللأدباء الشبان بصفة خاصة، نموذجًا للكفاح الأدبى الجاد، وقدوة يحتذى بها فى مجال الكفاح الفنى الشاق، ليعلموا أن القمم لا تبلغ بالعلاقات الشخصية أو نفاق النقاد، وأن الدعاية وغزارة الإنتاج الضحل قد تنجحان فى خداع السذج من القراء والقارئات بعض الوقت، ولكنهما أبدًا لا تصلان بصاحبهما إلى القمة السامقة الثابتة التى بلغها نجيب محفوظ عن طريق الجهاد الشاق فى تثقيف نفسه ومقاومة رغائبها، واعتبار الأدب حياته التى لا يستطيع إلا أن يعيشها دون أن يشغل نفسه بانتظار ثمار مادية أو أدبية لترهبه فى محراب الفن.

■ كان من الطبيعى- مع هذا الهدف فى ذهنى- أن يكون سؤالى الأول عن قراءاته.. كيف بدأت، وكيف تطورت، وطلبت منه أن يجيب بتفصيل وإسهاب.. وصمت نجيب محفوظ وبدا أن السؤال راقه، ووضع يده على جبهته كمن يحاول أن يتذكر، وقال:

- إنى أحاول أن أركز ذهنى لأعطيك الإجابة الدقيقة التى تريدها..

وبعد قليل بدأ يتحدث:

بدأت قراءاتى بالروايات البوليسية.. «سنكلير» و«جونسون» و«ميلتون توب» وغيرها من الروايات التى كان يترجمها حافظ نجيب بتصرف، وكانت منتشرة هى وأمثالها فى أيام طفولتنا، ولم تكن هناك بالطبع كتب خاصة بالأطفال على أيامنا. لذلك كانت هذه الروايات هيكل قراءاتى الأولى فى أواخر المرحلة الابتدائية وأوائل الثانوى.

■ هل تذكر كيف اهتديت إلى هذه الروايات؟

- لا أذكر على وجه التحديد، ربما استعرت أول رواية من زميل لى فى المدرسة الابتدائية، فأعجبتنى وعرفت أماكن شرائها.. كنا نذهب كل يوم جمعة إلى سينما «أوليمبيا» فنشاهد أفلام المغامرات العنيفة، ونخرج لنجد هذه الروايات معلقة تحت بواكى شارع محمد على فنشتريها لنعيش مرة أخرى فى هذا الجو الصاخب العنيف الذى يصنعه فى أخيلتنا أبطال القصص والأفلام.

تأتى بعد ذك مرحلة المنفلوطى، وما أدراك ما المنفلوطى وأثره فى تهذيب النفوس. ومع المنفلوطى وبعده، كنت أقرأ مترجمات «الأهرام»، وهى روايات تاريخية فى الأغلب لبول كين، وتشارلز جارفيس وغيرهما.. كانت تُنشر مسلسلة فى جريدة «الأهرام»، ثم تُجمع فى كتب بعد ذلك.

وبعد ذلك تأتى مرحلة اليقظة على أيدى طه حسن، والعقاد، وسلامة موسى، والمازنى، وهيكل، وبعد فترة أسهم فيها: تيمور، وتوفيق الحكيم ويحيى حقى.. وأنا أُسمى هذه المرحلة، مرحلة التحرر من طريقة التفكير السلفية وطريقة التذوق السلفية، والتنبه إلى الأدب العالمى، والنظر فى الأدب العربى الكلاسيكى نظرة جديدة، مع الاطلاع على نماذج أشبه ما تكون بالأمثلة للقصة والأقصوصة، وتلخيصات لأشهر المسرحيات العالمية، ثم جاءت المسرحية المؤلفة على يد توفيق الحكيم..

وحين دخلت الجامعة مررت بفترة تعتبر فترة تشّبع بالقراءات الفلسفية على أساس أنى سأتخصص فى الفلسفة، مع إطلاعات محدودة فى الأدب. وبعد أن تخرجت ظللت نحو سنتين مقبلًا على القراءات الفلسفية مع وضوح ميلى بعض الشىء للقراءات الأدبية، ويتضح هذا الميل فى اختيارى لموضوع رسالة الماجستير وكانت عن «فلسفة الجمال»، وهو كما ترى أقرب الدراسات الفلسفية لموضوع الأدب والفن.

دراسة الأدب العالمى

■ دون أن أقطع تسلسل ذكرياتك.. ألاحظ أنك لم تذكر شيئًا عن الأدب القديم.. ألم تقرأ فيه طوال هذه المرحلة؟

- بل قرأت كثيرًا وفى مرحلة مبكرة من التعليم الثانوى.. قرأت «البيان والتبيين» للجاحظ، و«الأمالى» لأبى على القالى، و«العقد الفريد» لابن عبدربه، وأمثالها من المؤلفات الموسوعية.. وأذكر أنى كنت أستعير بعض عباراتها فى موضوعات الإنشاء، وكان ذلك يثير عجب أساتذة اللغة العربية ودهشتهم.

وبعد فترة اليقظة التى حدثتك عنها استمرت القراءات فى الأدب العربى القديم ولكن بعقلية جديدة، واتجهت للشعر أكثر، وبخاصة أبوالعلاء المعرى، المتنبى، وابن الرومى.

أعود بعد ذلك إلى النزاع بين الأدب والفلسفة الذى سيطر علىّ عقب التخرج فى الجامعة، لقد انتصر الأدب على الفلسفة كما تعلم، وبدأت أدرس الأدب بصورة منظمة، ولما لم يكن لى مرشد من قريب أو أستاذ يوجهنى، فقد اعتمدت على كتب تاريخ الأدب العالمى، مثل كتاب «درينكووتر» المشهور، واعتمادى على هذه الكتب جعلنى أدرس الأدب قرنًا قرنًا دون أن أتخصص فى أدب أمة بالذات، ووجدتنى أنظر إلى الآداب العالمية وكأنها أدب واحد لا آداب شعوب مختلفة، ولما كانت قراءاتى للأدب العالمى قد بدأت متأخرة، فقد اقتصرت على قراءة الروائع، ووجدت أن أسلم طريقة هى أن أبدأ بالعصر الحديث، ما أمكن، وكان من أثر ذلك أن ضاعت منى فرصة قراءة بعض القمم الأدبية لأنى بعد أن قرأت تلامذتهم، لم يعد باستطاعتى أن أعود إليهم.

وهكذا بدأت منذ سنة ١٩٣٦ بقراءة الأدب الحديث الواقعى والطبيعى والقصة التحليلية، وبعد ذلك المغامرات الأدبية الحديثة كالتعبيرية عند «كافكا» والواقعية النفسية عند «جويس»، وإلغاء الزمن فى القصة عند «بروست»..

و«جويس» و«بروست» هما عماد الأدب الحديث فى القصة كلها.

■ أريد أن أستوضح النقطة الخاصة بالقمم الأدبية التى فاتتك قراءتها لأنك كنت قرأت تلامذتهم..

- أعنى بذلك أننى عرفت الواقعية عند أدباء معاصرين أتقنوا أسلوبها وطوروه مثل «جولزورث» و«ألدوس هاكسلى» و«د. هـ. لورانس».. فلم يعد باستطاعتى بعد ذلك أن أقرأ «ديكنز».. وكذلك لم أستطع قراءة «بلزاك» بعد أن قرأت «فلوبير» و«استندال» مع أنى أعلم أن «بلزاك» عبقرى وهو خالق الواقعية كلها، ولكن لم يكن باستطاعتى أن أحتمله وهو يصف مشهدًا فى ٨٠ صفحة مثلًا.. لقد قرأت مذهبه واتجاهه بعد أن تهذب وتطور عند أناس غيره.

■ وما أهم الأعمال الأدبية الأخرى التى قرأتها؟

- من الأدباء الروس قرأت لتولستوى ودستويفسكى، وتورجنيف، وتشيخوف.

■ وجوركى؟

- قرأت جوركى بعد هؤلاء، وأنا لا أضعه فى صفهم، ففى كثير من رواياته يتضح الأدب الهادف الذى لا تستطيع أن تتذوقه إلا إذا انغمست فى الهدف، أما بدون ذلك فيبدو لك محدود النظرة لا يقاس بأدب أولئك الأدباء الإنسانيين الكبار.

ومن الفرنسيين قرأت: أناتول فرانس، وفلوبير، وبروست، ومالرو، ومورياك، ثم سارتر، وكامى وأضرابهم.

ومن الإنجليز: شكسبير، وويلز، وشو، وجويس، وألدوس هاكسلى، ولورانس..

وفى الأدب الألمانى: توماس مان، وجوته، وأديب ثالث يُنتسب إلى الأدب الألمانى وإن لم يكن ألمانيًا وهو كافكا.

ومن الأدب الأمريكى قرأت: هيمنجواى، وفوكنر، ودوس باسوس، وأونيل، وحديثًا تنيسى ويليامز، وآرثر ميلر.

ومن أمم الشمال: إبسن، واسترندبرج.

ولا يعنى هذا أننى قرأت كل أعمال هؤلاء الأدباء، بل قرأت لكل منهم عملًا أو عملين وربما ثلاثة هى التى اصطلح النقاد على أنها أروع أعمالهم.

دراسة الفنون.. والعزف علي القانون

■ هل أفهم من ذلك أن قراءتك منذ عام ١٩٣٦ أصبحت مقصورة على الأدب؟

- أبدًا، فقراءاتى الفلسفية لم تتوقف منذ ذلك الحين وإن كانت قد انكمشت نتيجة لطغيان الأدب عليها، وأعنى بالقراءات الفلسفية، الفلسفة بمعناها الضيق كالميتافيزيقا والابستومولوجى «نظرية المعرفة» وغيرهما، وكذلك العلوم المتصلة بالفلسفة كعلم النفس والاجتماع وفلسفة الجمال وهذه الفروع الأخيرة استأثرت بجانب كبير من اهتمامى فى تلك المرحلة وقرأت فيها كثيرًا.. ترى أين ذهبت كل هذه القراءات؟.. يخيّل إلىّ أن الثقافة الحق كالغذاء يتمثله الجسم ويستفيد منه وإن لم يبق له أثر واضح فيه..

وبناء على نصائح بعض المفكرين- كالعقاد وتوفيق الحكيم- صممت على دراسة الفنون المتصلة بالأدب، فبدأت بالفنون التشكيلية: التصوير والنحت والعمارة، وقرأت كتب تاريخ الفن العالمى، الفن الفرعونى والإغريقى وفن عصر النهضة، ثم الفن الحديث حيث تتعدد المذاهب وتتنوع، وتتعدد بالتالى الكتب والمؤلفات.

أما الموسيقى فلها لغة خاصة لا تدرس فى الكتب، فاستعضت بالسماع.

■ ولكنى أعلم أنك هويت العزف على القانون فى مرحلة مبكرة من حياتك..

- هذا صحيح، ولكنه فى فترة سابقة على هذه الفترة التى نتحدث عنها.. فأثناء دراستى فى كلية الآداب كنت مغرمًا بدراسة فلسفة الفنون أو علم الجمال، وكنا لا نمتحن فى السنة الثالثة، فقررت أن أنتهز فرصة فراغى بعض الوقت لأدرس الموسيقى عمليًا على أمل أن أصل إلى فلسفة الجمال فيها، فالتحقت بمعهد الوسيقى العربية، واخترت آلة «القانون»، وانتظمت فى حضور الدروس، وتعلمت النوتة، وحفظت عدة بشارف.. ما زلت أحفظ حتى اليوم واحدًا منها بالنوتة هو «السماعى الدارج»..

وأذكر أن المرحوم محمد العقاد كان يثنى على استعدادى الموسيقى، ويتنبأ لى بمستقبل كبير بين عازفى القانون. ولكنى بعد حوالى عام من الدراسة اكتشفت أنى لن أصل إلى أى شىء مما تصورته، وأنه لا صلة مطلقًا بين تعلم العزف على القانون وفلسفة الجمال.

وفاتنى كذلك أن أحدثك عن ناحية مهمة من قراءاتى وهى كتب خلاصات العلوم، فى البيولوجى، والطبيعة وأصل المادة، فقد صدرت أيام الدراسة مكتبة شبه علمية، من تأليف وترجمة الدكتور فواد صروف وإسماعيل مظهر وسلامة موسى وغيرهم، وكنت أقرأ هذه الكتب باهتمام شديد، وأعتقد أن لها أثرًا كبيرًا فى ثقافتى وتفكيرى.

■ ماذا عن قراءاتك فى السنوات الأخيرة.. سنوات الإنتاج؟

- الواقع أن السنوات الأخيرة هزت قراءاتى بشكل عنيف.. فقد ازدحم العمل فى الرقابة ثم فى مؤسسة السينما.. وضاق بالتالى وقت القراءة. وربما كان للسن والصحة دخل فى ذلك أيضًا.. على أننى أحمد الله أننى قرأت فى وقت الفتوة الروايات القمم مثل «الحرب والسلام» لتولستوى، و«البحث عن الزمن الضائع» لبروست وتقع فى ثمانمائة صفحة، وشرحها لستيوارت جيلبرت فى ثمانمائة صفحة أخرى.

وكذلك معظم مؤلفات شكسبير وجوته، قرأتها باستمتاع شديد.. أما الآن فقد انكمشت القراءات فى كل مجال ما عدا الأدب، وأصبح من الصعب أن أقرأ كتابًا فى علم النفس مثلًا، وأصبحت أفضل قراءة كتاب فى الفلسفة بمعناها الحق على كتاب فى علومها، وأفضل المسرحية على الرواية، والأقصوصة على القصة.. وهكذا.

ولولا المترجمات لساءت الحالة أكثر.. فالفضل فى استمرارى فى القراءة يرجع أساسًا إلى مترجمات لبنان ووزارة الثقافة، فعن طريقها قرأت «بسترناك» والمؤلفات الأخيرة لسارتر، وكامى، وهيمنجواى. وأضرابهم، فالقراءة باللغة الأجنبية تحتاج إلى وقت وتركيز، والكتاب الذى تأتى عليه وهو مترجم فى أسبوع قد تحتاج قراءته بلغته الأصلية إلى شهر مثلًا، وأنت تعلم أن وقت فراغى الأول أصبح مخصصًا للكتابة، وكل ذلك على حساب القراءة بطبيعة الحال.

درجة العشق

■ بأى لغة قرأت كل هذه الروائع التى ذكرتها؟

- قرأت معظمها بالإنجليزية وبعضها بالفرنسية، فأذكر مثلًا أنى قرأت أناتول فرانس باللغة الفرنسية، وأناتول فرانس بالذات يخدع لأن لغته الفرنسية أسهل من العربية.. إنه معجز حقًا من ناحية سهولته، وبدأت بعده أقرأ بنفس العضلات «فلوبير» فوجدت أنى لا بد أن أفتح القاموس على حوالى ٣٠ كلمة فى كل صفحة، ففضلت أن أقرأ ترجماته إما إلى الإنجليزية أو العربية، ونفس الشىء ينطبق على أدباء فرنسا من «بروست» ومن تلاه.

■ وماذا تقرأ الآن؟

- أقرأ مسرحيتين مترجمتين لسارتر هما «الإله الطيب والشيطان» و«سجناء التونا».

هل أفهم من هذا أنك تقرأ فى كتاب واحد حتى تنهيه ثم تبدأ فى غيره، أم أنك تقرأ فى عدة كتب فى وقت واحد كما يصنع بعض الأدباء والمفكرين؟

- أنا أقرأ فى الكتاب ولا أتركه حتى أُتمَّه، ثم أبدأ فى غيره.. وهذه طريقتى فى القراءة منذ زمن بعيد.

■ هل تأثرت فى أدبك تأثرًا مباشرًا ببعض من قرأت لهم من الأدباء العرب والأجانب؟

- التأثر يستطيع أن يراه شخص خارج الأديب، وأرجو ألا تسألنى فى أشياء تستطيع أنت أن تجيب عليها. لو أنى درست أديبًا بعينه فى كل مؤلفاته لاستطعت أن أجيبك بسهولة، ولكنى كنت دائمًا أقرأ مختارات أو منتخبات من مؤلفات كل أديب.. على أنى أستطيع مع ذلك أن أقول بشكل عام إن من تأثرت بهم تأثيرًا مباشرًا هم من أحببتهم إلى درجة العشق، وهم من القدماء شكسبير، ومن أدباء القرن التاسع عشر تولستوى، ودستويفسكى وتشيكوف. ومن الأدب الحديث بروست، وتوماس مان، وكافكا، وكذلك بعض الكتاب المسرحيين مثل: أونيل، وشو، وإبسن، واسترندبرج.

سلامة موسى والعقاد

■ هل كان لسلامة موسى أثر قوى فى تكوينك الفكرى، كما يذهب بعض الباحثين؟

- نعم، كان لسلامة موسى أثر قوى فى تفكيرى، فقد وجهنى إلى شيئين مهمين هما العلم والاشتراكية، ومنذ دخلا مخى لم يخرجا منه إلى الآن.. وكان الأديب الوحيد الذى قَبِل أن يقرأ رواياتى الأولى وهى مخطوطة، قرأ ثلاث روايات وقال لى إن عندى استعدادًا ولكن الروايات غير صالحة للنشر، ثم قرأ الرواية الرابعة وكانت «عبث الأقدار» وأعجبته ونشرها كاملة فى «المجلة الجديدة»، كما قرأ أول أقاصيص كتبتها ونشر بعضها قبل «الرواية» و«مجلتى».

■ والعقاد.. ألاحظ أنك تذكره دائمًا مقرونًا بإعجاب خاص.. هل كان له أثر معين فى تفكيرك؟

- بالطبع، لقد خلق عندى قيمًا عزيزة أولاها قيمة الأدب كفن سام لا وسيلة تكسب، وكان دائمًا يرتفع بالفن إلى مستوى الرسالات المقدسة، وثانيتها أهمية الحرية فى الفكر وفى حياة الإنسان عمومًا، ثم نظرياته فى الشعر التى جعلتنى أتذوق الشعر تذوقًا جديدًا، وكذلك عرفت عنده أول قصة تحليلية نفسية وهى «سارة».

رائد الشعر الجديد!

■ ننتقل الآن إلى قصتك مع الكتابة.. هل تذكر متى انبعثت فى نفسك الرغبة فى الإمساك بالقلم وكتابة شىء خاص بك تعبر به عن مشاعرك أو عن أشياء رأيتها وتريد أن تحدث بها غيرك؟

- الواقع أن الرغبة فى الكتابة كانت موجودة منذ زمن قديم حتى قبل تبين دوافعها، ففى أيام إدمان القصص البوليسية كنت أعيد كتابة بعضها فى كراسة خاصة وأكتب عليها اسمى.

■ هل تعنى أنك تكتب مثلًا قصة «سنكلر» بقلم: نجيب محفوظ؟

- يا ريت «بقلم».. فمعنى هذا توفر شىء من الأمانة.. كنت أكتب عليها: «تأليف نجيب محفوظ!».

ومع قراءاتى للمنفلوطى كنت أؤلف «نطرات» و«عبرات» وأذكر أنى فى هذه الفترة كتبت الشعر.. كنت أكتبه فى بادئ الأمر موزونًا، ولكن كان بعض الأبيات ينكسر منى.. وحينما وجدت الأبيات المكسورة كثيرة أطلقت الشعر وحررته من الوزن، فكنت رائد المدرسة الحديثة فى الشعر بلا منازع!.. لأن هذا يرجع إلى عامى ١٩٢٥، و١٩٢٦.

■ هل تذكر موضوعات قصائدك؟

- كانت كلها فى بادئ الأمر تدور حول الحب، وربما ذكرت فى بعض القصائد علاقات معينة وأسماء بطلاتها.. ثم بدأت أكتب إلى جانب هذا اللون قصائد أخرى تتصل بمشاعرى الخاصة كفرحتى بالعيد ورمضان ونحو ذلك.

■ ألم تقل شيئًا من شعر الوطنية؟

- لا أذكر.. والواقع أن فترة الشعر لم تطل، فقد عاودت التأليف مع قراءتى للمجددين، فحين قرأت «الأيام» لطه حسين ألفت كراسة- أو كتابًا كما كنت أسميها وقتذاك- أسميتها «الأعوام» رويت فيها قصة حياتى على طريقة طه حسين..

■ أما زلت محتفظًا بهذه الكراسة إلى اليوم؟

- نعم، أعتقد أن الشعر والكراسة موجودان وإن احتاجا إلى نبش كثير حتى أعثر عليهما.

■ أرجو أن تحتفظ بهما وبغيرهما من كتاباتك الأولى فسنحتاجها بلا ريب حينما ندرس أدبك الدراسة العلمية الواجبة.. هل نواصل رحلتنا مع المحاولات الأولى للتأليف؟

- نعم، بعد ذلك ومع تعرفى إلى آراء المجددين فى أدبنا، والتفانى إلى شعر المتنبى وأبى العلاء، ألفت كراسة أخرى وضعت فيها فلسفتى فى الحياة والكون والخالق، وحينما تقرأ ما كتبته فى تلك السن المبكرة تحس أنك تقرأ لشخص قد أحاط بكل كبار الفلاسفة والمفكرين!

تأتى بعد ذلك مرحلة أخرى أكثر نضجًا بدأت فى أواخر الثانوى وأوائل الجامعة، واستمرت عدة سنوات، كنت أكتب خلالها المقال، والنقد الأدبى وتلخيص المسرحيات، والأقصوصة، والرواية، وكان يساعدنى على ذلك أن العطلة الصيفية كانت أربعة أشهر وكانت تمتد فى معظم الأحيان إلى خمسة..

الرواية الأولى

■ وما أول عمل نشر لك؟

- كانت المقالة أسبق فى الظهور من الأقصوصة والرواية، فما أكثر الأقاصيص التى رُفض نشرها، وكانت أيام عذاب ومحنة تتكرر مع كل أقصوصة أو مقال يرد على أن المقال كان أسرع فى القبول من الأقصوصة، ولذلك فقد انصرفت بعض الوقت إلى كتابة المقالات.

وأذكر أن أول مقال نشر لى كان عن «تطور الظاهرات الاجتماعية».. كما نشرت بحثًا من عدة مقالات عن فكرة «الله» وتطورها..

■ وماذا كان إحساسك وأنت ترى اسمك مطبوعًا لأول مرة؟

- الحقيقة أنى رأيت اسمى مطبوعًا قبل نشر هذه المقالات الأولى، فقد كنت فى صباى حريصًا على الكتابة إلى محررى الأبواب الثابتة فى الصحف، إما مؤيدًا لآرائهم لينشروا اسمى، أو مخالفًا لرأيهم لينشروا اسمى أيضًا ولو مقرونًا بالسباب!!

■ وكيف تحولت من كتابة المقال إلى الأقصوصة؟

- الواقع أنى لم أتحول، فقد كنت أكتب المقال مع الأقصوصة والرواية، وكان المقال يقبل والأقصوصة والرواية ترفضان، وجاء وقت قبلت فيه الأقصوصة فانصرفت إلى كتابتها ونشرها، وإن لم أمتنع فى الوقت نفسه عن كتابة الرواية.

■ قرأت مرة أنك كتبت خمسمائة أقصوصة..

- غير صحيح، لقد كتبت حوالى خمسين أقصوصة مزقتها، ونشرت فى الصحف حوالى ثمانين، اخترت منها ثلاثين فى كتاب «همس الجنون».

■ وما قصتك مع الرواية؟

- لقد بدأت أؤلفها قبل أن أتخرج فى الجامعة وبعد تخرجى حتى تجمع عندى ثلاث روايات لا أمل فى نشرها بعد أن طفت بها على جميع الناشرين..

وفى سنة ١٩٣٩ نشر لى سلامة موسى أول رواية وهى «عبث الأقدار». وفى سنة ١٩٤٣ نشر عبدالحميد جودة السحار الرواية الثانية «رادوبيس»، وأثناء هذه السنوات كنت ألفت روايتين أخريين هما: «كفاح طيبة» و«القاهرة الجديدة».

■ هل أفهم من ذلك أنك نشرت كل مؤلفاتك فى الرواية حتى التى كتبتها قبل التخرج فى الجامعة؟

- لا، فقد كتبت روايات كثيرة لم تنشر، منها ثلاث قرأها سلامة موسى كما أشرت من قبل، وأذكر أن واحدة منها كان اسمها «أحلام القرية».. وتستطيع أن تتصور موضوعها من عنوانها.. وبعد سنة ١٩٣٩ أغلقت مجلة «الرواية» وكنت أنشر فيها أقاصيصى، وحددت أزمة الورق عدد صفحات الصحف والمجلات، فلم تعد تهتم كثيرًا بنشر الأقاصيص، فانصرفت بكل جهودى إلى الرواية حتى جاء عبدالحميد السحار وأنشأ دار النشر للجامعيين، فانفكت بها أزمة النشر بالنسبة إلىّ وإلى عدد كبير من أدباء جيلى.

وبعد أزمة النشر جاءت أزمة الإهمال، وبهذه المناسبة يهمنى أن أذكر أول ناقدين كتبا عن مؤلفاتى فى مجلة «الرسالة» وهما «سيد قطب» و«أنور المعداوى» قد كان لهما الفضل فى انتزاعى من الظلام إلى النور.. وأول رواية كان لها صدى فى العالم العربى هى «القاهرة الجديدة»، وحققت «خان الخليلى» نجاحًا أكبر، ثم إذا بـ«زقاق المدق» تغير الموقف تمامًا، وإن ظلت الكتابات عن مؤلفاتى فى العالم العربى- فى سوريا والعراق ولبنان- أكثر منها فى مصر بنسبة خمسة إلى واحد.

أتعلم ما الذى جعلنى أستمر ولا أيأس؟ لقد اعتبرت الفن حياة لا مهنة، فحينما تعتبره مهنة لا تستطيع إلا أن تشغل بالك بانتظار الثمرة، أما أنا فقد حصرت اهتمامى بالإنتاج نفسه وليس بما وراء الإنتاج.. كنت أكتب وأكتب لا على أمل أن ألفت النظر إلى كتاباتى ذات يوم، بل كنت أكتب وأنا معتقد أنى سأظل على هذا الحال دائمًا.. أتعرف عناد الثيران؟.. إنه خير وصف للحالة النفسية التى كنت أعمل بتأثيرها..

بين الفلسفة والأدب

■ لماذا اخترت قسم الفلسفة بالذات فى كلية الآداب؟

- كان الأدباء الذين أثروا فىّ، وأنا فى أواخر المرحلة الثانوية، يمثلون ثورة فكرية أكثر منها أدبية، فطه حسين، وسلامة موسى، والعقاد، قدموا لنا أفكارًا ومناهج فكرية أكثر مما قدموا لنا نماذج أدبية.

وحتى الأدباء والشعراء الذين وجهونا إلى الاهتمام بهم كأبى العلاء، والمتنبى، وابن الرومى يغلب عليهم الطابع الفكرى. وعلى ضوء تأثرى بهذه الأفكار يتضح سبب اختيارى دراسة الفلسفة، على أنى لم أهمل قراءة الأدب أثناء دراستى الفلسفة، وسارا فى تواؤم طوال فترة الدراسة، وإن كانت الغلبة للفلسفة بطبيعة الحال، وبعد التخرج مررت بفترة تنازع بين الفلسفة والأدب عذبتنى كثيرًا، وأحسست أن علىَّ أن أختار بينهما، وبلغت هذه الأزمة قمتها وأنا أعد رسالتى للماجستير مع المرحوم الشيخ مصطفى عبدالرازق.. فقطعت العمل وأنا فى منتصف الرسالة، إذ أحسست أن كل تقدم فيها يزيد من حدة التمزق المؤلم فى نفسى.

■ هل كان هناك عامل حاسم فى هذا الاختيار؟

- ليس هناك عامل خارجى، فلا شك أن الفلسفة كانت أفيد لى من الناحية المادية، فقد كنت طالبًا متفوقًا، والماجستير بعدها الدكتوراه، ثم أُصبح أستاذًا فى الجامعة لا أعانى شيئًا مما يعانيه المشتغلون بالأدب فى بلادنا.. كان الأعقل والأحكم أن أختار الفلسفة، ولكنى اخترت الأدب، لعله الاستعداد النفسى أو أى عامل داخلى فليس لذلك تفسير واضح.

■ هل كان لدراسة الفلسفة أثر فى رواياتك؟

- بالطبع فقد لاحظت، أو لاحظ غيرى، أن الفلسفة دخلت فى أكثر من عمل من أعمالى.. والفلسفة تؤثر فى الأعمال الأدبية بصور مختلفة.. فهناك شخصيات متفلسفة أو متأثرة فى سلوكها وأحاديثها بالأفكار الفلسفية، وهى كثيرة فى رواياتى.. وأحيانًا تكون الأعمال الأدبية فلسفية كلها كبعض مؤلفات توفيق الحكيم وكامى، وهذا النوع لا أعتقد أنى قدمت فيه شيئًا اللهم إلا إذا كانت «اللص والكلاب» وإن كانت الناحية الاجتماعية تغلب عليها أكثر.

وقد حدثنى بعض أساتذة الفلسفة أنهم لاحظوا أنى أنهج منهجًا ديكارتيًا فى بعض مؤلفاتى، أى أنى أقيمها على أساس الشك فى كل شىء ثم أصل عن طريق الجدل إلى الحقائق، وأشاروا إلى «القاهرة الجديدة» بوجه خاص.. وكتب الدكتور نجيب بلدى مقالًا عن الفلسفة فى الأدب المعاصر ألقى فيه أضواء على الاتجاهات الفكرية فى أدب توفيق الحكيم وبعض رواياتى، وإن كنت لا أذكر المجلة التى نشرت هذا البحث المهم.

■ و«أولاد حارتنا»؟

- من الممكن اعتبارها رواية تقوم على أساس فكرة فلسفية، والذين رأوا فيها هذا يقولون إنها محاولة لإقامة الاشتراكية والعلم على أساس لا يخلو من صوفية.. وأعترف لك بأن هذه الفكرة لم تخطر ببالى بمثل هذا الوضوح أثناء كتابتى الرواية.

ثلاثة توقفات

■ وقراءاتك العلمية هل لها أثر فى مؤلفاتك؟

- العلم يؤثر فى منهج تفكير الأديب ونظرته للأشياء أكثر مما يؤثر فى مؤلفاته، ويتضح هذا فى المدرسة الطبيعية بصورة خاصة، أما القصص العلمية فيكتبها فى الأغلب علماء مالوا للأدب مثل «هـ. جـ. ولز»، وبمناسبة حديثنا عن النزاع بين الأدب والفلسفة وتحولى من دراسة الفلسفة إلى الاشتغال بالأدب، يهمنى أن أقول إن هذا النزاع يمثل التوقف الأول من ثلاثة توقفات مهمة عرضت لى فى حياتى الأدبية.

أما ثانيها فكان حينما هيأت نفسى لكتابة تاريخ مصر القديم كله فى شكل روائى على نحو ما صنع «وولتر سكوت» فى تاريخ بلاده، وأعددت بالفعل أربعين موضوعًا لروايات تاريخية رجوت أن يمتد بى العمر حتى أتمها وكتبت ثلاثًا منها بالفعل هى «عبث الأقدار» و«رادوبيس» و«كفاح طيبة»، وبقى ٣٧ موضوعًا جاهزة للكتابة.

وفجأة إذا بالرغبة فى الكتابة الرومانسية التاريخية تموت فى نفسى، وأجدنى أتحول إلى الواقعية فى «القاهرة الجديدة» بلا مقدمات، وظللت غارقًا فيها حتى أنهيت الثلاثية فى أبريل عام ١٩٥٢، وكانت أمامى سبعة موضوعات لروايات أخرى فى نفس الاتجاه الواقعى النقدى، وإذا بثورة ١٩٥٢ تقوم فتموت معها الموضوعات السبعة من حيث الدافع لكتابتها.

وأذكر أنى عرضت هذه الموضوعات على عبدالرحمن الشرقاوى وبعض الزملاء الأدباء ودهشوا لأنى لم أكتبها، فما أكثر الذين بدأوا بعد الثورة ينقدون فى أعمالهم الأدبية مجتمع ما قبل الثورة.

أما أنا فقد حدث التوقف الثالث فى حياتى الأدبية، إذ حينما ذهب المجتمع القديم ذهبت معه كل رغبة فى نفسى لنقده.. وظننت أنى انتهيت أدبيًا، ولم يعد لدى ما أقوله أو أكتبه، وأعلنت ذلك وكنت مخلصًا فيه، ولم يكن الأمر دعاية كما ظن البعض.. وظللت على هذه الحال من سنة ١٩٥٢ حتى سنة ١٩٥٧ لم أكتب كلمة واحدة، ولم تنبعث فى نفسى رغبة فى الكتابة وكنت أعتبر المسألة منتهية تمامًا حتى وجدتنى أكتب «أولاد حارتنا» وأنشرها سنة ١٩٥٩.

المورخ والفنان

■ بهذه المناسبة أذكر أنى سمعت ناقدًا كبيرًا يصفك فى ندوة بأنك مؤرخ أكثر منك فنانًا، لأن أعمالك خالية من وجهة نظر معينة تعرض من خلالها الأحداث والشخصيات.. وكان يشير إلى الثلاثية بالذات.. ما رأيك فى هذا الوصف؟

- هل يعرض المؤرخ التاريخ بغير وجهة نظر؟.. أين هو هذا المؤرخ؟.. ليس هذا هو الفارق بين المؤرخ والفنان، فالمؤرخ باعتباره عالمًا يدرس التاريخ كظواهر عامة ويورد من الحوادث والشخصيات ما يؤيد هذه الظواهر ويفسرها، أما الفنان فيعبر عن الحياة عن طريق العلاقات الخاصة بين شخصيات عادية من أفراد الشعب، والأحداث التاريخية بالنسبة إليه ليست أكثر من عوامل ثانوية تؤثر فى الشخصيات.

التاريخ أساسًا علم من العلوم يعرض لمختلف الظاهرات باعتبارها ظاهرات اجتماعية ويحللها ويفسرها.. إلى آخره.. بخلاف الفن الذى لا تظهر فيه هذه الظاهرات العامة إلا من خلال مخلوقات خاصة.. وأستطيع أن أضيف أنه لا يوجد مؤرخ بلا وجهة نظر، فى حين أنه قد يوجد فنان بلا وجهة نظر، فيكتفى بالتعبير المباشر عن التجارب دون أن يكون وراء هذا التعبير فلسفة معينة.

وبالنسبة للثلاثية أعتقد أن فيها وجهة نظر مؤكدة، تجدها فى خط سير معين للأحداث، يمكن تلخيصها فى كلمتين بأنها الصراع بين تقاليد ضخمة ثقيلة والحرية فى مختلف أشكالها السياسية والفكرية، وتنتهى الثلاثية بعطف معين لا يصعب على أى قارئ ولم يصعب على أى ناقد تبينه.

ووجهة النظر فى العمل الفنى تعرف بالإحساس، إذ ما أسهل التعبير المباشر عنها، ولا أعتقد أن أحدًا قرأ الثلاثية دون أن تتركز عواطفه فى شىء معين واضح.

■ من تتبعى لأعمالك أرى أن اهتماماتك الاجتماعية والسياسية تزداد قوة ووضوحًا مع كل كتاب جديد؟.. هل أنا مصيب؟ وما تفسيرك لذلك إن صح؟

- هذه الاهتمامات موجودة منذ زمن بعيد.. وهى واضحة حتى فى الروايات التاريخية، ومع ذلك فأنا لا أستبعد صواب رأيك، ومن الممكن تفسيره على ضوء أن هذه القيم أصبحت هى القيم السائدة فى هذا العصر سواء فى الداخل أو الخارج، ولا أستطيع أن أقطع بمدى تحولها فى المستقبل.

■ كتبت مرة تقول: «علمتنى تجربتى الخاصة أن الموضوع وهو مجرد أفكار وتخيلات يحظى بثقتى الكاملة، لكن بعد مراجعته عند تنفيذه يفقد على الأقل خمسين فى المائة من روعته، وعند مراجعته مطبوعًا لا يكاد يبقى منه شىء»..

أما زلت مصرًا على هذا الرأى؟.. وعلى أى أعمالك ينطبق؟

- هذا إحساس عام ما زال موجودًا إلى اليوم، فالكاتب وهو يكتب يعتقد أن ما يكتبه يعكس كل ما يحس به، أى ذروة انفعاله بالتجربة، وعند قراءته بعد ذلك يتضح له الفارق بين انفعاله فى ذاته والتعبير المكتوب عنه، فيظهر هذا الهبوط الذى تحدثت عنه.. وربما كان هذا الإحساس حافزًا للكاتب كى يؤلف عملًا آخر يحاول أن يحقق فيه التوافق بين التعبير والانفعال.. وهكذا.

■ هل تستطيع أن تضع رواياتك داخل إطار مذهب أدبى معين؟

- لو أجبت على هذا السؤال فستكون إجابتى من خلال آراء النقاد، فالذى لا شك فيه أنى وأنا أكتب لم أقصد أن أحقق مثالًا مدرسيًا، وكتبت كثيرًا قبل أن أعرف المدارس الأدبية، كل ما كنت أعرفه نماذج معينة من مختلف المدارس، وإذا كنت آمنت فى وقت من الأوقات أنى كاتب واقعى فقد أخذت ذلك عن النقاد.

قد يسهل على الكاتب الأوروبى أن يحدد مذهبه الأدبى لأنه فى الأغلب مُطلع على آخر خطوة فى تطور المذاهب الأدبية، وقد يكون اشترك فى إحدى المعارك لإقرار مذهب معين، أما نحن فقد عرفنا المذاهب بعد أن استقرت ولم تكن هناك دوافع تدعونا للتشيع لمذهب بعينه غير موقفنا الحضارى فى الداخل.

العامية مرض

■ يقول الأديب الإنجليزى «دزموند ستيوارت» فى مقال نُشر له بعدد ديسمبر الماضى من مجلة «المجلة»:

- «إن التزام نجيب محفوظ للفصحى فى كتابة الحوار مُخل بمطلب الواقعية الذى يطمع فيه القراء الأجانب»، ويصفه بأنه «عناد طارئ»، أى أنه لا يؤدى وظيفة فنية فى الرواية.

وقرأت على لسانك مرة: «إن اللغة العامية من جملة الأمراض التى يعانى منها الشعب والتى سيتخلص منها حتمًا حينما يرتقى، وأنا أعتبر العامية من عيوب مجتمعنا مثل الجهل والفقر والمرض تمامًا».

■ ألا ترى أن هذا الموقف المتزمت من العامية يدفعك إلى رفض معظم كتابات أدبائنا الشبان الذين يصرون- مثل إصرارك- على استعمال العامية فى الحوار.. وبعضهم الآخر يحاول كتابة القصة كلها بالعامية؟!

- فيما يتعلق بديزموند ستيوارت أعترف بأنى لم أفهم اعتراضه مع أنى قد أفهمه إذا جاء من أديب عربى، فالمفروض أن النص يترجم بما فيه من سرد وحوار إلى لغة إنجليزية واحدة، وحتى إذا تصورنا أن الحوار سيترجم إلى لغة إنجليزية دارجة، فالفرق بين اللغتين ليس كبيرًا إلى هذا الحد.

أما أنى أعتبر العامية مرضًا، فهذا صحيح، وهو مرض أساسه عدم الدراسة، والذى وسع الهوة بين الفصحى والعامية عندنا هو عدم انتشار التعليم فى البلاد العربية.. ويوم ينتشر سيزول هذا الفارق أو سيقل كثيرًا.

ألم ترَ تأثير انتشار الراديو فى لغة الناس، فبدأوا يتعلمون الفصحى ويفهمونها ويستسيغونها، وأنا أحب أن ترتقى العامية، وأن تتطور الفصحى لتتقارب اللغتان، وهذه هى مهمة الأديب فى رأيى.

ولكنى مع ذلك لا أحب لهذا الموقف الذى ألتزمه فى أعمالى، بناء على رأى أؤمن به، لا أحب له أن يتحول إلى دعوة، فلكل أديب الحرية الكاملة فى اللغة التى يكتب بها.. وليس معنى أنى أرى هذا الرأى ألا أعترف بأعمال الآخرين.. فأنا أقرأ أعمال من يكتبون بالعامية وأستمتع بها بلا أى اعتراض.

بهذه العبارات أنهى نجيب محفوظ حديثه الذى استغرق منا ثلاث جلسات طويلة، وتطلب منه صبرًا جميلًا، وأمانة تامة ودقة كاملة فى الإجابة.. وخرجت من عنده شاكرًا مهنئًا، وقد ازددت إيمانًا بأنى قد وفقت فى اختيار المثل الصحيح الذى يمكن أن أقدمه للقراء، وللأدباء الشبان بصفة خاصة فى ميدان الكفاح الأدبى الجاد، والإيمان الحق بدور الأدب الخطير فى حياة الشعوب.. والواجب الضخم الملقى على عاتق أصحاب الأقلام.

كل ما أرجوه أن أكون قد وفقت فى نقل الخطوط الرئيسية فى حديث نجيب محفوظ.. أما الحديث نفسه فلا أطمع فى نقله كاملًا لأن لهجة الحديث وحرارته، وما تصحبه من تعبيرات بالوجه واليد والتماعات العين ونبرات الصوت التى تنم عن نبضات القلب..

كل هذه الأشياء يحسها المرء ويعيشها مع صدق صاحبها، ولكنه لا يستطيع- للأسف- نقلها إلى القارئ.