الثلاثاء 21 سبتمبر 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

قيام تونس.. وقيامة الإخوان

اليوم، ٢٥ يوليو، تحل الذكرى الرابعة والستين لإعلان الجمهورية التونسية، وفيه تتوّحد القوى السياسية التونسية، للمطالبة بحل «حركة النهضة»، والإطاحة بالحكومة الموالية لها، وعزل زعيمها راشد الغنوشى من رئاسة البرلمان، وإسقاط كل القوى السياسية القابضة على زمام السلطة، منذ سنة ٢٠١١، والدفاع عن الدولة ضد كل الأجندات المشبوهة.

فى السادسة من مساء ٢٥ يوليو ١٩٥٧، الموافق ٢٦ ذى الحجة ١٣٧٦، وبمقتضى ما لهم من نفوذ كامل مستمد من الشعب، وتدعيمًا لأركان استقلال الدولة، وسيرًا فى طريق النظام الديمقراطى، قرر نواب الأمة التونسية، أعضاء المجلس القومى التأسيسى، إلغاء النظام الملكى، وأعلنوا أن تونس دولة جمهورية، وكلفوا رئيس الحكومة، الحبيب بورقيبة، بمهام رئاسة الدولة على حالها الحاضر، ريثما يدخل الدستور فى حيز التطبيق ويطلقون عليه لقب رئيس الجمهورية. وكلفوا الحكومة بتنفيذ هذا القرار وباتخاذ التدابير اللازمة لصيانة النظام الجمهورى، كما كلفوا رئيس المجلس، والأمين العام لمكتب المجلس والحكومة، بإبلاغ هذا القرار إلى الخاصة والعامة.

دعوات التظاهر، فى هذا اليوم، الذى يوصف بـ«عيد الجمهورية»، أطلقها نواب وسياسيون، وتفاعل معها عدد كبير من الشعب التونسى، بعد الإدارة الكارثية لأزمة تفشى وباء «كورونا المستجد»، ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية والمالية، يومًا بعد يوم، وتزايد مخاطر الإرهاب وانتشار الخطاب التكفيرى، وتكرار الانتهاكات التى تمارسها الحركة الإخوانية واعتداءاتها الصريحة على معارضيها، واستمرار حالة الإفلات من العقاب، وظهور شبهات حول استغلال تلك الحركة لمؤسسة القضاء، وتطويعها، أو إفسادها، للتلاعب بملفات التقاضى فى عدة قضايا إرهابية، أبرزها تلك المتعلقة بتصفية معارضين سياسيين بارزين. 

الداعون إلى التظاهر يتبنون موقف رئيس الجمهورية، قيس سعيد، الذى يرى أن منظومة الحكم، بعد ٢٠١١، مسئولة عن الانهيار شبه الكلى فى كل المجالات، وأن بلاده لديها «من الإمكانيات الكثير، ويكفى أن تتوفر الإرادة الصادقة لتحقيق حلم الشعب التونسى فى الشغل والحرية والكرامة الوطنية». وأضف إلى ذلك أن استطلاعات الرأى، التى تجريها مؤسسة «سيجما كونساى»، بشكل دورى، تشير إلى أن ٨١٪ من التونسيين لا يثقون فى راشد الغنوشى، ولا يريدونه أن يلعب أى دور سياسى. ما يعنى أن الداخل التونسى، إلا قليلًا، ما زال يرفض الاستسلام لسيطرة «الإخوان». لكن المؤسف هو أن إسقاطهم بات صعبًا، بعد أن أحكموا قبضتهم على مفاصل الدولة بتواطؤ من تسع أو عشر حكومات، دعمتها أو استعملتها قوى دولية وإقليمية.

الخلاف بين رأسى السلطة التنفيذية، رئيس الدولة ورئيس الحكومة، ما زال قائمًا، منذ أن رفض الأول التعديل الوزارى الذى أجراه الأخير. والبرلمان التونسى لا يزال مسرحًا لخلافات متكررة، تنهيها حركة النهضة وذيولها أحيانًا بممارسة العنف. ومنذ أيام، أعلنت ثلاث كتل نيابية، هى الكتلة الديمقراطية وكتلة الإصلاح وكتلة تحيا تونس، عن مقاطعتها اجتماعات مكتب البرلمان وأعمال اللجان. كما طالب النائب حاتم المليكى، مؤسس «الكتلة الوطنية» بضرورة إبعاد الغنوشى عن رئاسة المجلس. وأوضح أن البرلمان التونسى شهد، خلال السنتين الماضيتين، محاولة لتحويله إلى غرفة ثانية لأجندة الحركة الإخوانية، بـ«المغالبة والتهديد، وهى ثنائية أغرقت تونس فى صراعات سياسية انعكست على الوضع الصحى العام للبلاد».

الوضع الصحى العام يقول إن تونس سجّلت، فى الأسابيع الأخيرة، أكبر معدل إصابات بفيروس «كورونا المستجد» مقارنة بكل دول إفريقيا، وصارت واحدة من أعلى معدلات الوفيات اليومية فى العالم. وخلال إشرافه، أمس الأول الجمعة، على تلقى تونس ٥٠٠ ألف جرعة لقاح، أرسلتها فرنسا، أرجع الرئيس التونسى ما تعانيه بلاده إلى «استثمار البعض فى مآسى التونسيين لتحقيق غايات سياسية». مؤكدًا أن هناك «لوبيات تريد أن تتحكم، لكنها لن تتحكم فى إرادة الشعب الذى يطالب بأبسط حقوقه فى الصحة وهو حق من حقوق الإنسان»، وقال إن «من يعتقد أنه سيدخل فى أى تحالف ضد إرادة الشعب التونسى واهم، ويحتاج للتلقيح أيضًا».

الكوارث أو التجاوزات، التى وقعت، وما زالت تقع، كان هدفها ترتيب أوضاع تتيح لتلك الـ«لوبيات» الاستمرار فى السلطة، بحسب الرئيس التونسى، الذى شدّد على أن «من أجرموا فى حق الشعب التونسى سيتحملون مسئولياتهم كاملة أمام القانون». وفى السياق نفسه، طالب النائب منجى الرحوى بمصادرة أموال قيادات الإخوان، وعلى رأسهم راشد الغنوشى، مؤكدًا أن تضخم ثروات هؤلاء، تم على حساب مصلحة الشعب وحان وقت استردادها.

فى مثل هذا اليوم، منذ ٦٤ سنة، قرر المجلس القومى التأسيسى، باسم الشعب، إلغاء الملكية وإعلان قيام الجمهورية التونسية. وننتظر، أو نتمنى، أن يتمكن التونسيون، اليوم، من إعلان وفاة «جماعة الإخوان» المسئولة، بشكل أساسى، عن حالة الانهيار العام، التى يعيشها البلد الشقيق، سياسيًا واقتصاديًا وصحيًا واجتماعيًا وأخلاقيًا.