رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

الناقد المغربى عز الدين بوركة عن رحلة العنوان من الإشارة إلى الغموض والتشويش

عز الدين بوركة
عز الدين بوركة

عن أهمية ووظيفة العنوان في النص الإبداعي، ودورة المنوط به الإشارة إلى ما يحمله متن النص يقول الناقد المغربي عز الدين بوركة للدستور "يعدّ العنوان عتبة النص، أو مفتاحًا أوليا لفك شفرات النص.. شفرة سيميائية لابد منها بهذا المعنى للقيام بأول خطوة في تفكيك مركبات النص.. أو نافذة مفتوحة على بحر ما سيطالعه القارئ وما سيخوض غمار الإبحار والسفر فيه. بهذا المعنى إن العنوان عتبة موازية ومصغرة لعالم النص؛ وإنه كشف لمقاصد النص.

 

وقد اهتم الكتاب منذ منعطف التدوين بالعنوان الذي يدل على الكتاب، سواء على مستوى التزيين والخط أو الإثارة، لهذا استعان الكتاب العرب بألوان جذابة وخطوط متقنة وجمل سجعية لجذب انتباه القارئ وإحالته على موضوع الكتاب. ما يجعل العنوان يقوم على مجموعة من الأبعاد الدلالية والجمالية والذهنية وغيرها. وكما يذهب الفيلسوف الفرنسي جيرار جنيت فإن العنوان هو "مجموعة من العلامات اللسانية،و التي يمكن أن توضع على رأس النص لتحدده، وتدل على محتواه لإغراء الجمهور المقصود بقراءته.".

 

ويتابع بوركة "إذن ظل العنوان يتكئ بهذا المعنى على وظائف وصفية ودلالية وإيحائية، لكنه في الوقت عينه له وظيفة الجذب والإثارة.. فالغرض من العنوان استقطاب القراء وجعلهم يقرؤونه ويقتنونه، إن أخذنا بالجانب التسويقي والربحي من تأليف الكتب ونشرها. غير أن هذه الوظائف كلها تتحقق وتتأكد حينما نتحدث عن مؤلفات علمية ونقدية وبحثية وفلسفية... حيث يصعب جعل العنوان بعيدا دلاليا عن ما يرمي المتن الذهاب إليه وقوله، فالغرض -في هذه الحالة- من العنوان هو الإشارة عما سيقال بين ضفاف المؤلف.

 

يلفت بوركة إلى أن في العنونة المعاصرة يتم تغييب جل تلك الوظائف لصالح عنونة تعتمد على الغموض تارة أو اللعب تارة أخرى أو التشويش... مع الاعتماد –في الغالب- على عناوين فرعية قد يتم تغيبها من أوجه الأغلفة البرانية لإظهارها في الصفحات الدخلانية. أما على مستوى النص الإبداعي لم يعد المبدع ملزما من استخراج عناوين كتبه من المتن أو ما يحيل عليه من قيم أو عبر أو إشارات وغيرها... إذ يعتمد الكتاب على عناوين مثيرة تتكئ على مخاتلة القارئ بما تحمله من صور شعرية أحيانا.

 

ويختم " لم يعد في الكتب المعاصرة إذن العنوان مسندا إلى النص، وصلة وصل بينه وبين القارئ من حيث الإشارة والدلالة على ما سيأتي به المتن من أفكار.. لقد تم تغييب الرابط المنطقي بينهما لصالح جمالية الغموض والتشويش واللعب.. وهو عينه ما استندت إليه أعمال "الكلمة والشيء" الفنية وأعمال لغوية-سريالية بصرية، حيث يقع ذلك الارتباك بين الدال والمدلول، بين النص اللغوي والبصري، بين العنوان والمنجز. أو كما يقول الفنان رينيه ماغريت "ليست العناوين شروحا للواحات، وليست اللوحات صور توضيحية للعناوين".