رئيس مجلسي التحرير والإدارة
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
رئيس مجلسي التحرير والإدارة
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

مصر وإثيوبيا.. نظرة إلى التاريخ «1-2»


فشلت الجولة الجديدة من المفاوضات بين إثيوبيا ودولتى المصب «السودان ومصر».. فهل أقول إن الأمور وصلت إلى نقطة اللا عودة؟ بالقطع لا، فقد مرت على الدبلوماسية المصرية لحظات مشابهة خاصة فى معركة المفاوضات مع إسرائيل، لكن هذه المرة المفاوضات تدور حول شريان الحياة فى المنطقة «نهر النيل»، حيث إن الأمر يكاد يصل إلى مسألة حياة أو موت، فالنيل دائمًا فى الذاكرة الوطنية، ومنذ عصور الفراعنة وحتى الآن، خط أحمر.
ووجدتنى بالتداعى أعود إلى تاريخ علاقة مصر بحوض النيل، خاصة إثيوبيا أو الحبشة، وهو الاسم التاريخى والأكثر مصداقية. يحدثنا التاريخ عن بقعة حضارية فى شرق إفريقيا هى الحبشة، وعن مهد الحضارة وفجر الضمير فى شمال النيل وشمال شرق إفريقيا وهى مصر، ومنذ فجر الحضارة المصرية شغف المصرى القديم باكتشاف منابع النيل والسيطرة عليها، ودفعه ذلك أيضًا الى التحكم فى البحر الأحمر حتى يأمن شر الجنوب، من هنا كانت الرحلة الشهيرة المعروفة برحلة «بلاد بونت».
ولعبت مصر دورًا حضاريًا مهمًا فى دخول المسيحية إلى إفريقيا، وربما لا يعرف البعض الدور التاريخى للكنيسة القبطية فى دخول المسيحية إلى الحبشة، حتى أصبحت كنيسة إثيوبيا تابعة للكنيسة القبطية حتى الخمسينيات من القرن العشرين، وكان من المعتاد أن يُرسل بابا الإسكندرية القبطى مطرانًا قبطيًا ليرأس الكنيسة الإثيوبية هناك ويخضع له بالولاء الدينى كل الأحباش، كما اعتاد مسلمو الحبشة المجىء إلى الأزهر الشريف للتزود بالعلم، وكان فى الأزهر رواق يُعرَف برواق الجبرت، أى مسلمى شرق إفريقيا، ومنهم جاء جد مؤرخنا الكبير «عبدالرحمن الجبرتى».
لكن العلاقات السياسية بين مصر والحبشة لم تكن دائمًا على وفاق، بل أقرب فى الحقيقة إلى التنافس على قيادة المنطقة، خاصة منذ مطلع العصور الحديثة، حيث عملت دولة البرتغال بعد طرد المسلمين من الأندلس على قطع طرق التجارة الشرقية والقضاء على سيطرة القوى الإسلامية- وأهمها مصر- على هذه الطرق. من هنا كانت رحلة «فاسكو دى جاما» لاكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح والاتصال بمملكة القديس يوحنا «الحبشة»، وتطويق المياه الجنوبية- البحر الأحمر وبحر العرب- وخنق دولة سلاطين المماليك فى مصر، وكان ذلك بمثابة الإرهاصات الأولى لحركة الاستعمار الحديث.
وبالنسبة إلى مسألة تلاعب إثيوبيا بورقة المياه فى وجه مصر، ففى الحقيقة ليس ما يجرى الآن بجديد، إذ يحدثنا التاريخ عن محاولات قديمة ودائمة للعب بهذه الورقة، فنجد أمثلة على ذلك أثناء صراع دولة سلاطين المماليك مع الحبشة فى نهايات العصور الوسطى. كما كان من أهداف دخول محمد على إلى السودان الوصول إلى منابع النيل، وتأمين وصول المياه إلى مصر، وقد تحقق ذلك فى عهد حفيده الخديو إسماعيل، الذى نجح فى الوصول إلى منابع النيلين الأزرق والأبيض، ونجح فى تكوين «الإمبراطورية المصرية الفريقية»، حيث امتدت أملاك مصر حتى خط الاستواء، هذا فضلًا عن سواحل شرق إفريقيا، لا سيما المطِّل منها على البحر الأحمر. وكان هدف الخديو إسماعيل من ذلك تأمين منابع النيل، وفى الوقت نفسه تأمين قناة السويس حتى لا يتحكم فيها من يسيطر على المنفذ الجنوبى للبحر الأحمر «باب المندب». لذلك اصطدمت الجيوش المصرية والحبشية فى عصر إسماعيل فى معارك كبرى، وفى الحقيقة تدخل الاستعمار لتغذية الصراع المصرى الإثيوبى، لتكون معركة تكسير عظام للدولتين، ليسهل على الاستعمار الأوروبى بعد ذلك السيطرة على المنطقة كلها.