رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

نوال السعداوى.. المرأة التى هزت عرش المسكوت عنه

نوال السعداوي
نوال السعداوي

خاضت الأديبة والمفكرة الكبيرة "نوال السعداوي"، التي رحلت عن عالمنا اليوم الأحد، العديد من المعارك في كتاباتها من أجل انتزاع وترسيخ حقوق المراة ومساواتها العادلة بالرجل، وكفاحها في مجابهة جسور، مقتحمة أعداء المرأة من الظلاميين والمتشددين دينيًا والرجعيين من السلفيين في نظرتهم المتدنية للنساء وفرضهم القيود والتحريمات والوصايا والفتاوى الشاذة التى تضعهن في مكانة منحطة.

"نوال السعداوي:، ولدت في 27 أكتوبر عام 1931 لعائلة تقليدية ومحافظة بقرية كفر طحلة إحدى قرى مركز بنها التابع لمحافظة القليوبية، كانت الطفلة الثانية من بين تسعة أطفال، ختنت في السادسة من عمرها، وأصر والدها على تعليم جميع أولاده، وكان من الذين ثاروا ضد الاحتلال البريطاني لمصر والسودان كما شارك في ثورة 1919، وكعقاب له تم نقله لقرية صغيرة في الدلتا وحرمانه من الترقية لمدة 10 سنوات، واستمدت نوال منه احترام الذات ووجوب التعبير عن الرأي بحرية وبدون قيود مهما كانت النتائج، كما شجعها على دراسة اللغات.

وتخرجت نوال في كلية الطب جامعة القاهرة في ديسمبر عام 1955 وحصلت على بكالوريوس الطب والجراحة وتخصصت في مجال الأمراض الصدرية وعملت كطبيبة امتياز بقصر العيني، تزوجت في نفس العام من أحمد حلمي زميل دراستها في الكلية، ولم يستمر الزواج لفترة طويلة فانتهى بعدها بعامين، وعندما سئلت عنه في إحدى حواراتها قالت: "زوجي الأول كان عظيمًا، زميلي في كلية الطب، كان رائعًا، والد ابنتي، لم يرد والدي مني أن أتزوجه لأنه غادر إلى السويس لمحاربة البريطانيين، لكن بعد ذلك تم خيانة المقاتلين، والكثير منهم تم حبسه، هذه الأزمة كسرته وأصبح مدمنًا، وأخبرت أنني لو تزوجته، قد يوقف إدمانه، لكنه لم يفعل. حاول قتلي، لذا تركته، وتزوجت مرة ثانية من رجل قانون ولم يستمر هذا الزواج أيضا".

خلال عملها كطبيبة لاحظت المشاكل النفسية والجسدية للمرأة الناتجة على الممارسة القمعية للمجتمع والقمع الأسري، ففي أثناء عملها كطبيبة في مكان ميلادها بكفر طحلة، لاحظت الصعوبات والتمييز الذي تواجهه المرأة الريفية، وكنتيجة لمحاولتها للدفاع عن إحدى مرضاها من التعرض للعنف الأسري، تم نقلها مرة أخرى إلى القاهرة، لتصبح في نهاية المطاف المدير المسئول عن الصحة العامة في وزارة الصحة، في ذلك الوقت قابلت زوجها الثالث الطبيب والروائي الماركسي شريف حتاتة الذي كان يشاركها العمل في الوزارة، واعتقل لمدة 13 عاما في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتزوجا في عام 1964 ولهما ولد وبنت، ولكن انتهى الزواج بطلاق بعد 43 عاما معا.

وقالت عنه: "الزوج الثالث هو شريف حتاته، والد ابني، كان رجلا حرًا جدًا، ماركسي تم سجنه، عشت معه 43 عامًا، وأخبرت الجميع: هذا هو الرجل "النسوي" الوحيد على وجه الأرض، ثم بعد ذلك اضطررت للطلاق أيضًا، كان كاذبًا، كان على علاقة بامرأة أخرى، تعقيد الشخصية ذات الطابع الأبوي، ألف كتبًا عن المساواة بين الجنسين ثم خان زوجته، أنا متأكدة أن 95% من الرجال هكذا".

وفي عام 1972 نشرت كتابا بعنوان "المرأة والجنس"، مواجهة بذلك جميع أنواع العنف التي تتعرض لها المرأة كالختان والطقوس الوحشية التي تقام في المجتمع الريفي للتأكد من عذرية الفتاة، وأصبح ذلك الكتاب النص التأسيسي للموجة النسوية الثانية، وكنتيجة لتأثير الكتاب الكبير على الأنشطة السياسية أقيلت نوال من مركزها في وزارة الصحة، لم يكتف الأمر على ذلك فقط فكلفها ذلك أيضا بمركزها كرئيس تحرير مجلة الصحة، وكأمين مساعد في نقابة الأطباء، ومن عام 1973 إلى عام 1976 اهتمت نوال بدراسة شئون المرأة ومرض العصاب في كلية الطب بجامعة عين شمس، ومن عام 1979 إلى 1980 عملت كمستشارة للأمم المتحدة في برنامج المرأة في إفريقيا والشرق الأوسط.

واشتهرت نوال السعداوي بإثارتها الجدل وانتقادها للحكومة المصرية، ففي عام 1981 ساهمت نوال في تأسيس مجلة نسوية تسمى المواجهة، وحكم عليها بالسجن 6 سبتمبر 1981 في عهد الرئيس محمد أنور السادات، أطلق سراحها في نفس العام بعد شهر واحد من اغتيال الرئيس.

سجنت نوال في سجن النساء بالقناطر، وعند خروجها قامت بكتابة كتابها الشهير "مذكرات في سجن النساء" عام 1983، ولم تكن تلك هي التجربة الوحيدة لها مع السجن، فقبل ذلك بتسع أعوام كانت متصلة مع سجينة واتخذتها كملهمة لروايتها "امرأة عند نقطة الصفر" عام 1975، كما رفضت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة في مصر في 12 مايو 2008، إسقاط الجنسية المصرية عن المفكرة المصرية نوال السعداوي، في دعوي رفعها ضدها أحد المحامين بسبب آرائها.

ونتيجة لآرائها ومؤلفاتها تم رفع العديد من القضايا ضدها من قبل الإسلاميين مثل قضية الحسبة للتفريق بينها وبين زوجها، وتم توجيه تهمة "ازدراء الأديان" لها، كما وضع اسمها على ما وصفت بـ"قائمة الموت للجماعات الإسلامية" وتم تهديدها بالقتل، وفي عام 1988 سافرت خارج مصر، قبلت عرض التدريس في جامعة ديوك وقسم اللغات الإفريقية في شمال كارولينا وأيضا جامعة واشنطن.

واختيرت السعداوي ضمن أكثر النساء تأثيرًا في العالم العربي خلال 100 عام، من جانب مجلة "تايم" الأمريكية، بسبب نضالها كناشطة نسوية من أجل تعزيز مكانة المرأة، خصوصا بعد اجتيازها تجربة السجن، الذي وصفته بأنه كان بمثابة "ميلاد جديد لها"، ولم تشأ "السعداوي" أن تقتصر معاركها مع السلطة السياسية، وإنما واصلت في مقالاتها التي انتظمت في صحيفة الأهرام، معركتها مع العقل الذي يستغل الدين لتبرير الاستبداد وتعزيز الجهل، وهي المعركة التي جعلتها هدفًا لحملات استهداف معنوي، وتشيع من وقت لآخر أخبار عن وفاتها، وتُروج لها على مواقع التواصل الاجتماعي.

عاصرت "السعداوي"، التحولات الاجتماعية العميقة التي أجرتها ثورة يوليو، ومؤشرات انحيازها للفقراء، وهذا الانحياز لم يمنع ابنة الطبقة الوسطى المصرية، من تبني قضايا مجتمعية كسرت الطابع البرجوازي التقليدي في تناول قضية المرأة، وجاءت شهرتها الحقيقية من احترافها الكتابة مع نشر كتابها "مذكرات طبيبة" 1960، الذي تضمن مشاهداتها، وكان أقرب ما يكون ليوميات كاشفة عن بؤس الوضع الصحي لفقراء المصريين، وتضمن كذلك ما يمكن أن تهمس به الفقيرات لطبيبة تولت علاجهن في المراكز الطبيبة الريفية.

وأكدت السعداوي خطابها بوضوح في كتابها "المرأة والجنس"، الذي صدر في عام 1969، وعرف انتشارًا واسعًا في قطاعات شبابية كثيرة، ساوت بينه وبين كتابات سيمون دي بوفوار في المجتمعات الغربية.

وبلورت السعداوي خطًا مميزًا لها في الحركة النسائية المصرية، عبر ربطها بين خطاب تحرر المرأة ومعركة التحرر الاجتماعي والاقتصادي، وبدأت تعي أهمية استعمال الأدب وسيطا لنقل خطابها الثوري، وتُرجمت مؤلفاتها إلى لغات عالمية عديدة، بينما تم استقبالها دائمًا في العالم العربي ضمن السياق الإصلاحي، كخطابات للتغير الاجتماعي أكثر من كونها نصوصا أدبية خالصة.

وتوالت أعمالها خلال تلك السنوات ومنها: "الأنثى هي الأصل" 1971، و"الوجه العاري للمرأة العربية" 1974، و"المرأة والصراع النفسي" 1975، و"امرأة عند نقطة الصفر" 1973، وراوية "الحب في زمن النفط"، وإلى الآن تتصدر أعمالها قائمة الكتب الأكثر مبيعًا في العديد من الدول العربية.

واستمرت "السعداوي"، في مواجهة مع نمطين من التفكير؛ الأول تبنته بعض الأصوات داخل الجماعة الثقافية، والتي اعتبرت خطابها الأدبي والاجتماعي أقرب إلى النزعة الاستشراقية التي تلبي احتياجات الغرب، أما النمط الثاني؛ فتركز في الجماعات الأصولية وثيقة الصلة بالخطاب المتأسلم، التي رأى أن كتبها تنطوي على إساءة بالغة وازدراء متعمد للأديان، لذلك تدعم دوما المطالبات بمصادرتها.

وأكدت "السعداوي" على مشروعها الفكري، وأن الثقافة العربية ليست وحدها الثقافة التي حولت المرأة إلى سلعة، وأن اضطهاد المرأة لا يرجع إلى الأديان، وإنما إلى النظم الاجتماعية في المجتمع البشري.

ولفتت إلى أن هناك كتابات كثيرة في التراث العربي والإسلامي تشير إلى نقاطا إيجابية لصالح المرأة يجب البحث عنها وإظهارها، مع العلم بأن النساء هن من يقمن بتحرير أنفسهن، وهذا لن يتم إلا بقوة التنظيم.

وفي كتابها "المناطق المحرمة بالخوف والإثم"، الذي يضم مجموعة مقالات تتناول فيه العديد من قضايا وهموم الشأن العام، وخاصة وضع المرأة المصرية فيها، وملامح من تجربتها الشخصية في الحياة، منها على سبيل المثال حكاية أستاذة الاقتصاد بالجامعة، والتي طالما اتهمت السعداوي بالجهل، لخوظها الكتابة عن قضايا المرأة مؤكدة لها أن الاقتصاد هو محرك التاريخ.

وشددت "السعداوي" علي أن تلك الدكتورة لم تكن تسمع لها أبدا وفي نهاية السبعينيات أصبح زوجهاــ أستاذة الاقتصاد ــ أستاذا للشريعة ضمن نجوم العلم والإيمان، وبدأت تربط بين الشريعة والاقتصاد وبنك الإيمان وبركة الانفتاح.

وتصفها السعداوي: "بدأت عيناها المكحلتان تطلان من الثقبين في النقاب، واختفي وجهها وجسمها وراء قماش أسود سميك لا يشف ولا يرف، لكن ظل لسانها سليطا يقذف كل من يتكلم عن تغيير قانون الزواج والطلاق والنسب، الذي يكيل بمكيالين، يمنح الرجل السلطة المطلقة ثم يعفيه من أية مسئولية أخلاقية تجاه زوجته وأطفاله».

وتذهب "السعداوي" إلي أن مصر أصبحت في مؤخرة الدول فيما يخص الفساد وأعلي معدلات الطلاق، وتشير إلى مطالبة السيسي بتوثيق الطلاق بمكتب المأذون، لكن أستاذة الاقتصاد تري أن الطلاق المنطوق باللفظ منصوص عليه شرعا.

وتمضي "السعداوي" مؤكدة على أن تصريحات أستاذة الاقتصاد أغضبت الكثيرات من النساء والرجال الذين لا يرغبون في تطليق زوجاتهم شفهيا أو ممارسة تعدد الزوجات، علي أن المفارقة تكمن في تحول هذه السيدة من موقفها على النقيض عندما طلقها زوجها.

كما تكشف السعداوي في كتابها، عن علاقتها بالشعراوي مؤكدة أنه قاد، خلال الثمانينيات، حملة ضارية ضد المفكرين وحرية الرأي والإبداع: "أذاع أنه يعمل لحساب الله، ومن يختلف معه يعمل لحساب الشيطان، أصبحت ضمن الكفرة، لمجرد نقدي لمقولته الذين يستمعون لموسيقى بيتهوفن قبل النوم وليس للقرآن لا يدخلون الجنة"، ونقدي لفكرته عن "ختان البنات وحجاب المرأة فريضة إسلامية لحماية الأخلاق"، كشفت عن خطأ هذه الفكرة طبيا واجتماعيا وأخلاقيا.

وذهبت "السعداوي" إلى أن الدكتور طه حسين لم يحمل لقب فيلسوف، إلا أنه كان بالنسبة إليها أفضل من زكي نجيب محمود الذي كان فيلسوفا، بل ربما الفيلسوف الوحيد في بلادنا، والذي لم تؤمن بفلسفته المثالية وحديثه عن أن الفيلسوف مفكر محايد لا يزج بنفسه في الحياة والسياسة، وكان ذلك تبريرا منه لعدم التعرض للنظام الحاكم المستبد.

ودائما ما كانت تصريحات نوال مثيرة للجدل، ففي تصريحات سابقة لها قالت: "إن جذر اضطهاد المرأة يرجع إلى النظام الرأسمالي الحديث والذي تدعمه المؤسسات الدينية"، كما رأت أن نظام الميراث الإسلامي ظلم كبير للمرأة وطالبت بمساواة ميراث الرجل والمرأة، وصرحت بعد حادثة تدافع للحجاج في عام 2015 أثناء أداء فريضة الحج، والذي أدى إلى مقتل المئات في حوار مع الجارديان: "تحدثوا عن طريقة تنظيم الحج، حول جعل الناس يسافرون في مجموعات أقل، ما لا يقولونه هو أن التدافع حدث لأن الناس تقاتلوا على رجم الشيطان، ثم أضافت: لماذا يحتاجون إلى رجم الشيطان؟ لماذا يحتاجون إلى تقبيل الحجر الأسود؟ لكن لا يقول أحد ذلك، لن تنشر وسائل الإعلام ذلك، لم كل هذا التردد في انتقاد الدين؟ ربما هو الخوف من أن يكونوا عنصريين".

ومن أشهر تصريحات الراحلة: "الدين هو تجسيد للعنصرية، كل الآلهة غيورين، يقتل الناس لأنهم لا يصلّون إلى الإله الصحيح، وتقبيل الحجر الأسود والطواف حول الكعبة أفعال وثنية، تهمة "ازدراء الأديان" مزيَّفة ومسيَّسة وسبوبة لهواة الشهرة، كتبت إلى الله وعمري 7 سنوات، كل نظام سياسي يفسر الدين كما يشاء".

بدأت بمحاربة هذه العادة منذ شبابها، وعلقت في عام 2007 على وفاة الطفلة صاحبة الاثني عشر ربيعا بدور شاكر أثناء هذه العملية قائلة: «بدور، هل كان يجب عليك الموت لتنيري هذه العقول المظلمة؟ هل كان يجب عليك دفع هذا الثمن بحياتك؟ يجب على الأطباء ورجال الدين أن يعلموا أن الدين الصحيح لا يأمر بقطع الأعضاء التناسلية. كطبيبة وناشطة في مجال حقوق الإنسان أرفض تماما هذه العملية كما أرفض ختان الذكور. وأؤمن بأن الأطفال جميعا ذكورا وإناث يجب حمياتهم من هذا النوع من العمليات"، أما عن الحجاب رأت نوال أن الحجاب والنقاب من صور العبودية وضد الأخلاق والأمن، وأن الحجاب لا يعبر عن الأخلاق، واستنكرت لماذا تتحجب المرأة ولا يتحجب الرجل؟ بالرغم من وجود شهوة لكل منهما؟
وفيما يخص تعدد الزوجات أعلنت أنها ترفض فكرة تعدد الزوجات قائلة: "إن تعدد الزوجات يخلق الكره بين الأطفال والزوجات كما يزيد من الحوادث، وأن تعدد الزوجات كذب وليس بالقرآن وبلاد عربية مثل تونس منعته"، وعن المثلية لا ترى نوال المثلية الجنسية كشيء محرم، فصرحت قائلة: "الجنس عادة وتعود والمثلية لها أسبابها جزء منها وراثي بجانب التربية والخوف، والأمر يتطلب تحليله وإرجاعه لأسبابه الاجتماعية والبيولوجية وليس وضعهم في السجون، لأن هذا ليس الحل، ولازم يكون فيه حرية، فالمجتمع والدين لا دخل لهما بالجنس"، مستطردة: "لم نتربى على حرية الجنس، والعلاقات الجنسية شخصية".