رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الأربعاء 03 مارس 2021 الموافق 19 رجب 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

ربيعة جلطي: الكتابة العربية في مجملها خارجية تغتال الـ«أنا» لصالح الجماعة

الثلاثاء 19/يناير/2021 - 01:12 م
ربيعة جلطي
ربيعة جلطي
نضال ممدوح
طباعة
قبل أيام صدرت روايتها الأحدث "جلجامش والراقصة" والتي سبقتها أكثر من عشرة أعمال روائية٬ بالإضافة إلى تسعة مجموعات شعرية٬ بجانب عملها الأكاديمي أستاذا للأدب المعاصر بجامعة وهران بالعاصمة الجزائرية. تم تكريمها من قبل المنظمة العالمية للإبداع من أجل السلام بلندن، وذلك في احتفالية تكريم كبار المبدعين.

إنها الكاتبة والمترجمة والشاعرة الجزائرية "ربيعة جلطي" في لقاء مع الــ"الدستور" حول مسيرتها الإبداعية والمشهد الثقافي العربي وغيرها من القضايا.

ــ تدرّسين في جامعة الجزائر العاصمة٬ ولك أكثر من تسع مجموعات شعرية٬ وأكثر من عشر روايات. أيهما الأقرب إلى قلبك ولماذا؟

كل عنصر يكمل الآخر. لا يتنافى عملي الأكاديمي في الجامعة من تدريس لطلبة الدكتوراه والماستر مع كتابة الشعر وكتابة الرواية والترجمة القراءة المتواصلة باللغات العربية والفرنسية والاسبانية. إنها جميعها ومعا من المكونات الأساسية لهيكل الحياة بالنسبة لي منذ زمن بعيد.

ــ بماذا تفسرين توجّه الشعراء لكتابة الرواية ؟

لعلنا حدنا من بين الحضارات الأدبية الإنسانية، نضع بين الأجناس الأدبية أسلاكا مكهربة، تمنع العبور بسلام بين قارات الأدب، تشبه تلك الحدود الجمركية الموجودة بين بلداننا. في الثّقافات الأخرى يكتب الأديب رواية أوشعرا أومسرحية أو سيناريو أو لوحة تشكيلية أو قطعة موسيقية، فالحكم له أو عليه بمدى إبداعية ما قدمه.

كل التجارب الإبداعية الكبيرة في العالم من علاماتها البارزة أنها كتبت الشعر إلى جانب الرواية والقصة إضافة إلى فنون أخرى جيش من الشعراء في العالم يكتبون الرواية بل تكاد لا تعثر على روائي كبير شهير لم يكتب الشعر من "شكسبير" إلى "والتر سكوت" و"فيكتور هيجو" و"إدجار آلان بو" وخورخي لويس بورخيس وألفريد دو موسيه وأراجون وغيرهم. كلما أراد الكاتب العربي المعاصر أن يحلق في سماءات إبداعية مختلفة، يتعلق البعض بأجنحته. يريدون تسميرها بالأرض بحجة أن ذلك عيب أو "لا يجوز". ألم تكن تجربة الكبير نجيب محفوظ مبهرة، وهو المبدع في القص والرواية وكتابة السيناريو؟. لا أحبذ الرؤية التشطيرية التقسيمية في الفنون الإنسانية. فليس للمبدع سوى حريته، فليُترك ما يكتبه ويبدعه للتاريخ.

ـ إلى أي مدى تأثرت الرواية بالعشرية السوداء٬ وكيف أثرت عليك تحديدا وعلى إبداعك ؟

كانت فترة قاسية على الشعب الجزائري برمته. على المستوى الشخصي مررت رفقة رفيق حياتي الروائي الكبير المفكر أمين الزاوي بمرحلة عسيرة من المطاردة وعدم الاستقرار والهجرة، وعلى الرغم من محاولات الاغتيال الثلاث، إلا أن الله حمانا. سافرت مع أسرتي الصغيرة إلى النورماندي بدعوة من "البرلمان العالمي للكتاب" الذي وفر لنا الفضاء الثقافي المطلوب. كنت أعود لأؤدي واجبي كأستاذة في الجامعة، أتنقل بسيارتي بينما الخطر تحوم أشباحه في كل الجهات. كنت أعيش أغلب أوقاتي بين الطائرات والقطارات أقرأ كثيرا وأكتب. نشرت كتابين في هذه الفترة ".. وحديث في السرّ !" الذي ترجمه إلى الفرنسية الكاتب الكبير عبد اللطيف اللعبي و"من التي في المرآة !؟" ترجمه الروائي الشهير رشيد بوجدرة إلى اللغة الفرنسية والأديبة خانين آلكاراث إلى اللغة الإسبانية. وفي هذه الفترة فقدت والدي الحبيب وظل الجرح بليغا. كتبت مذكرات لم أنشرها بعد.

ـ في أكثر من عمل روائي لك تنتقدين السيطرة الذكورية في المجتمعات العربية٬ ما تفسيرك ؟

عندما أنسج عالمي الروائي لا أكتب سيرة ذاتية. أقتطع خزعة من جسد الإنسانية الكبير وأضعها تحت المجهر لأرى. في رواياتي أدوار البطولة لـ"الإنسان" من إناث وذكور. وإذا بدا أحيانا أن أدوار النساء متعددة فليس من باب النسوية فقط بل لأن الفكر الذكوري ليس خاصا بالذكور وحدهم فللمرأة دور مهم في إعادة إنتاجه، أليست هي صاحبة اليد الأولى لتحريك عجينة الولد رجل المستقبل، أليست هي من قد تلقنه كيف يحترم أخته وزميلته في المدرسة، ثم زميلاته في العمل وزوجته والنساء جميعا. لهذا فمن النقاد من لا يرى مؤلفاتي بل إنسانية وذلك في ندوة بالمعرض الدولي للكتاب إذ اتفقوا على أنه "لا يمكن حشر روايات ربيعة جلطي في خانة الأدب النسوي". الرجل والمرأة ليسا عدوين، العدو الحقيقي لهما معا هو التخلف. ووظيفة الأدب تحليل الحالة، وفق كتابة إبداعية شرطها المتعة الأدبية.

ـ روايتك الأحدث "جلجامش والراقصة" هل يمكن أن تحدثينا قليلا عنها ؟

في مراحل مختلفة من حياتي قرأت عدة مرات ملحمة جلجامش، وكل مرة أشعر بخيط خفي يشدني إلى هذه الشخصية. قرأت أغلب ما كتب عنها من بحوث ودراسات وتحاليل من علماء الآثار والمترجمين للملحمة والدارسين لها القليل بالعربية وبالفرنسية وماترجم إليها وبالإسبانية أيضا.

رواية "جلجامش الراقصة" تقلب منطق الملحمة رأسا على عقب فيختلف مصير جلجامش بحيث أنه لا يضيّع عشبة الخلود بل يجوب الأرض ثم يصل إلى القرن الواحد والعشرين وإلى مدينة عشقانة بالمغرب الكبير لتتوالى أحداث حياته مثل نهر هادر من سياسية واجتماعية وعسكرية وعاطفية.. وسأترك للقراء متعة اكتشاف أحداثها.

ـ في روايتك "عرش معشّق" تناولت فكرة التعايش المشترك بين الأديان في المجتمع الواحد الذي بدأ ينحو إلى التطرف، هل ترين أن هذا في الإمكان تحقيقه في ضوء ما تعيشه المنطقة من إرهاب وعنف ؟

تظل الموضوعات التي تؤرق الإنسانية وتورث الظلم والاستبداد والغطرسة بكل أشكالها، الجنسية منها والعرقية والدينية وتطاول الإنسان على بقية الكائنات وقوانين الطبيعة، هي نفسها الموضوعات التي تؤرقني وتحرك رغبتي في الكتابة. وإن فكرة التعايش الديني من انشغالاتي الفكرية والوجدانية منذ زمن طويل في عالم أضحى أضيق من خرم إبرة. رواية "عرش معشق" صدرت 2013 بعد صدورها بفترة قصيرة أهتز الشرق العربي بتفجيرات للكنائس. ليست "عرش معشق" وحدها التي تطرقت فيها إلى التعايش بين الأديان بل أيضا روايتي "حنين بالنعناع" و"قلب الملاك الآلي" والكثير من مؤلفاتي الأخرى. إنه هاجس مركزي. فكرة العيش المشترك نفسها حتمية إنسانية. إن في غياب العدالة الاجتماعية والاعتراف بالآخر وبمعتقده وثقافته المختلفة ولغته المحلية، ينتج الغضب الذي للأسف قد توظفه قوى ظلامية متطرفة لتحقيق مآربها السياسية والأيديولوجية القروسطية.

ـ جمعك الزواج بالكاتب أمين الزاوي٬ حدثينا عن قصة حبكما وإقترانكما٬ وهل تواجهين مصاعب في الحياة معه خاصة وإن زواج مبدعين تتداخل فيه مزاجيتهم خاصة خلال مخاض الكتابة.

أمين وأنا التقينا ونحن صغار وكبرنا معا ونما معنا الحب والشغف والاحترام والصدق. نحن نختلف في أشياء كثيرة ونصبو دوما للتناغم الإنساني والتكامل الجميل. جئت من عالم مديني، وأمين من مجتمع قروي بديع، وكان لكل واحد منا حديقته التي يعتني بها. عندما اقتربنا وأصبحت حديقة أمين أمامي صرتُ أعتني بها قليلا وبحديقتي كثيرا، ومع الوقت أصبحتُ أعتني بحديقته كثيرا وبحديقتي قليلا، لأن أمين أصلا كان يعتني بحديقتي أكثر. هذه هي الحالة التي نعيشها الآن بكل زخم شاعريتها العالية.. بيننا أطفال، ابنتنا الفنانة  لينا دوران، وولدانا إلياس وهزار الباحثان في الذكاء الاصطناعي، وبيننا كتب لم تعد تكفيها الرفوف، امتلأ بها بيتنا سواء في الجزائر أو في مدينة كان الفرنسية. الكتب غزت غرف النوم والصالون والحمام والمطبخ والممرات والمدخل والأرضية فلا تعلم هل هو بيتمكتبة أو مكتبةبيت. وبيننا أسفار وحكايات وأصدقاء وأفراح وأحزان وتحديات.

ــ كيف ترين انتشار الجوائز الأدبية وهل تعد دافع للكاتب٬ أم أنها خلقت "موضات" كتابية حسب شروط هذه الجوائز؟

إنها فكرة حضارية، ما في ذلك شك، تستحق التزكية من المهتمين بشؤون الأدب، حتى وإن قدموا لها انتقادات وتصويبات تدخل في منطق تعميق وجودها، وليس نسفه.
خاصة وهي حديثة وليست بتاريخية الجوائز العالمية التي انبثقت من مناخ الصالونات الأدبية الباريسية في القرن الثامن عشر، ومن ابتكار مجتمع ثقافي أدبي وفني حيوي، بدأ فيه الأدب يزحف نحو السوق كقوة اقتصادية أساسية في الرأسمالية الجديدة، مثل جونكور، ونوبل، وفيمينا، وإنتراليي، ورونودو، وميديسيس، وبوكر، والبوريال العالمية لدول الشمال التي كنت ضمن لجنة التحكيم بإحدى دوراتها بباريس، وغيرها.. أعتقد أن الجوائز العربية تظل حالة صحية ووسيلة مهمة لإنعاش الساحة الأدبية العربية وتثبت فاعليتها إن هي تجاوزت فكرة "الهبة المالية" إلى الرهان على إبداعية النص وبراعة صاحبه في الاستمرارية والتطور.

ــ في رأيك لماذا لم نشهد سيرة ذاتية عربية كــ"الخبز الحافي" وهل القيود المجتمعية تخلق داخل المبدع رقيبا داخليا ؟

- عموما الكاتب يتوارى باسم الأخلاق والأسرة والفضيحة والقبيلة والدين والأب المهيمن.. الكتابة العربية في مجملها خارجية، تغتال الأنا لصالح الجماعة، أعتقد أن غياب كتاب السيرة الذاتية يظهر ما للرقابة "الأخلاقية" من سطوة. وقد سبق أن تناولت هذا الموضوع في محاضرة ألقيتها في أحد الملتقيات الأدبية أثارت نقاشا عميقا.
نحن لا نملك ثقافة الاعتراف التي  تنتمي إلى أنساق الثقافة المسيحية، فمنذ أن تراجع الصوت المسيحي في الثقافة العربية تراجع صوت الذات التي كانت مركزا في الأدب العربي، مع الربع الأول من القرن الماضي مع جبران وميخائيل نعيمة ومي زيادة وسعيد عقل وإيليا أبو ماضي وإميل حبيبي وغيرهم، لكن وبعد بطغيان صوت طه حسين والعقاد والرافعي وأحمد أمين {على محبتي لهم وأهمية كتاباتهم} إلا أنهم أخرجوا الكتابة من الذاتي إلى الأخلاقي. السيرة الذاتية مرآة الكاتب، يستعرض فيها نفسه مجردا من الادعاء والطهرانية والبطولة الخارقة، وهذا ما ميز رواية "الخبز الحافي" للمبدع المغربي محمد شكري التي لم تصدر بالعربية إلا بعد سنوات من صدورها بالفرنسية والانجليزية.

ــ هل فكرت في خوض تجربة القصة القصيرة خاصة وأنها الأقرب للنفس الشعري ؟

جئت الكتابة مبكرة جدا على فرس من حكاية يتم، مأخوذة بفن القص بما قرأته وسمعته ورأيته وعشته، ثم اكتشفت بمكتبة والدي المنزلية ألف ليلة وكليلة ودمنة وكتب الجاحظ ويوسف إدريس ثم الآداب العالمية الزاخرة بالحياة من جي دو موباسون إلى جارسيا ماركيز إلى الآداب الصينية والآسيوية، منذئذ وأنا أشعر أنني مسكونة بالحكاية. لم أستغرب حين كتب بأنني حتى وأنا أكتب قصيدة فإنني عبرها أحكي حكاية، بلغة خاصة وبموسيقى وإيقاع. كتاباي " بحار ليست تنام و" سيرة شغف" قصص قصيرة تحمل جينات الحياة الحية لشخصيات حقيقية تخترق الواقع الرمادي ليصبحوا نجوما تضيء الإنسانية.

ــ هل الوسائط الحديثة سحبت البساط من الكتاب الورقي ؟

أنا مع الشاعر مالارميه حين قال: وُجد الكون لكي يصبح كتابا، وأضيف: لا يهم شكل الكتاب ولا طبيعته. ورقيّ؟ مسموع؟ مقروء في وسائط محدثة؟.. هي الحياة تتغير، ولن تنتظر من يتخلف عن الركب. أديب لا يتقن لغة التكنولوجيا قد تزداد غربته. الكتاب الإلكتروني جزء من ثقافة العصر، بعد أن تجاوز حاملُ الكتابة الشفهيةَ وتجاوزت الطباعةَ الرقمنةُ !.