رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الإثنين 13 يوليه 2020 الموافق 22 ذو القعدة 1441
جمال طه
جمال طه

ليبيا.. تقدير موقف لما قبل المعركة الحاسمة

الخميس 28/مايو/2020 - 04:53 م
طباعة
تركيا تدخلت مباشرة فى معركة طرابلس، فقلبت توازنات القوى لصالح ميليشيات السراج.. اجتاحت مدن الساحل الغربى، دخلت قاعدة «الوطية» الاستراتيجية الجوية، حاصرت ترهونة، آخر مدن طوق طرابلس التى لا تزال صامدة أمام الهجمات المتكررة، وتمكنت من تدمير ٦ منظومات دفاع جوى روسية «بانتسير» تابعة للجيش الوطنى خلال الـ٧٢ ساعة التى أعقبت سقوط «الوطية»، وبدأ الحديث داخل معسكر السراج عن الاستعداد لاجتياح جميع الأراضى الليبية.. هذه التطورات تمثل إخلالًا بكل التوازنات الإقليمية والدولية التى تحكم مسار الأزمة الليبية، على رأسها مواقف القوى المؤيدة للجيش الوطنى، والرافضة الاحتلال التركى، لأنه سيحول ليبيا إلى مركز لاستعادة حيوية تنظيم الإخوان، وقاعدة لانطلاق خلايا وجماعات الإرهاب الدولى، لتهدد دول الجوار بشمال إفريقيا، وتتسلل عبر المتوسط إلى جنوب أوروبا.

روسيا تعتبر من أهم الأطراف الدولية الداعمة للجيش الوطنى.. رغم أن التقارير تشير إلى أن شركة «فاجنر» للأمن قللت مشاركتها المباشرة فى الحرب الليبية منذ مطلع ٢٠٢٠، نتيجة للتفاهمات التى توصل إليها الرئيسان بوتين وأردوغان، وبدأت فى دفع مقاتلين، بعضهم سوريون، يتم تجنيدهم كمدنيين لحساب إحدى شركاتها العاملة فى سوريا من الباطن، وذلك بدعوى حماية المنشآت الأمنية، وحراسة حقول النفط مقابل ألف دولار شهريًا للفرد.. التقرير السرى الذى تم إعداده للجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة مايو الجارى، قدر عدد عناصر «فاجنر» المنتشرين فى ليبيا بـ٨٠٠ إلى ١٢٠٠ فرد.. الوجود الروسى فى ليبيا موضع اهتمام ومصدر إزعاج للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسى «ناتو».
موقف أمريكا من الأزمة الليبية يتسم بالتردد، فقد ظلت تؤيد السراج بحكم اختياره رئيسًا لحكومة الوفاق بمعرفة الأمم المتحدة، لكنها انقلبت عليه عندما تأكدت من تعاونه مع التنظيمات الإرهابية «القاعدة، داعش، ومجلس شورى ثوار بنغازى..»، الأمر الذى يفسر اتصال ترامب بحفتر عقب بدء هجوم طرابلس ٤ أبريل ٢٠١٩، ليبحث دوره فى مستقبل ليبيا والحرب على الإرهاب، لكن حفتر لم يتمكن من استغلال الفرصة، نتيجة عدم امتلاك الجيش الوطنى التشكيلات العسكرية الكافية لحسم المعركة، خاصة بعد أن تورط فى معارك جانبية، معظمها ضد مصراتة، ما أتاح لأمريكا فرصة التراجع عن تأييده، نتيجة القلق من تطور تعاونه مع روسيا من خلال شركة «فاجنر».. فتحى باشاغا وزير داخلية السراج حاول إغراء واشنطن، بعرض إقامة قاعدة عسكرية فى ليبيا، لمواجهة النفوذ الروسى، لكنها لم تتجاوب، لأنها كانت تخطط لإنهاء وجودها العسكرى فى إفريقيا، غير أن الكونجرس رفض، استنادًا إلى أن روسيا والصين تستثمران فى القارة لتعزيز نفوذهما.. الموقف الأمريكى من الأزمة الليبية يتسم بالحيرة، فعندما تميل إلى الجيش لقيادته الحرب ضد الإرهاب، وتأمينه لمراكز إنتاج وتصدير النفط، تضطر للتراجع نتيجة تعاونه مع روسيا.. وعندما تنحاز للميليشيات، تنفر من تعاونها مع التنظيمات الإرهابية.. والنتيجة تقزيم دور واشنطن فى الأزمة، بما لا يناسب وضعها كقوة عظمى.
موقف حلف «ناتو» من الأزمة يحكمه تاريخ من الإخفاق، ناتج عن تورطه عام ٢٠١١ فى إسقاط الدولة الليبية وتفكيكها جهويًا، وإخراج الإرهاب من جحوره، ليهدد جنوب أوروبا، ناهيك عن اغتيال معمر القذافى.. الخلافات الجذرية بين فرنسا الداعمة للجيش الوطنى، وإيطاليا المتحالفة مع ميليشيات السراج، تحول دون اتخاذ موقف موحد من الأزمة.. بل إن الموقف الفرنسى ذاته كثيرًا ما يتأرجح بين مؤسسة الرئاسة ومؤسستى الدفاع والخارجية. الرئاسة أميل لدعم الجيش، بحكم رهانها على الدور المصرى بالمنطقة، وعلاقاتها الوثيقة بالإمارات، بينما الدفاع والخارجية يفضلان عدم الابتعاد كثيرًا عن موقف روما.. ألمانيا منذ نجاحها فى عقد مؤتمر برلين تسعى لمزيد من الانخراط فى الأزمة الليبية، خاصة فيما يتعلق بتنفيذ أى وقف لإطلاق نار يتم التوصل إليه ومراقبته، بالمشاركة ضمن مهمة للاتحاد الأوروبى أو «ناتو»، مثل العملية «إيرينى».. الدول الأوروبية تسعى لاستعادة دورها المحورى فى ليبيا، بدلًا من تركها ساحة للصراعات الروسية التركية، لكن التنافسات بينها تفوق جوانب التوافق.
إذن، التنافس الرئيسى والفعلى على النفوذ فى ليبيا حاليًا، يكاد ينحصر بين روسيا وتركيا عضوة الـ«ناتو».. السياسة التركية فى الحقيقة تتسم بالديناميكية؛ نجحت فى تثبيت الموقف الأمريكى لضمان عدم معارضته لتدخلها فى ليبيا، بتوافقات تضمنت عدم نشر وتشغيل بطاريات صواريخ الدفاع الجوى S-400 الروسية، تجنبًا للإضرار بشبكة اتصالات «ناتو»، وهو الأمر الذى يسبب قلقًا لموسكو من أن يفتح ذلك المجال لمزيد من التوافق، بشأن فحص تكنولوجيا الصواريخ والرادارات الروسية بمعرفة الخبراء الأمريكيين، ما يمثل اختراقًا بالغ العمق لواحد من أهم الأسلحة الاستراتيجية الروسية، سواء فى مجال أمن الأراضى الروسية أو توفير عائدات تصديرها.. أما أنقرة فتسعى لتبديد مخاوف الدول الأوروبية من تدخلها فى ليبيا، بل تحاول إقناعها بأن تعتمد عليها كممثل لها فى محاولة فرض الأمن هناك، ومنع تصدير الفوضى وعدم الاستقرار إلى أوروبا.
النقاشات التى أدارتها تركيا داخل حلف «ناتو» حول ليبيا، انتهت باتفاق على أن الأوضاع الراهنة لا تعتبر مثالية للحلف، سواء فيما يتعلق بالوجود الروسى، أو استمرار نشاطات الجماعات الإرهابية فى الجنوب، فضلًا عن صعوبة ضبط الحدود؛ وحالة الجمود وتصعيد الصراعات التى تمر بها الأزمة.. تركيا نجحت فى إقناع الحلف بجدوى تدخلها لتعويض غيابه، وعجزه عن التعامل مع تحديات الأزمة.. كما تمكنت من إحداث تغيرات عديدة فى مواقف دوله.. الإجراءات الميدانية التى اتخذتها تركيا أقنعت دول الحلف بفعاليتها، وضرورة فرض التوافق فيما بينها.. إيطاليا بعد أن كانت تغازل حفتر، دفعت ببعثة دعم طبى إلى طرابلس بحجة مكافحة انتشار «كورونا».. دى مايو وزير الخارجية الإيطالى أكد فى اتصاله بمحمد سيالة وزير خارجية السراج اعتراف بلاده بأن حكومة السراج هى الحكومة الشرعية الوحيدة، وأن العملية «إيرينى»، ليست لمراقبة الأجواء والمجال البحرى الخاضع لسيطرة السراج فقط، وإنما تمتد إلى الرقابة الجوية للحدود الليبية المصرية!، وأنها سترفع نتائج المراقبة إلى لجنة متابعة مخرجات برلين والأمم المتحدة.. ينس ستولتنبرغ، أمين عام «ناتو»، شدّد فى حديثه لصحيفة «ريبوبليكا» الإيطالية، على أنه «لا يمكن وضع حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا، وخليفة حفتر، فى كفة واحدة.. وأن الحلف مستعد لمساعدة الوفاق لبناء مؤسساتها الدفاعية والأمنية.. وأن تركيا حليف قوى وعضو مهم فى الحلف».. اليونان حذرت من مخطط تركى لتوريط الحلف فى دعم الميليشيات الإسلامية واستهداف الجيش، رغم دوره فى تحييد الإرهاب ببنغازى ودرنة، لكن باقى دول «ناتو» لم تعلق!.
التطورات الأخيرة على هذا النحو تصب مباشرة فى غير صالح روسيا، التى لن تسمح لتركيا بتكرار مشهد إدلب، ولا بالتشكيك فى سمعتها بسوق التسليح العالمية.. الانتصارات التركية تحققت بالتفوق الجوى، وقطع خطوط الإمداد، ما يفرض استعادة السيطرة الجوية لصالح الجيش الوطنى.. صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية ذكرت «٢١ مايو» أن الأمم المتحدة فتحت تحقيقًا فى وصول ٨ مقاتلات روسية الصنع، ٦ طائرات ميج ٢٩، وطائرتان سوخوى من طراز SU-24، وهناك أخبار تتعلق بطائرتين إضافيتين SU-35، بخلاف حمولة ٧ طائرات شحن «إيرباص»، انطلقت جميعًا من قاعدة حميم السورية وهبطت بقاعدة الجفرة جنوب طرابلس.. موقع «إنسايدر» رجح تبعية الطائرات لسلاح الجو السورى، بقيادة طواقم سورية، فى إطار التقارب الكبير بين الأسد وحفتر، لكن ذلك إن كان صحيحًا، لا يمكن أن يتم إلا بموافقة ومسئولية كاملة من روسيا.. فى أعقاب ذلك تسربت أنباء «٢٢ مايو» عن وصول ٦ طائرات تركية «إف-١٦» إلى ليبيا.. صقر الجروشى قائد سلاح الجو التابع للجيش الوطنى توعَّد: «ستشاهدون حملة جوية واسعة لم تشهدها ليبيا فى تاريخها، كل المواقع والمصالح التركية ستكون أهدافًا مشروعة لقواتنا الجوية، ندعو المدنيين للابتعاد عنها».. والحقيقة أن كل المؤشرات تؤكد قرب تصاعد المواجهات بصورة لم تعرفها الحرب الليبية من قبل.