رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الإثنين 25 مايو 2020 الموافق 02 شوال 1441
د.مينا بديع عبدالملك
د.مينا بديع عبدالملك

اشتقنا إلى الكنيسة جدًا

الثلاثاء 21/أبريل/2020 - 06:31 م
طباعة
ازداد اشتياق الأقباط جدًا- سواء بداخل مصر أو خارجها- إلى الكنيسة، إذ لها مكانة خاصة فى قلب كل قبطى مخلص ويدرك تمامًا أمومتها الحقيقية، وازداد أيضًا اشتياق الكهنة الأمناء فى خدمتهم إلى رعيتهم والتعرف على أحوالهم.
لقد تشكّل الشعور القبطى الصادق نحو الكنيسة الأم منذ فترة البابا كيرلس السادس «١٩٠٢- ١٩٧١» البطريرك الـ١١٦ الذى جلس على كرسى القديس مرقس أو كرسى الإسكندرية- بتدبير إلهى واضح جدًا- فى ١٠ مايو ١٩٥٩، إذ كان اختياره فى ١٩ أبريل ١٩٥٩ بقرعة هيكلية نزيهة جدًا تهلل لها الشعب وبالأخص أبناء الإسكندرية لأنه أسقفهم وراعيهم المحبوب.
ماذا فعل البابا كيرلس السادس؟.. ربط الشعب بالكنيسة، ولكى يفعل ذلك بدأ بنفسه، إذ كان يحرص يوميًا على أن يبدأ الصلاة فى الخامسة صباحًا سواء بالقاهرة أو بالإسكندرية، وبعد انتهاء الصلاة يجلس فى قاعة بسيطة جدًا- ملحقة بالكنيسة- ويستقبل أولاده مستمعًا إلى احتياجاتهم سواء صلاة أو مشاكلهم. ثم يعود مرة أخرى فى فترة العصر، الخامسة مساءً، للصلاة مرة أخرى بالكنيسة. رأى فيه أبناء الكنيسة الفقر الاختيارى والنُسك الحقيقى.
أتذكر أن جيلنا، مواليد ١٩٥٠ وما حولها، كنا نستيقظ مبكرين ونحن أطفال ونذهب إلى الكنيسة سيرًا على الأقدام بصحبة آبائنا، كما أن الساكنين بمنطقة الرمل بالإسكندرية كانوا يحرصون على استقلال أول ترام حتى الكنيسة المرقسية بالإسكندرية. الشىء العجيب، بل المُفرح، أنك كنت ترى الكبار والصغار يدخلون الكنيسة مسرعين، حبًا فى الكنيسة وأيضًا حبًا فى البابا كيرلس. وعندما كان البابا كيرلس يجد أمامه الأطفال الصغار موجودين معه فى الهيكل وهم يرتدون زى الشمامسة كانت علامات البهجة والسرور تبدو على وجهه، لأن هؤلاء الأطفال هم كنيسة المستقبل. وكانت رؤيته فى هذا الموضوع صائبة جدًا، لأن هؤلاء الأطفال- وقد بلغوا نحو السبعين من عمرهم الآن- هم المشتاقون حاليًا إلى الكنيسة أو بمعنى أكثر دقة «الكنيسة وحشتهم جدًا».
ليس هذا فحسب بل ربط جيلنا باللغة القبطية- لغة الكنيسة- حتى صارت اللغة لها مذاق خاص. أتذكر الواقعة الآتية: أعرف إحدى الأمهات كان ربنا سمح لها بتجربة المرض، وكان لديها طفل صغير. وقرر الأطباء ضرورة سفرها للعلاج بالخارج «لا أتذكر أوروبا أم أمريكا»، وقبل أن تسافر كانت تجلس مع طفلها وتُسمعه بعض الكلمات البسيطة وبعض القطع الموسيقية الخفيفة. وبتكرار الجلوس مع الابن بدأت أذناه تعتاد تلك الكلمات وتستوعب تلك الموسقى ويستلذ بها، وأيقن الطفل أن هذه الكلمات هى خاصة بوالدته. إنها أم واعية بالحقيقة. ثم سافرت الأم وتركت ابنها الصغير فى رعاية جدته. ومن هناك بالخارج كانت تتصل بالطفل تليفونيًا وتُسمعه نفس الكلمات ونفس القطع الموسيقية التى لقنتها له. ماذا كان رد فعل الطفل؟ كان يتهلل مبتهجًا لأن التى تتحدث معه هى أمه المحبوبة وليس أحدًا آخر غريبًا، فكان يشعر باطمئنان وسعادة ودفء مشاعر. هذا بالضبط ما فعله معنا البابا كيرلس السادس ومع كل أبناء الكنيسة، ربطنا بالكنيسة من خلال الصلاة واللغة. لذلك أصبح من الصعب جدًا، بل من المستحيل، أن يتم حرماننا من الصلاة فى الكنيسة ومن ترديد الألحان الكنسية باللغة القبطية بداخل الكنيسة.
وبعدد جريدة «الدستور» الصادر صباح الأربعاء ١٥ أبريل ٢٠٢٠ حدثت واقعة بكفرالشيخ جاء فيها: لم يتمالك رجال الإسعاف بكفر الشيخ دموعهم عندما ذهبوا لمنزل أصغر مصابة بالفيروس لنقلها إلى مستشفى عزل بلطيم، هى الطفلة «أروى» ذات الـ١٠ سنوات ابنة قرية «شباس عمير» التابعة لمركز «قلين». وبدت الطفلة سعيدة بعدما أبلغوها بأنها ستذهب إلى والدتها، التى تُعالج من إصابتها بالفيروس فى مستشفى العزل منذ عدة أيام. واستقبلت الطفلة «أروى» خبر إصابتها بالفيروس بثبات، وطلبت من رجال الإسعاف، ببراءة طفلة، سرعة أخذها لتكون رفقة والدتها فى مستشفى العزل وقالت بفرح شديد: «فرحانة إنى هاشوف ماما». مَن ذا الذى يمكنه احتمال البُعد عن أمه؟
وأذكر فى طفولتى- كنت أبلغ من العمر ٤ سنوات- كانت والدتى تذهب بى إلى الحضانة التى بجوارنا، ثم تعود وتأخذنى من الحضانة إلى المنزل. وفى يوم من الأيام تأخرت عن الحضور لأعود إلى المنزل. تقول لى والدتى إنها دخلت الحضانة فوجدتنى أجلس وحيدًا وأبكى، وعندما رأيتها قلت لها: «أنتِ نستينى يا ماما»، فأخذت تبكى وضمتنى فى حضنها وطيّبت خاطرى، وقالت لى: «معلهش كنت أعد الطعام فى المنزل لك ولإخوتك ولبابا». الأم تظل أمًا.
ومن الأمور اللافتة للنظر، أنه اعتدنا فى الكنيسة- منذ طفولتنا- عند عودتنا إلى المنزل نأخذ معنا من الكنيسة «خبزة» وبالمصطلح الكنسى يُطلق عليها «قربانة». لا يمكن تخيل الأقباط وهم يبحثون بلهفة عن «قربانة»! هذه الأمور ربما تبدو للقارئ العادى أنها بسيطة لكنها فى الواقع هى نفس قصة الأم «التى سبق وذكرتها» عندما ربطت طفلها ببعض الكلمات التى تُشعره دائمًا بأنها بجواره وبأنها تسأل عنه وبأنها هى أمه. الكنيسة أم وستظل أمًا.