رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الإثنين 30 نوفمبر 2020 الموافق 15 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د. منى حلمى
د. منى حلمى

فى حب الرجل الوحيد الذى يمنعنى من الجنون أو الانتحار

الأحد 22/مارس/2020 - 08:00 م
طباعة
٢١ مارس.. بدء الربيع، ٢١ مارس.. بدء انقلاب الأرض على ركود الشتاء، ٢١ مارس.. امتلاء لوحة الحياة بالألوان والزهور، والفل والياسمين، والاستمتاع بالدفء، ٢١ مارس.. اليوم الذى نقول فيه للشتاء: «وداعًا»، حتى الذين يعشقون الشتاء يقولون له: «وداعًا دون ندم»، فالتغير هو قانون الحياة شئنا أم أبينا.
٢١ مارس.. عيد الأم حيث تُكرّم الأمهات بالهدايا والزيارات العائلية والأغنيات وكلمات الامتنان وقبلات الحب والتقدير، ٢١مارس.. اليوم العالمى للشعر.
لكننى اعترف بأن ٢١ مارس لا يعنى لى إلا شيئًا واحدًا أنتظره من العام إلى العام.. ميلاد الشاعر والرجل والثائر الذى أنجبته أمه «فايزة»، فقط ليكون عزائى الوحيد وقوتى الحقيقية، ويقينى الملتصق بجلدى واليد الحانية التى تمسح دموعى، والكتابة التى تمنعنى من الجنون أو الانتحار وتدعونى للمواصلة رغم العبث واللا جدوى.
٢١ مارس.. مولد نزار.. «٢١ مارس ١٩٢٣ - ٣٠ أبريل ١٩٩٨»، وحين أقول نزار لا أقصد الشاعر الذى تصل موهبته إلى ما بعد السماء، ولست أقصد حساسيته المرهفة لجميع تفاصيل الحياة الصغيرة العابرة التى جعلها فى أشعاره بحجم الكون، ولست أقصد التراث الشعرى الهائل الذى يستحيل على شاعر عادى أن يكتبه، لكننى حين أقول نزار أقصد الطاقة الشعرية اللا متناهية، لتحويل كل ما فى الحياة إلى شعر، حينما نستمع إلى أشعار شعراء آخرين نشعر بأن شعرهم منفصل عن الحياة اليومية المعاشة.. الحياة التى هى من دم ولحم وشعور وأعصاب. قد نستمع إلى شاعر يطوف بنا، فى فضاء الكلمات التى تتحدث عن الثورة والاحتجاج والغضب والتذمر.
لكنها كلمات سابحة فى الهواء، ليس لها موقف حياتى معاش على الأرض، وليست نابعة من معاناة امرأة حقيقية، أو معاناة رجل حقيقى، أو معاناة شعب حقيقى فى لحظة تاريخية محددة. كلمات حماسية، تلعب على أبعاد ميتافيزيقية ودلالات كونية، مجردة من إحباط الإنسان العربى، وتعاسة المرأة العربية، وازدواجية وتناقض المجتمعات العربية.
ولذلك يأتينا شعور، بأنه على الرغم من حماس الشاعر وانفعاله والكلمات المحفزة التى يطلقها فى وجوهنا فهناك «انفصال» واضح بين الشاعر وشعره، الكلمات سليمة لا غبار عليها والزخارف موضوعة فى مكانها، وصوت الشاعر ممتلئ بالقوة والحماس، ومع ذلك نشعر بشىء ما، لا يريحنا تمامًا، لا يطربنا تمامًا، لا يمتعنا تمامًا. والكثيرون ربما لا يعرفون السبب، لكنهم يصفقون للشاعر المتحمس قوى العبارة ذى القصيدة العصماء، المعقمة، المرفهة.
حين أقول نزار، فأنا أقصد سقوط الحاجز بين الشاعر وقصيدته، كلمات نزار قبل أن تنقشها دفاتره الزرقاء «كان يحب الكتابة على الدفاتر الزرقاء»، نقشها جسده وأعصابه وضجره واغترابه وعذاباته اللا نهائية. كل قصيدة كتبها نزار هى امتداد طبيعى لترفه وأحزانه وأفراحه وتمرده وثورته على المجتمع العربى. لا توجد قصيدة كتبها نزار، بسن القلم، ولكن بسن الألم المخترق كل خلية من خلاياه. كل تجربة عاشها مهما كانت صغيرة «لا يعترف نزار بأن هناك تجارب صغيرة وأخرى كبيرة» هى تجربة العلم كله.
قال نزار: «ليس عندى تجربة صغيرة وتجربة كبيرة، كل تجاربى الصغيرة هى فى الوقت نفسه ذاته تجربة العالم كله، فأنا حين أتحدث عن حبى، إنما أتحدث عن حب العالم كله، وحين أتحدث عن حزنى إنما أتحدث عن حزن الدنيا بأجمعها، نخطئ حين نظن أن تجربة الشاعر الجزئية تجىء من برزخ آخر، فالشاعر جزء من أرض ومجتمع وتاريخ وموروثات ثقافية ونفسية وعضوية، وكل كلمة يضعها الشاعر على الورقة تحمل فى ثناياها الإنسانية كلها، والتجربة الذاتية التى نظنها صغيرة تأخذ فى بعض الأحيان حجم الكون، لذلك فإن خصوصيات الشاعر بمجرد اصطدامها بالورق تتعدى ذاتها لتصبح فضيحة.. فضيحة يقرؤها العالم.
إن الأدب الذاتى خرافة وافتراض، فالذات ليس إلكترونًا منفصلًا، ولكنها جزء من حركة الكون حتى فى حالات عشقى الخاص أشعر بأننى أكثر كونية وأشعر بأن الواحدة التى أحبها هى كل النساء»
إن هذا الالتصاق، أو الالتحام بين نزار وشعره، ليس فقط نتيجة موهبته الشعرية النادرة، ولكنها أيضًا دليل الصدق والاتساق مع النفس، وعدم الاهتمام بكلام الناس والنقاد. فهو صادق إلى حد الوجع، متسق مع نفسه إلى حد الانبهار، لا يهتم بالناس، والنقاد مثل الزاهد المتصوف. يقول نزار: «لغتى الشعرية هى المفتاح الحقيقى لشعرى وأهم منجزاتى، إنى سافرت مع القاموس وأعلنت عن عصيانى على مفرداته وأحكامه البوليسية، اللغة الأكاديمية زجاجة صمغ، أى أنها مادة شديدة الالتصاق، والذين استسلموا لها من الشعراء غرقوا فى الصمغ، أو صاروا صمغًا».
«إننى حين أكتب لا أقبل أى سلطة مهما كانت أن تجلس فوق أصابعى. إننى على الورق أمتلك حرية إله».
يحتفى نزار بالمرأة احتفاءً خاصًا، وكان يعتقد أن كل شعر لا يغترف من الأنوثة هو شعر ناقص، يتيم، غير طبيعى.
كتب نزار:
كل كتابة هى أنثى.. ولو كتبها رجل
وكل ثقافة لا يعتد بها.. إذا لم تتشكل فى رحم امرأة
لذلك سميت الوردة وردة.. واللوحة لوحة
والمنحوتة منحوتة.. والقصيدة قصيدة
والرواية رواية.. والسيمفونية سيمفونية
وفى حين كل الرجل يعلن الحرب.. كانت المرأة تعلن الحب وتصنع القصائد والأطفال. لا يؤمن نزار بالتجزئة على مستوى الشعر أو على مستوى الإنسان. الإنسان الحقيقى الأصيل غير قابل للتجزئة. وحده العاشق العظيم للمرأة، هو المؤهل لأن يكون وطنيًا عظيمًا وثائرًا عظيمًا.
إن احتلال الوطن، بالنسبة لـ«نزار» ليس معناه فقط وجود ما نسميه «العدو الخارجى»، الذى يستعمر بجيوشه ودباباته، وفلوسه أو حتى بثقافته. إن الاحتلال أيضًا «وهو الأكثر خطورة» أن تحتلنا قيم وتقاليد بالية تعوق حركة الحياة إلى الأجمل والأعدل، وأن تستعمرنا مشاعر العنصرية والتعصب تجاه أوطان أخرى.
منذ بداية قصائده السياسية التى افتتحها نزار بقصيدته «هوامش على دفتر النكسة» وهو، على حد تعبيره، «فى أسنان التنين». وكان كعادته مع كل هجوم وإدانة يشعر بالزهو وبأنه أصاب الداء فى مقتل.
إن علاقة نزار الحميمة المستمرة مع المرأة حررته من التجزئة الذكورية لمعنى القهر الوطنى والتحرر الوطنى. تعلم نزار من النساء أن الحب قضية سياسية من الدرجة الأولى، وأنه فى ارتباط عضوى بمسألة التحرر الوطنى. لقد علّمته علاقاته بالنساء، والدخول إلى همومهن وأسرارهن ومعاناتهن، أن مَنْ يرضى باستكانة امرأة يرضى باستكانة وطن.
يكتب نزار:
أحاول رسم مدينة حب.. تكون محررة من جميع العُقد فلا يذبحون الأنوثة.. ولا يقمعون الجسد أحاول رسم بلاد لها برلمان من الياسمين وشعب رقيق من الياسمين تنام حمائمها فوق رأسى وتبكى مآذنها فوق عيونى أحاول رسم بلاد تكون صديقة شعرى ولا تتدخل بينى وبين ظنونى ولا يتحول فيها العساكر فوق جبينى أحاول رسم بلاد تكافئ إن كتبت قصيدة شعر وتصفح عنى إذا فاض نهر جنونى
على مدى نصف قرن من الزمان هاجم نزار الشيزوفرينيا الذكورية، وأن يعيش الرجل العربى حياة واحدة لا تعرف مبدأ «التقية».
كتب نزار: «الفرق بينى وبين العشاق أنهم يحبون فى العتمة وضمن جدران غرف النوم المغلقة. أما أنا- لسوء حظى- فرسمت عشقى على الورق وألصقته على كل الجدران. هذه هى مأساة الفنان، أنه لا يستطيع أن يتصرف فى الحياة بشكل وعلى الورق بشكل آخر. إنه ملزم كشاعر أن ينقل سريره إلى الشارع، ويضع عواطفه تحت تصرف جميع المواطنين وفى خدمتهم كالتماثيل والأرصفة، والحدائق العامة. ولأننى لا أستطيع ممارسة العشق فى العتمة، ولا أستطيع أن أخبئ حبيبتى فى سرداب من الحجر، أصبحت قصائدى وثائق اتهام موقعة بإمضائى. إن شاعر الحب فى بلادنا يقاتل فوق أرض وعرة، وفى مناخ عدائى ردئى.
وبالتالى لا يفهم نزار الكتابة إلا كونها مواجهة حياتية بالعقل والجسد والعاطفة للألغام المخبأة تحت الجلد. إنها المرادف لهدم الأشياء والقوالب والبروتوكولات والأعراف وأحداث الصدمة.
لم ينس نزار تعليق جدته، حين كان طفلًا يكسر لعبته:
«دعوه يحطم فمن رماد الأشياء تخرج النباتات»