الثلاثاء 31 مارس 2020 الموافق 07 شعبان 1441

كيف أقنع «ثروت عكاشة» «خيري شلبي» بتغيير اسمه؟

الخميس 27/فبراير/2020 - 12:11 م
خيري شلبي وثروت عكاشة
خيري شلبي وثروت عكاشة
نضال ممدوح
طباعة
في كتابه "أقمار النيل.. صور فنية لوجوه مصرية" يذكر الروائي خيري شلبي أن الدكتور ثروت عكاشة الذي تحل اليوم ذكرى وفاته الثامنة٬ هو من أوحى إليه بتغيير اسمه٬ من خيري أحمد عكاشة إلى خيري شلبي.

وفي البورتريه الأدبي الذي رسمه خيري شلبي للدكتور "عكاشة"يقول: "هاتان العينان هما الدليل القاطع على مصريته الصميمة٬ يضفيان على الوجه مسحة فرعونية خالصة٬ حتى يبدو الوجه بدون أدنى فرق صورة طبق الأصل من وجه الكاتب المصري الجالس القرفصاء، أكاد أجزم أن الكاتب المصري الجالس القرفصاء هو أبوه المباشر٬ أو لعله خاله٬ لأن هذا التطابق في الشكل والملامح وإشعاع العينين لا يتحقق في الابن إلا للخال أو الجد".

لا يرى "شلبي" أي تناقض بين انتماء عكاشة للضباط الأحرار وكونه واحدا من القلائل الباقين من زمن العمالقة٬ وهو الظاهرة الثقافية الوحيدة المنفردة بين الضباط الأحرار. لست أعني بذلك أن جمهرة الضباط الأحرار كانوا غير مثقفين. لا بل إذ نعترف أن الكثيرين منهم كانوا على درجة كبيرة من الثقافة وإلا ما دبروا لهذه الثورة وأنجحوها. إلا أن ثقافة معظمهم كانت نوعا من الثقافة العامة. وأيا ما كانت مستوياتهم الثقافية فإن أحدا منهم لم يرق إلى أن يكون ظاهرة ثقافية كاملة كثروت عكاشة. وأعني بالظاهرة الثقافية ألا يكون مثقفا فحسب٬ أو صاحب نشاط ثقافي من نوع ما كأن يكون أديبا أو شاعرا أو مؤلفا مسرحيا أو ناقدا٬ إنما يكون إضافة إلي ذلك معنيا بشئون الثقافة حاملا همومها ضالعا في قضاياها ضلوعا رئيسيا.

ثروت عكاشة ظاهرة ثقافية بكل معنى الكلمة٬ بمعنى أنه حاضر بقوة في الثقافة كإنتاج أدبي وفني ودراسي. وفي الثقافة كقضايا فكرية وبحثية تستهدف بناء الذوق القومي العام والارتفاع به من خلال ربطه بالفنون والآداب الرفيعة٬ والتضحية في سبيل ذلك بكل ما يملك من جهد ومال ووقت وفي إلتقائها كمنجزات تاريخية قومية فذة٬ كإنقاذ معابد فيلة وأبي سمبل التي كانت مهددة بالغرق تحت طوفان المياه عدن إنشاء السد العالي٬ وفي الثقافة كبرامج إدارية وفنية يسهم في قيامها وتطويرها والمشاركة الفعلية فيها٬ وفي الثقافة كإنشاءات ثقافية فنية مثل أكاديمية الفنون بمعاهدها المختلفة من معهد للفنون المسرحية إلي معهد للسينما إلى معهد للباليه إلى معهد الكونسرفتوار..إلخ ومثل إنشاء فرقة الموسيقي العربية وبناء قاعة سيد درويش..ألخ

أما عن منتجه الثقافي والفني يشير خيري شلبي٬ إلي أن ثروت عكاشة كان كاتبا من أصحاب الأساليب الجزلة الرصينة الجذابة٬ وكان واضحا في كتابيه المبكرين: سروال الفن وإعصار من الشرق٬ كما أن اشتغاله المبكر بالترجمة كان ينم عن وجود علاقة وثيقة بالآداب العالمية٬ وبالفنون العالمية٬ كالموسيقى الكلاسيكية٬ والفن التشكيلي والأوبرا والمسرح والسينما.فلما أصبح وزيرا للثقافة اتضح من مخططاته ومشاريعه الخلاقة كما لو أنه كان يجهز نفسه لهذا الدور من الطفولة. فجأة أصبحت الثقافة في مصر عملا يوميا ملموسا في الشوارع والساحات والميادين ودور العلم. أصبح للثقافة دار وأهل يسهرون على أوضاعها ومستقبلها٬ وكان ثمرة عمل منهجي علمي مدروس٬ يتحرك وراء هذه المنجزات الرسمية الملموسة. وإذا قلنا أن ثروت عكاشة كان أعظم وزير للثقافة في تاريخ هذه الوزارة فلا أظن أننا نبالغ بأي قدر.

في عهد ثروت عكاشة ازدهر العمل الثقافي بصورة غير مسبوقة. إذا أخذنا المسرح المصري على سبيل المثال٬ نجد أنه يدين لثروت عكاشة بنهضة لم يسبق لها مثيل. أصبح المسرح برلمانا شعبيا حقيقيا٬ نوقشت فيه قضايا الناس وطرحت الآراء السياسية بجرأة هائلة٬ وفي مناخ من الحرية الأدبية أتاح لدار المسرح القومي ــ مسرح الدولة ـ أن تشهد خشبتها في كل موسم ست مسرحيات كبيرة كل واحدة أشد من سابقتها٬ وفي ظل هذا المناخ نشأ جيل المسرحيين الكبار: نعمان عاشور٬ ألفريد فرج٬ رشاد رشدي٬ يوسف إدريس٬ سعد الدين وهبة٬ ميخائيل رومان٬ محمود دياب٬ وعبد الرحمن الشرقاوي٬ ونشأ مسرح الطليعة التجريبي يقدم للناس أحدث المدارس المسرحية وتياراتها الفكرية والمذهبية. وازدهر فن الأوبرا بأعمال كبيرة وأزدهر المسرح الغنائي ونشأت مؤسسة دعم السينما لتعمل على الارتفاع بمستوى السينما من خلال الإنتاج الضخم الذي يعجز عنه رأسمال القطاع الخاص٬ إلى آخر المنجزات العظيمة المعروفة لثروت عكاشة الوزير.

يلفت شلبي إلى أن مهام عكاشة كوزير للثقافة لم تشغله عن دوره كمثقف ينتج الثقافة: كان يجد وقتا ليتذوق فاجنر المولع به جدا٬ وللسياحة في معارض الفن التشكيلي لدراسة المدارس والعصور الفنية٬ وتجميع الصور والوثائق٬ ولقراءة الآداب العالمبة وترجمة الكثير من نماذجها الثمينة. كانت كتبه تتوالى وتتنوع بشكل مثير للنقد حقا. هل نتكلم عن كتابه تاريخ المسرح المصري؟ أم عن ترجمة لجبران خليل جبران؟ أم ترجمة لأوفيد؟ أم كتابه مولع بفاجنر؟ أم موسوعته الفذة: العين تسمع والأذن ترى؟.وثروت هو الوزير الوحيد في تاريخ وزارتنا الذي تقدم بإستقالته لينجز رسالته لإجازة الدكتوراه.