رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الخميس 26 نوفمبر 2020 الموافق 11 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
عمرو خالد
عمرو خالد

كيف تستغفر الله بطريقة روحية وفعالة؟

الأحد 12/يناير/2020 - 08:55 م
طباعة
ما من أحد إلّا ويشعر بالتقصير فى حق الله تعالى، تأخذه الدنيا بعيدًا عنه، فيفتر إيمانه، ويخفت حماسه، ويركن إلى الشيطان كسلًا عن طاعة الله، لكن من رحمته تعالى أنه لا يغلق فى وجه عبد من عباده باب الرجوع إليه، ولا يرد أحدًا وقف بباب رجائه، يطلب غفرانه، بل هو أشد فرحًا منه بتوبته.
يقول النبى، صلى الله عليه وسلم، فى الحديث الصحيح: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فَلَاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع فى ظلها قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدى وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح».
لا تتباطأ فى العودة إليه، ولا تتأخر عن الرجوع إليه، ارفع يديك إليه، واسجد إليه خشوعًا وتضرعًا، ستكون أقرب إليه مما تظن، لا يريدك فى حالة طهر ملائكية، يريدك على حالك التى أنت عليها، اقبل عليه بصدق، وإخلاص، ويقين فيه، عد إليه نادمًا، مستغفرًا، وتائبًا.
والإنسان أمامه طريقان للوصول إلى الله: الأول مجاهدة النفس، من خلال التعرف على عيوبها، والوقوف على ما يعتريه من خلل أو نقصان، وأن يعمل على إصلاحه وتعديله، وأن يقوم اعوجاجها لتعود إلى طريق الله المستقيم.
أما الطريق الثانى: فهو ألا تلتفت إلى عيوبك، وألا تتذكر سيئاتك، وتذهب إليه مباشرة بلا تردد، تقبل عليه بالذكر، وستجده يقبلك، فإنه سبحانه مالك لنفسك، وهو خالقها، اذهب إليه ذاكرًا، وهو سيقوم بإصلاح عيوبك، وسيعيدك إلى فطرتك السوية، وإيمانك النقى الذى لا تشوبه شائبة. «وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ».
ومن عجائب الذكر أنه يصلح النفس من الداخل، «الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»، وهو عبادة ثوابها عظيم، وهو أكثر ما يرضى الخالق، «فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ».
وفى الوقت نفسه عبادة سهلة، وبسيطة، تؤديها فى كل وقت، وعلى أى حال، تذكر وأنت جالس، وأنت نائم، وأنت متوضئ، وأنت غير متوضئ، وكذا المرأة، سواءً كانت على طهارة، أم حائض، تذكر الله فى النهار، فى الليل. تذكر وأنت فى بيتك، وأنت تقود السيارة، وأنت وسط الناس، فى كل وقت، تذكر الله.
يقول الله تعالى: «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ».
لكن أهم شىء التركيز: الذكر والفكر معًا، إذ لا بد أن تفكر فى كل ما تقوله حتى تستشعر المعنى، والله تعالى يقول فى الحديث القدسى: «أنا عند ظن عبدى بى وأنا معه إذا ذكرنى»، أى شرف هذا أن يكون معيتك؟!، فأنت حين تذكر الله، يكون الخالق معك، معك برحمته، يؤيدك، يسترك، يحفظك، ينصرك، هذا هو معنى معية الله: «وأنا معه إذا ذكرنى».
ماذا يعنى الاستغفار؟
هو أن تستعرض شريط حياتك، كما لو تقوم بعملية جرد لمراحل حياتك، أين الخلل، أين الخطأ فى علاقتى مع الله؟.. مالى حلال.. علاقتى بوالدى.. أنا راض لهما.. تظل أبحث عن مكامن الخلل، والتقصير فى حق الله.. العقل يتذكر، والقلب يطلب من الله أن يسامحه.
والله تعالى يحث نبيه على سؤاله المغفرة. قال تعالى: «وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا»، ويقول أيضًا: «فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا»، وقال: «وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ»، ولهذا كان النبى يكثر الاستغفار.
وعن الأغر بن يسار المزنى قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «توبوا إلى الله واستغفروه فإنى أتوب فى اليوم مائة مرة».
وكان إذا انصرف صلى الله عليه وسلم من صلاته استغفر ثلاثًا. عن ثوبان قال: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا، وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإكرام. قال الوليد فقلت للأوزاعى كيف الاستغفار؟، قال تقول: أستغفر الله أستغفر الله.
المسألة إذن بسيطة ويسيرة، لا تستثقل الاستغفار، امسك بمسبحة، أو عد على يدك، واستغفر الله، وداوم على ذلك بشكل يومى، ستجد نفسك فى حالة أفضل مما كنت عليها من قبل، وأنت تستشعر بأنك تطلب من الله الصفح والمغفرة عما أسلفت من معاص وذنوب.
الله تعالى يقول: «فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا* يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا* مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا».
وهذه الآية تركيبتها جميلة: فى البداية يقول استغفر الله، ليس من أجل المال، والرزق، ولكن لأنه غفار، ويستحق أن تعبده، وتستغفر على تقصيرك بحقه.
ومن عجائب الاستغفار إلى الله والتوبة إليه، أنه يغير الماضى، ويمحو الذكريات السيئة التى تعلق بذهنك، وحتى التى نسيتها، وهذا أمر لا يحتاج إلى المشقة التى يبذلها البعض فى الدنيا من أجل محو ماضيه، وتشكيل انطباع مختلف عنه.
لكن بمجرد أن تستغفر الله وتقول: أستغفر الله وأتوب إليه، يمحو كل ما مضى، لكن بشرط الصدق، لأنه أحيانًا استغفارنا يحتاج إلى استغفار.. فى دنيا الناس ماضيك لا يمسح بسهولة، لكن عند الله يمسح بكلمة واحدة: أستغفر الله. والذكر يحتاج إلى المداومة إليه، عليه، يوميًا، مدة لا تقل عن ٢٠ دقيقة، حافظ على النبى، على الاستغفار، اقتداءً بالنبى، صلى الله عليه وسلم، الذى كان يستغفر إلى الله فى اليوم مائة مرة، وذلك حتى تمسح ما علق بك من سيئات، وتبدأ بداية جديدة فى حياتك، وتحيى قلبك وتنقيه يومًا بيوم.