-
الإثنين 16 ديسمبر 2019 الموافق 19 ربيع الثاني 1441

حكايات الرحالة البرتغالي "إيسا دي كيروش" عن افتتاح قناة السويس

السبت 16/نوفمبر/2019 - 02:27 م
جريدة الدستور
نضال ممدوح
طباعة
يقول الرحالة البرتغالي "إيسا دي كيروش" في مذكراته "رحلتي إلي افتتاح قناة السويس.. خيالات الشرق الصادرة في نسختها العربية عن دار "العربي"، بترجمة للدكتور السيد محمد واصل: "إن احتفالات السويس تمثل بالنسبة لي واحدة من ذكريين كبيريين، إحداهما عن القاهرة والأخري عن القدس. وهناك ذكريات تختنق بين تلك الذكريين الوضاءتين، ومثلها مثل رسم تخطيطي بالقلم بين قطعة قماش جميلة رسمها "دي كامب" عن القرآن الكريم وأخري رسمها دي لاروش عن الإنجيل".

نقل "دي كيروش" عبر مشاهداته ملامح الحياة المصرية، خلال رحلته لحفل افتتاح قناة السويس، والذي تتزامن اليوم الذكري الخمسين بعد المائة، حيث افتتحت القناة في مثل هذا اليوم من العام 1869 بحضور ملوك وأمراء من جميع أنحاء العالم، وعلي رأسهم الملكة "أوجيني" التي أغرم بها الخديو إسماعيل حتي إنه أوصي المهندسين الذين صمموا الطريق المؤدي لمقر الاحتفال بافتتاح القناة، بأن يضعوا العديد من المطبات، ما يجعل العربة تتمايل أثناء حملها لـ"أوجيني"، فتسقط في أحضان إسماعيل الذي كان يرافقها أثناء رحلتها بحسب الدكتور "عبدالمنعم جميعي" أستاذ التاريخ المعاصر.

تتفرد مذكرات "دي كيروش" عن غيرها من كتابات الرحالة الذين تناولوا حدث افتتاح القناة لأول مرة، في أنها رصدت حياة المصريين البسطاء من عامة الشعب المصري، بعيدًا عن طبقة الأستقراطية المتمثلة في الأسرة العلوية. فيذكر دي كيروش حوار دار بينه وبين "ديليسبس" ويقدمه علي أنه أحد المهندسين في شركة القناة. الحوار دار عن الفلاحين وأحوالهم المعيشية وطباعهم: "هنا يعيش الفلاح، إن الفلاح هو مزارع وادي النيل، وكنا قد رأينا في الإسكندرية مجموعات صغيرة من العشش خارج المدينة علي حافة الصحراء، وأكواخ من الطين الداكن تملؤها الشقوق وهي منخفضة مظلمة تستند إلي جذوع الأشجار.. تلك هي بيوت الفلاحين".

وكنا قد رأينا للتو الفلاح يعمل بالشادوف في الحقول منكفئًا فوق البالات الثقيلة ويملأ القرب بمياه النيل، وينام ليله في شوارع الإسكندرية مطأطئ الرأس منكمشًا دون حراك كجوال في جرن القمح. وكنا قد رأيناه يضرب بالعصي علي أرصفة المدينة. كما رأينا عبر شبابيك القطار يعمل في الترع يأخذ الطين ويخلطه بالتبن والقش لعمل الطوب، كما رأيناه يصلي ساجدًا علي حافة الجدول. لباسه عبارة عن جلباب قصير أزرق يشبه البلوزة تضيق عند الوسط بحزام، ويلبس فوق رأسه طاقية بيضاء صنعت من صوف الأغنام. له ملامح جميلة وهادئة وعيون سوداء ترتفع قليلا عند الأطراف، أسنانه بيضاء قصيرة ومتلاصقة، له رأس صغير وأنف مستقيم مفلطح قليلا عند الطرف، وجهه مستدير أهيف القوام، أقدامه عريضة مبسوطة وبشرته داكنة برونزية. إنه بالتأكيد سليل المصري القديم".

ويكمل ديلسيبس: "ورغم أن العلماء لا يرون ذلك فإن الشبه كامل بين هؤلاء الرجال الذي يروون الأرض بالشادوف في حقول الدلتا وتلك النقوش لفلاحين وعبيد كهنة وفراعين نجدهم في المقابر الملكية أو في أبهية المعابد المصرية.