الأحد 21 يوليه 2019 الموافق 18 ذو القعدة 1440
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
adsads
ads
ads
ads

«عضّة موت».. أمصال سعار مغشوشة في مستشفيات حكومية تؤدى إلى وفاة مصابي العقر (تحقيق)

الأربعاء 15/مايو/2019 - 12:53 م
جريدة الدستور
سمر مدحت - كمال عبدالرحمن
طباعة
ads
كان «أحمد»، 25 عامًا، يقطن في منطقة 15 مايو التابعة لمحافظة القاهرة، يداعب كلبه كعادته كل يوم بعد أن يعود من عمله، لكن تلك المرة لاحظ الشاب شراسة غير معهودة عليه، لم يعبأ بالأمر، وذهب لإحضار الطعام الخاص به، وقبل أن يضعه أمامه قفز الكلب عليه وألقاه على ظهره، وقام بعضه في قدمه اليسرى.

طّهر "أحمد" جرحه من إثر العضّة، وذهب إلى مستشفى حكومي في منطقة حلوان، لأخذ المصل المضاد للسعار، وكان عبارة عن خمس حقن تحوي المادة الفعالة مركزة، وداوم الشاب على أخذ الحقنة على مدار خمسة أيام، إلا أنه في اليوم الثالث ظهرت عليه أعراض مرض السعار، وظل 4 أربعة أيام يعاني منها حتى وافته المنيه بحسب حديث شقيقته لـ"الدستور".

"أحمد" هو أحد ضحايا أمصال السعار المغشوشة الموجودة في مستشفيات حكومية، والتي لا تحتوي على المادة الفعالة الخاصة بالمرض؛ بسبب فسادها نتيجة سوء التخزين بالمستشفيات. ذلك ما كشفته "الدستور" في التحقيق التالي.

معدا التحقيق عملا على توثيق ذلك من خلال حالات توفيت بعد عقر الكلاب لها، رغم تناولهم المصل الخاص بالسعار في المستشفيات عقب العقر مباشرة، وحالات أخرى قامت بتطعيم كلابها الخاصة، ورغم ذلك أصيبت بالسعار وهاجمت آخرون.

وعبر جولة على مستشفيات حكومية تختص بتوفير الأمصال، سجلا من خلالها اعترافات لممرضين وأطباء بأن أمصال السعار مركونة لديهم والكثير منها منتهي الصلاحية، ولا يحتوي على المادة الفعالة الخاصة، لعدم وجود دورات تفتيش من قبل وزارة الصحة.

السعار المغشوش
«شيرين»، هي الشقيقة الكبرى لـ«أحمد»، والتي عاشت معه تلك التجربة المؤلمة منذ إصابته وحتى وفاته، توضح أنهم اكتشفوا عدم فعالية المصل، بعدما ظهرت تلك الأعرض على الشاب، فذهب إلى طبيب آخر طلب منه إجراء تحاليل دم (حصلنا على نسخة منها)، اتضح من خلالها خلو دمه من مصل السعار، وأكد وقتها الطبيب أن التحاليل تبين عدم تناول الشاب للمصل الخاص بالمرض.

تضيف: «كان مرّ عليه ثلاثة أيام منذ العضة وحتى ظهور تلك الأعراض، وقتها أخبرنا الطبيب أن أحمد سيموت خلال ساعات بسبب وصول سائل اللعاب الخاص بالكلب إلى المخ وسيطرته عليه، وبالفعل مات صباح اليوم التالي بعدما اشتدت عليه تلك الأعراض».

تقول إنه لولا عدم فعالية المصل لكان عاش شقيقها، بسبب تناوله المصل في نفس يوم عقر الكلب له، كاشفة عن أزمة أخرى هو أن الكلب الخاص بشقيقها كان مداوم على تطعيمه ضد السعار والعقر ولم يتأخر في ذلك، ومعنى أنه قام بعقره هو أن المصل الخاص بتطعيم الكلاب في المستشفى ليس فعالًا أيضًا.

سوء التخزين وراء فسادها
الدكتور أحمد أبو طالب، عضو نقابة الصيادلة، والخبير الصيدلي، يؤكد أن عدم فعالية مصل السعار مع حالات عقر الكلاب تعود إلى سوء حفظ وتخزين ونقل الأمصال من قبل المستشفيات، فتؤدي بالتالي إلى فسادها وانتهاء صلاحية البعض منها.


يشير في تصريحه لـ«الدستور» إلى أن أمصال السعار لا بد أن تحفظ في درجة حرارة من 2- 8 درجة مئوية، لأن حفظها في درجة حرارة أقل أو أعلى تؤثر على المادة الفعالة وقد تؤدي إلى تلفها، وبالتالي لا تؤثر في جسد المتعاطي لها ويصاب بمرض السعار حتى بعد تناولها.

المسؤولية تقع على كاهل وزارة الصحة، وهيئة الطب البيطري، بحسب «أبو طالب»، الذي يرى أنه لا بد من وجود دورات تفتيش على تلك الأمصال التي تكون مركونة وتنتهي صلاحيتها أو تتلف المادة الفعالة بها، فلا تؤثر على متعاطيها.

النجاة بأعجوبة
«حسام»، شاب آخر في منتصف الثلاثينات، كاد أن يدفع حياته ثمنًا للأمصال غير الفعالة في المستشفيات الحكومية، بعدما عقره كلب ضال في شارع جانبي بمنطقة المطرية التي يقطن بها وتتبع محافظة القاهرة، فذهب على الفور إلى مستشفى المطرية، وقام الطبيب وقتها بخياطة الجرح بعد تطهيره بالماء، وتحديد موعد كورس حقن السعار.

بالفعل أعطى الطبيب الشاب جدول به مواعيد كورس المصل لمدة 6 أيام متتالية، يقول: «في اليوم التالي للواقعة ازداد شكل الجرح سوءًا، ولم يخطر على بالي أي شيء بخصوص المصل، فذهبت إلى طبيب جراحة آخر، والذي آثار خوفي بتأكيده أن الجرح الناتج عن عقر الكلاب لا يتم خياطته إلا بعد مدة معينة للتأكد من تطهيره وعدم دخول سائل اللعاب إلى الدم».

يوضح حسام أن حديث الطبيب جعله غير مُطمئن للتعامل مع المستشفى الحكومي، لاسيما بعدما طلب منه الأخير القيام بتحاليل دم، اكتشف من خلالها عدم فعالية المصل، وخلو دمه منه نهائيًا: «لم يمر 24 ساعة على العضة بعد، ولم يصل سائل اللعاب إلى خلايا المخ لحسن حظي».

كان مصيره أقل ضررًا من حالة «أحمد» سالفة ذكر، رغم اشتداد الأعراض عليه، فلجأ «حسام» إلى الوحدة الصحية في منطقة المرج، وطالبهم قبل البدء في الكورس التأكد من فعالية المصل وصلاحيته: «هددتهم أنني على وشك الموت في حال عدم تناول المصل أو تناول مصل غير فعال».

6 أيام عاشها الشاب في رعب وخوف من عدم فعالية المصل، ولكنه لم يكن أمامه أي حل آخر سواه، حتى قام بعمل تحليل دم عقب الانتهاء من الكورس تبين خلو دماؤه من سائل اللعاب وعدم وصوله إلى خلايا المخ.

يختتم: «أمصال السعار غير متوفرة وإذا كانت متوفرة فهي غير فعالة في أغلب الأوقات، فالعقر أصبح يساوي الموت، ةارتفعت درجة حراراتي بشدة في تلك حينها بسبب ضعف المادة الفعالة، لاسيما أن الجرح كان غائرًا».

وفاة 95 ألف مواطن
الدكتور محمود فؤاد، مدير المركز المصري للحق في الدواء، سبق وكشف عن أن مصر بها حوالي 15 مليون حيوان مسعور، تسببت في عقر ما يقرب من 30 ألف مواطن عام 2017، مات منهم 59 ألفًا بسبب مرض السعار، من واقع أوراق برنامج العلاج على نفقة الدولة.


وأوضح أن وزارة الصحة تقوم باستيراد أمصال ضد السعار، بميزانية تقرب من 73 مليون دولار تزيد وتنقص حسب الحاجة، مبينًا أن تلك الأمصال عادة ما تكون غير متوفرة، ولا تحتوي على المادة الفعالة الخاصة بالمرض.

وأشار إلى أن عدم فعالية المادة الموجودة بالأمصال، تُعرض حياه المتداوي بها للخطر، لاسيما أن أغلب حالات العقر تكون من كلاب ضالة غير مرخصة أو مُطعمة، فيكون اللعاب الخاص بالمرض سهل الوصول إلى المخ.

ندى: «جرعتين من مصل السعار قضت على جديّ»
جد «ندى» -23 عامًا- لأمها، ضحية أخرى لأمصال السعار غير الفعالة بالمستشفيات، والذي كان قبيل وفاته يبلغ من العمر 54 عامًا، عُقر أثناء نزوله من منزله بمدينة بنها التابعة لمحافظة القليوبية، من كلب لدى جيرانه، والذين أصروا عقب الحادث بأنه مُطعم ضد السعار.


تروي الفتاة بأن جدها نقل إلى الوحدة الصحية في بنها، من أجل الحصول على المصل الخاص بالسعار، ولم يعبأوا بتأكيدات الجيران حول تطعيم كلبهم الخاص، تقول: «أخذ حقنتين على يومين متتاليين، بعدما كثف الطبيب المعالج له الجرعة لتكون خمس حقن فقط بسبب سنه الكبير».

توفى الجد في اليوم الثالث، بعدما ظهرت عليه طوال ليلة الوفاة أعراض مرض السعار، مثل الهزيان والعرق والهلاوس ووجع الظهر. الفتاه توضح أنهم فسروا الأعراض على أنها تخاريف كبر واشتداد المرض والإصابة عليه، لكن مفتش الصحة الذي أتى في اليوم التالي لوفاته لإتمام إجراءات الدفن، أخبرهم أن المصل لم يأت معه بمفعول وما بدا عليه كان أعراض للإصابة بالسعار.

تختتم الفتاة: «الجيران اكتشفوا بعد ذلك أن الأمصال التي يأخذها كلبهم كنوع من التطعيم ليست فعالة، لذلك فهو مصاب بمرض السعار، ويعقر مثل الكلاب الضالة».

خطوات العلاج الأولى
الدكتور أحمد عادل، طبيب في مستشفى الطب البيطري بإمبابة، يقول أن عضة الكلب تنقل فيروس لا علاج له في مصر اسمه "السعار"، مشيرًا إلى أنه يدخل الجسم مكان العضة مباشرة عن طريق اللعاب ويبدأ في الانتشار والاختلاط بالدم.

الخطورة تكمن بحسب الطبيب البيطري في وصول اللعاب إلى خلايا المخ، وهو الأمر الذي لا علاج له في العالم، فيموت المصاب بعد ساعات قليلة ولا يوجد حل آخر سوى وفاته، مبينًا أن الحلول الأولية عقب العضة هي غسل مكانها بماء نقي، وعدم خياطتها إلا بعد التأكد من خلوها من أي فيروسات.

"لا بد من الإسراع إلى أقرب وحدة بيطرية"، يقولها الدكتور عادل، مشددًا على ضرورة تناول المصاب المصل من هيئة المصل واللقاح، موضحًا أن المصل هو المادة الفعالة المضادة لمرض السعار، والتي تهاجمه وتقضي عليه قبل وصوله للمخ، واللقاح هو التطيعم لإعطاء الجسد مناعة لمحاربة الفيروس.

جولة تكشف انتهاء صلاحية الأمصال
سوء تخزين أمصال السعار في مستشفيات حكومية، أثبته "معدا التحقيق" خلال جولة رصدا خلالها وجود تلك الأمصال في كراتين مهملة، ودرجات حرارة مختلفة، بل أن بعض العمال والممرضين بمستشفيات كشفوا عن الكارثة الكبرى بتأكيدهم على انتهاء صلاحية بعض أمصال السعار.

في مستشفى المنيره الحكومية، أحد أكبر الجهات التي تحوي جميع الأمصال الخاصة بالعقر، منها الكلاب والعقارب والثعابين، استطاع "محرر الدستور" الوصول إلى مكان تخزين تلك الأمصال، والتي كانت محفوظة في كراتين متهالكة على الأرض وليس في ثلاجات أو درجات حرارة معينة، فلا بد من حفظ جميع الأمصال في درجة حرارة من 2- 8 درجة مئوية مع عدم ملامستها لجوانب الثلاجة بحسب نقابة الصيادلة.

عمال مستشفى المنيره خارج غرفة حفظ الأمصال، كشفوا عن أن بعضها يكون منتهي الصلاحية في أوقات كثيرة، تقول إحدى الممرضات: "الحاجات دي مبتتغيرش، وبتيجي تتحط في كراتين وتفضل مركونة هنا أوقات طويلة، حد تعب وجه بياخد منها، محدش جه بتفضل على حالها كدة".

ترجع الممرضة ذلك إلى ضعف الرقابة والتفتيش على أماكن التخزين، مضيفة: "أماكن التخزين مش مطابقة للمواصفات، وبتخلي المصل مش فعال مع كتير من المرضى، ومفيش تفتيش مستمر عليها، رغم أنها أمصال مهمة واللي مبياخدهاش بيموت".

"محمد.ع"، طبيب امتياز بالمستشفى، يؤكد أن الأمصال منتهية الصلاحية بالطبع لا تؤثر في جسد المتعاطي، أو منع وصول لعاب الكلب إلى خلايا المخ وتدميره ومن ثم الإصابة بمرض السعار القاتل، موضحًا أن أغلبية الأمصال فاسدة لسوء التخزين.

يرى الطبيب أن تلك الأمصال المغشوشة ذات الفعالية الضعيفة، تزيد من معدلات الوفاة بسبب مرض السعار في مصر، لاسيما أن الأطباء لا يعرفون حين يتم إعطائها للمريض إن كانت مخزنة بشكل خاطىء أم سليم، موضحًا أن الحال هنا مثل أغلب المستشفيات الحكومية لا تقوم بتفتيش دوري على تلك الأمصال.

65 ألف حالة وفاة سنويًا
الأرقام الرسمية تقول إن حالات الوفاة بمرض السعار في مصر تزايدت خلال الفترة الأخيرة. آخر تقرير رسمي أصدرته الهيئة العامة للخدمات البيطرية بوزارة الزراعة مطلع مارس الماضي، كشف عن أن عدد حالات العقر الآدمية من الكلاب والحيوانات الضالة، بلغت 400 ألف، توفى منهم 65 ألف حالة.


أما الهيئة العامة للخدمات البيطرية، أعلنت أنه خلال الأربعة أعوام الماضية كان عدد حالات العقر حوالي مليون و392 ألف حالة، بإجمالي 231 ألف حالة وفاة خلال الفترة من 2014 حتى 2017، وفي عام 2013 كانت 300 ألف حالة، بينما وصلت في 2017 إلى 398 ألف حالة بزيادة حوالي 25% خلال 4 سنين.
الإحصاء الأخير الذي صدر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في 2018 الماضي، أشار إلى أن هناك ما يقرب من 15 مليون كلب طليق بمصر.

وفي دراسة أعدها الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة المحلية وخبير استشاري المناطق العشوائية، خلال آواخر عام 2018 الماضي، قال فيها إن عدد الكلاب الضالة المنتشرة في القرى والمدن بلغ 22 مليون كلب ضال، بما يعادل عدد سكان 8 دول عربية.

أكثر من 430 ألف حالة تعرضت لـ"العقر"، تصدرت فيهم محافظات البحيرة والقاهرة والشرقية والجيزة الأكثر تسجيلات لحالات العقر، وشمال سيناء والوادي الجديد والبحر الأحمر ومطروح وجنوبها ومطروح الأقل، وفقًا للدراسة.

وأعلنت مؤخرًا لجنة الإدارة المحلية بالبرلمان، أن معدل الإنفاق الحكومي على أمصال وعلاجات الكلاب حوالي ٨٠ مليون جنيه سنويًا، واستطاعت محافظة بني سويف إعدام 17 ألف كلب ضال خلال العام الماضي، ومحافظة الشرقية أعدمت 7 آلاف كلب ضال، أما محافظة القليوبية أعدمت 14 ألف كلب.

الهيئة البيطرية تنكر وجود أمصال تحصين مغشوشة
الدكتور عبدالحكيم محمود، رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية، يقول إن هناك فرق بين المصل والتحصين، موضحًا أن التحصين هو ما يتم حقنة للكلاب منعًا لإصابتهم بالسعار وعقر المواطنين، أما المصل يتم حقنه للإنسان، في حال عقره من كلب.


ويوضح عبدالحكيم، أن الهيئة جهة رقابية على أمصال تحصين الكلاب فقط، لكن أمصال السعار تسأل عنها وزارة الصحة، نافيًا أن يكون هناك أمصال تحصين كلاب مغشوشة أو غير فعالة، رغم توثيق التحقيق حالات كلاب تم تطعيهما ومع ذلك أصبحت مسعورة وقامت بعقر أصحابها.
ads
ads
ads
ads