السبت 07 ديسمبر 2019 الموافق 10 ربيع الثاني 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
نرمين يسر
نرمين يسر

"رونا".. مُعاناة الأفغان بين التمزق واللجوء

الأربعاء 27/مارس/2019 - 11:40 م
طباعة


السينما الأفغانية تُبرز الظروف القاسية التي أعقبت الحروب المتتالية التيأدت إلى هجرة أبناءها
ما بين آلام الأم والوطن تأتي مُعاناة "عظيم" الذي حمل من اسمه عظمة الألم لا النجاح
استطاع الأخوين محمودي استغلالأحوال أفغانستان القاسية لتحقيق إبداع ولد من المعاناة



ظلت الحروب والمعارك التي تخوضها الولايات المتحدة، سواء بمفردها أو خلال قيادتها لتحالف دولي، مادة لا تنتهي لعشاق وصُنّاع السينما في هوليود، بداية من الحربين العظمتين ومرورًا بالخوض في مستنقعات فيتنام وحتى الاصطدام بجبال أفغانستان أو بحثًا عن نفط العراق. دائمًا ما تأتي أفلام هذه الحروب في سياق العديد من الأطر الإنسانية، التي قد تكون قصة رومانسية أو دراما عائلية؛ لكنها لا تتطرق مأساة الطرف الآخر ، أو عما يُعانيه أبناء البلد المحتل بشكل يُعبّر بصدق عن حقيقة هذه المعاناة؛ أقسى ما نُشاهده عن هؤلاء مجرد مجموعة من الـ"كومبارس" كمدنيين يتم إنقاذهم، أو يكون هؤلاء مخبرين أو مترجمين للجيش الأمريكي، شاهدنا هذا في عدة أفلام أقربها إلى الذاكرةBody of Lies2008، وThe Green Zone 2010.
وبينما تناولت سينما هوليود الحرب على أفغانستان باعتبارها الرسالة الأمريكية للحرب على الإرهاب، لم ينتبه أحد إلى ذلك البلد الذي تمزق منذ سيطرت عليه الفصائل المُتناحرة في أعقاب الخروج من بوتقة الاتحاد السوفيتي؛ لكن، جاءت السينما الأفغانية نفسها لتُبرز هذه الظروف السياسية والاجتماعيةالقاسية التي أعقبت الحروب المتتالية التي تمر بها البلاد منذ سنوات طويلةأدت إلى هجرة أبناءها إلى الدول الغربية أوالمجاورة، مثلمااستطاع الأخوين جامشيد ونافيد محمودي أن يستغلان هذه الأحوال شديدة القسوة لتحقيق إبداع ولد من المعاناة في تقديم عدة أفلام مميزة خلال السنوات القليلة الماضية.
عبر الأعوام السابقة عمل الأخوان محمودي على كتابة وإخراج ومونتاج أفلام "أمتار مكعبة قليلة إلى الحب" في 2014 وفيلم "فراق" 2016، وأخيرًا فيلم "رونا أم عظيم" 2018، الذيرُشِح للمشاركة في مسابقة الأفلام الأجنبية لجائزة الأوسكار، وفاز كذلك بجائزة أفضل فيلم روائي طويل من مهرجان شرم الشيخ للسينما الآسيوية، والذي انفرط عقد دورته الأخيرة في مارس الماضي.
يحكيفيلم "رونا" عن عائلة أفغانية تعيش في إيران كلاجئين حرب؛ وببساطة شديدة يتناول المخرج حياة العائلة اليومية، ويركز على أدق التفاصيل في حياة أفرادها. يبدأ الفيلم بمشاهد مقتطفة عن الابن الأكبر عظيم/ محسن طنابانده، الذي يعمل كعامل ليلي في طاقم صيانة البلدية في العاصمة طهران، وتبدو من أحاديثه مع زملاء عملهأنه يُعاني من عدم الإنجاب منذ عشرة أعوام من زواجه، وهو مادفع شقيقه الأصغر إلى التخلي عن والدتهما رونا/ فاطمة حسيني، لتعيش مع الأخ الأكبر "عظيم" لكي يُعِد نفسه وأطفاله للسفر إلىألمانيا؛ ويبدو أنالأم تحتاج إلى عملية زراعة كُلىلإصابتها بالفشل الكلوي،وهكذا يخوض "عظيم" في رحلة بحث عن متبرع بعد علمه بأنه مصاب بارتفاع ضغط الدم ولا يصلح للتبرع.
بالرغم من اعتماد سيناريو الفيلم على عدة موضوعات ميلودرامية، مثل اللجوء، والغربة، ومرض الأم؛إلا أن تدفق المشاعر العائلية تم تقديمه بشكل مناسب للحدث، وبعيدًا عن المبالغة أوالانفعالات غير المتسقة مع المشهد الآني، نجد البكاء في أوقات حزن الأم على ابن تخلى عنها تتناسب مع أوقات السعادة عندما تجتمع الأسرة على مائدة العشاء. تناول السيناريو هذا التباين منذ اللقطات الأولى في التركيز على مشاعر الأسرة تجاه بعضهم، والصراع بين الشقيقين الذيأدىإلى قطيعة، ليجعل القصة تبدو حقيقيةوقابلة للتصديق.
في ظاهره يبدو الفيلم بعيدًا عن السياسة أو التركيز عليها بشكل مباشر،لكنها طيلة الوقت تدور في الخلفية، فلا نستطيع الجزم بأن هناك مغزي مباشر لوضع سياسي غير مستقر سوى في المشاهد والأحداث الفاصلة، مثل رفض السلطات الإيرانية الموافقة على طلب نقل أعضاء مواطن إيراني للاجئأفغاني، ربما تبدو وكأنها نظرة دونية للاجئين، ولكن التأكيد على هذه الفكرة يظهر كذلك في طبيعة عمل الشاب "عظيم" نفسها في البلد الذي لجأت أسرته إليه للهروب من جحيم الحرب؛فالشاب واحد من أولئك المنهكين في صيانة البنية التحتية لمدينة طهران، عبر العمل في إدارة المجاري المائية والصرف،ما يجعله في معزل عن المجتمع الخارجي بسبب عمله وكذلك وضعه كلاجئ، فيخوض معركة أخرى في أيامه تدور رحاها بين آلام الظهر ، وشكاوي الضائقة المالية،وصعوبة الحصول على التأمين الصحي الذي يُلائم وضع أمه.
نجح المخرج في توجيه كاميرا محترفة بسلاسة شديدة، تتحرك بين لقطات طويلة معبرة عن البيئة والمكان الذى يدور فيه المشهد، وأخرىتعمل على اللقطات المتوسطة والمقربة تشترك في حوار الممثلين ليظهر الألم على ملامحهم؛ بالإضافة إلى استخدامه لمختلف الزوايا،إذ استخدم زاوية مرتفعة في مشاهد انهزام البطل النفسي في أثناء تلقيه خبر رفض الحكومة الإيرانية لطلب نقل الكِلية لوالدته، كما تميل الكاميرا لتصوير مشهد الحفل الملئ بالإثارة والترقب في وداع الشقيق المسافر؛ ما جعل الفيلم في مجمله يحمل من الجماليات الفنية والأداء التمثيلي يستحق هذه الجوائز القيمة والترشح لجائزة الأوسكار تحت شعار الفيلم "أمي هي حياتي"، فما بين آلام الأم وألم الوطن المُمزق تأتي مُعاناة "عظيم"، الذي حمل من اسمه عظمة الألم لا النجاح.