رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

حبيب عبد الرب سروري: هؤلاء ألهموني.. وقد يكتب الحاسوب الرواية بعد عقود "2 - 2" (حوار)

جريدة الدستور

في حوار ممتد على جزئين، التقت "الدستور" الروائى اليمنى حبيب عبد الرب سروري، للنقاش معه حول مسيرته الأدبية والعلمية، وتحدث في الجزء الأول من الحوار عن تجربته الروائية، خلفيات الأعمال الروائية التى بعضها تمس الواقع الاجتماعي اليمني والعربي، مثل "دملان" و"طائر الخراب"، وكذلك تعقيدات الواقع اليمني والعربي المعاصر، وإشكاليات الثورات العربية، كيف محاربة أيديولوجية «داعش» عن طريق حرب روحية معاكسة وقوى التنوير.

الجزء الثاني من الحوار، امتد فيه الأفق ليبدأ من مراحل التكوين العقلي للروائي اليمني الكبير، وصولا لمستقبل الرواية في عالم ينحو بخطوات متسارعة في طريق الذكاء الاصطناعي، وهو المجال الذي يعمل فيه ضيفنا، ليجيب عن السؤال: هل يمكن أن يكتب الحاسوب الرواية؟

وإلى نص الحوار:

• من الكتاب الذي ساهمت أعمالهم في تكوين عقليتك؟
- كثيرون هم الكتاب الذين ألهموني، يأتون غالبا من التيار العقلاني العربي كالشاعر الفيلسوف أبي العلاء المعري؛ ومن قائمة شعراء عظام كالمتنبي؛ ومن مفكري عصر النهضة العربية والأدباء الذين دفعوا بالعربية أدبا وفكرا إلى الأمام: توفيق الحكيم، جبران خليل جبران، نجيب محفوظ، محمود درويش، أدونيس، سلامة موسى. وبشكل رئيسي، من عددٍ من مفكِّري وفلاسفة وأدباء عصر الحداثة الغربي منذ قرن الأنوار (القرن 18). لكني قبل كل هذا ابن زمني، خلال معظم وقت قراءاتي، أتابع كثيرا مفكريّ وأدباء زمننا المعاصر غربيين وشرقيين معا.


• من تكتب معه عملا مشتركا؟
- في الأبحاث العلمية أو المقالات الفكرية، الأعمالُ المشتركة ممكنة جدا، وضرورية. كل مقالاتي وأبحاثي العلمية (أكثر من مائة) اشتغلتُ عليها وكتبتُها مع زملاء باحثين في مختبرات علمية.

يختلف الأمر عند كتابة رواية: هي عمل شخصي خاص بامتياز. أجد صعوبة في تخيُّل تأليف رواية مشتركة مع آخر، يكتب فيها الأسطر أو الصفحات ذات الأرقام الزوجية، وأكتب الأسطر أو الصفحات ذات الأرقام الفردية!

ولأن السؤال يداعبُ الحلم، والبحث عن أسماء كما أظن، فليكن الحلم هكذا: تسريب صُفيحات في عملٍ مشترك مع همنجواي في "الشيخ والبحر"، أو مع سلمان رشدي في "أطفال منتصف الليل"، أو مع عدد آخرٍ طويل عظيم من النوع نفسه.


• يقال إن الكاتب يقول نفسه عادة في أول رواياته هل كتبت نفسك باسم بطل من أبطال رواياتك؟
- أوّل رواياتي كتبتُها بالفرنسية: "الملكة المغدورة"، سرّبتُ فيها فعلا بعضا من الأحداث الحقيقية المرتبطة بسيرتي الذاتية في العقدين الأولين من حياتي. ثم "للتكفير" عن هذا "الذنب"، كانت روايتي الثانية: "دملان" أقرب إلى السيرة الذاتية المضادة: اختيارات بطلها في الحياة وقراراته المصيرية ومآلها كانت جميعها معاكسةً تماما كلية لاختياراتي وسيرتي الذاتية، ثم لم تعد سيرتي الذاتية حاضرة إطلاقا في أي رواية لاحقة، بشكلٍ أو بآخر، منذ روايتي الثالثة وحتي التاسعة: "وحي"، لكني أتركُ أحيانا في بعض شخوص الرواية شيئا من روح فكاهتي وسخريتي ولغتي، وبعض أمزجتي واتجاهات نظراتي وعلاقاتي بالمكان في أرجاء كوكبنا الأزرق.


• كيف ترى علاقة المثقف بالسلطة؟
- كمثقف، أحب، كما فعل وقال سارتر، أن "أضع أنفي وأقول رأيي في كل قضية تمس الإنسان"، وعلى نحوٍ يُقلق أحيانا السلطات السائدة، لأنه لا يخافها إطلاقا. روايتي "طائر الخراب" ظهرت في 2005 في اليمن، وكان طائر الخراب رمزا واضحا فيها لعلي عبدالله صالح، وقيادات السلطة القبلية والكهنوتية، كما لاحظ الجميع، مما قاد حينها إلى منع الدولة اليمنية حينها من خروج تلك الرواية من اليمن. غريب ومُضحكٌ ذلك: لأن الدول تمنع عادة دخول الروايات وليس خروجها!

أعرف أن وضعي الاجتماعي أسهل بكثير من وضع مثقف يعيش يوميا في معمعان سلطات ديكتاتورية يمكنها سجنه وحرمانه من مصدر رزقه، لكن الأهم دوما عدم التطبيل للحاكم، أو السقوط في شَركه، بل النقد الدائم له، ولو بلغة مبطّنة في الأنظمة القمعية.


• تهتم في عوالمك السردية بالتذكار والاستحضار؛ فما الذي فعله التراث بنا في تقديرك؟
- لا يمكن فهم الحاضر دون إدراك واستيعاب الماضي لأنه امتداد له. أقصد هنا: إدراك عميق يتكئ على المعارف التاريخية والفلسفية، علوم الاجتماع وعصبونات الدماغ وغيرها. العودة للتاريخ في رواياتي يتم من أكثر من زاوية: من سيروراته ووقائعه طبعا، كأحداث تنيرنا لاستيعاب الحاضر. لكني ألجأ غالبا أيضا إلى تخييل الماضي، وصناعته روائيا بما يتفق مع مسرح الزمان والمكان حينها. ويهمّني كثيرا أن يعيش القارئ كل ما أرويه عن الماضي تخييليا كما لو كان حقيقة، بل أن يقع في مطب الإيمان بأنه حقيقة مطلقة! الرواية لا توسِّعُ سيناريوهات الحاضر فقط، بل الماضي والمستقبل أيضا.


• تعيش بين ثقافتين؛ العربية ممثلة في موطنك الأصلي اليمن، والأوروبية حيث تعيش في فرنسا.. كيف ترى تلك المفارقة؟
- ليست مفارقة في رأيي، مثلما أجد في علاقتي بالعلم والأدب الذي تحدّثنا عنها سابقا، رئتين أتنفس منهما يوميا، ويساعدني تفاعلهما على استيعاب العالَم وعلى توسيع قُطْر دائرة حياتي، أرى في تفاعل الثقافتين العربية والأوربية تكاملا وثراء يرفد حياتي يوميا.

التنقل بين ثقافة اليمن وبلدان العرب عموما، من ناحية، وثقافات بقية العالم من ناحية أخرى، دائم ثابت في أعمالي. تمرُّ تيارات كهربائية منيرة وحميدة عبر التفاعل بين أقطاب مجموع هذه الأمكنة والثقافات.


• أنت متخصص في علوم الكمبيوتر والرياضيات؛ كيف أثر ذلك على كتاباتك؟
- في روايتي الأولى بالعربية: "دملان" كانت هناك أحداث روائية تخييلية يلعب فيها برنامج كمبيوتر يصنع الروايات الأدبية، اسمه "شهرزاد"، دورا رئيسا. وفي روايتي ما قبل الأخيرة: "حفيد سندباد" روبوت مؤنسن له ملاكات إبداعية شبيهة.


• هل تتوقع أن يكتب الحاسوب يوما رواية؟
- كتابة الكمبيوتر للرواية الأدبية حلمٌ بدأ مع اختراع الكمبيوتر وعلوم الذكاء الاصطناعي في منتصف القرن الماضي. وانجزتْ علوم الذكاء الاصطناعي، في السنوات القليلة الماضية، طفرةً فيما يسمّى "الذكاء الاصطناعي الموجّه" الذي يستطيع محاكاة دماغ الإنسان، بل يتجاوزه في مجالات محدّدة، مثل لعبة الشطرنج (الذي يستطيع اليوم أصغر برنامج في هاتف جوّال هزيمة بطل العالم فيه)، لعبة "الغو" الأشد تعقيدا بكثير من الشطرنج، التحليل الآلي للصور، وعدد آخر كبير من المجالات المحددة.

أما في "الذكاء الاصطناعي غير الموجّه"، الذي يحاكي فيه الكمبيوترُ الذكاءَ البشري عموما، فما زلنا بعيدِين عن الهدف، ورغم ما حدث من تقدّمٍ هائل مؤخرا في الترجمة الآلية، التي تستخدم الذكاء الاصطناعي، ما زالت علوم "الحوسبة اللغوية" غير قادرة بعد على محاكاة مقدرات الدماغ البشري فيما يتعلق بتحليل مدلول النصوص اللغوية وصناعتها آليا. ولا أظن أن الإنسان سيحقق تقدما عبقريا، في مجال الصناعة الآلية للروايات الأدبية، قبل أكثر من ثلاثة عقود من الآن.


• ما رأيك في الجوائز والمسابقات الأدبية؟
- الجوائز والمسابقات الأدبية بإمكانها أن تكون مصدرا إيجابيا لحراك ثقافي أدبي وجدل وتنافس وتحفيز، أو عكس ذلك. لعلها، حيثما تُمارَسُ كتقليد، في هذا المجتمع أو ذاك، تعكس مستوى الحرية والثقافة واستقلالها عن السياسة فيه، ومدى الفساد السائد.


• هل تؤدي الجوائز دورها في الإشارة للمواهب أم أن الأمر يأخذ منحى آخر؟
- السيناريو الأمثل في رأيي، الذي يجعلها مصدرا إيجابيا وليس سلبيا، هو أن تكون هناك لجنة تحكيم لا تقل عن عشرة ممن برهنوا نقاء سلوكهم الشخصي، إيمانهم بحرية الأدب والفكر وشجاعتهم للدفاع عنها، ومستواهم النقدي والفكري العالي، وثقة الجميع بهم. ويكون لعضو التحكيم مصدر دخل ثابت لا يرتبط بدولة أو بأخرى، يجعله لا يتضرر من رأي.

الجائزة المقدّمة للأديب يمكنها أن تكون رمزية: واحد دولار مثلا! لكن الثقة باختيار لجنة التحكيم، من قبل القارئ، يقود إلى شراء مئات آلاف النسخ من العمل الفائز، تمنحه بذلك رصيدا شعبيا متجذرا، وجائزة مالية عالية جدا، وإمكانية نموذجية سعيدة للتفرّغ المستقّل للكتابة مدى الحياة بعد الجائزة.

بالطبع، هذا سيناريو مثالي، بعيدٌ عن واقعنا العربي المعاصر الذي يعثو فيه الفساد والأمية والفقر وكبح كل الحريات. لكن نحو تحقيقة يوما يلزم أن نتّجه خطوة خطوة.


لقراءة الجزء الأول من الحوار اضغط هنا