القاهرة : السبت 20 أبريل 2019
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
الثلاثاء 12/فبراير/2019 - 06:10 م
د-مينا-بديع-عبدالملك
د-مينا-بديع-عبدالملك

الكنيسة وحياة التسابيح الصادقة

dostor.org/2514963

الفضائل فى الحياة المسيحية متشابكة، فلا غنى لفضيلة عن فضيلة أخرى. فالصوم يحتاج إلى صلاة، والصلاة تحتاج إلى صوم، والاثنان يشددهما السهر والثلاثة يحفظها الاتضاع والأربعة يملك عليها الهدوء. فلا غنى للكل عن الواحد ولا الواحد عن الآخر.
آباء الكنيسة الأولون الروحانيون يحذرون من خداع الذات، فيتوهم الإنسان أنه وصل إلى هذه الفضائل من مجرد فهمه للكلام أو حفظه للجمل والعبارات أو ترديد هذا الكلام باطلًا - كما لقوم عادة - فهناك فرق كبير بين الفهم والعمل. فمتى فهم الإنسان فليفرح ويجاهد للعمل فى هدوء، ويحذر آباء الكنيسة الأولون من الثرثرة وكثرة الكلام والظهور بمظهر المُعلم فيضيع الكنز الحقيقى للإنسان، فليكن الواحد منا مثل السيدة العذراء يحفظ كل تلك الأمور، متفكرًا بها فى قلبه.
كان هناك فرق شاسع بين نظرة السيد المسيح لمجد الهيكل وبين نظرة الكتبة والفريسيين وعامة اليهود. فالسيد المسيح كان يرى مجد الهيكل كونه بيت الصلاة «بيتى بيت الصلاة يُدعى»، أما جماعة الكتبة والفريسيين وعامة اليهود فكانوا يرون مجد الهيكل فى ضخامته وزينته وحجارته وذهبه وفضته وتاريخه وأشخاصه الذين بنوه!!. أليس هذا هو الواقع الحالى والمؤسف، إذ قد تحولت بيوت العبادة إلى متاحف للزيارات وليس للعبادة الصادقة!! بل تم وضع الكاتدرائيات الكبرى- وبعض الكنائس الكبرى بالقاهرة- تحت تصرف القيادات الدينية بسبب ما تحصل عليه من أموال المتبرعين!! وفى هذا الشأن أتذكر أنه فى شهر أبريل من عام ١٩٩٣ كنت أحضر مؤتمرًا فى الرياضيات التطبيقية بمدينة «ستراسبورج» بفرنسا، وهذه المدينة بها جالية يهودية كبيرة. وفى أحد الأيام وأنا فى طريقى لقاعة المؤتمرات شاهدت معبدًا يهوديًا، ففكرت أدخل المعبد لمشاهدته من الداخل. فسألنى الشخص المكلف بحراسة المعبد عن سبب دخولى؟ فأخبرته: لمشاهدته من الداخل. فقال لى: الدخول من أجل العبادة وليس للمشاهدة. فانصرفت وأنا معجب جدًا بهذا الرأى السليم: أماكن العبادة للعبادة فقط، وليس للمشاهدة والتقاط الصور التذكارية.
كما أتذكر أيضًا أنه فى ديسمبر ١٩٥٩ قام البابا كيرلس السادس بإقامة كاهن يحمل اسم الأب بيشوى كامل على كنيسة تحمل اسم مار جرجس بمنطقة سبورتنج برمل الإسكندرية. وكان مبنى الكنيسة بسيطًا للغاية، مجرد سقف فقط وأرضية عليها مجموعة من الكراسى لجلوس المصلين، والكنيسة لها باب خشبى بسيط. وكان كاهن الكنيسة نشطًا جدًا فى خدمته لأبناء شعبه، ليس فقط الأقباط ولكن أيضًا لإخوتنا المسلمين المحتاجين لأى نوع من المساعدات، إذ كان ذلك الزمن هو زمن الحُب. فتكاثر شعب الكنيسة وازدحمت الكنيسة بالمصلين الحقيقيين من أجل العبادة الصادقة. ولأن المنطقة كانت من الأحياء الراقية بالإسكندرية، ففكر البعض فى مساعدة الكنيسة لبناء كنيسة أكبر!! وفعلًا تم البدء فى هذا المشروع، وفى شهر ديسمبر ١٩٦٨ تم بناء كنيسة كبرى، ما زالت قائمة حتى الآن تؤدى خدمة صادقة. حدث فى إحدى جلساتى مع الأب بيشوى كامل، كاهن الكنيسة قال لى بالحرف الواحد: (كان مالنا ومال الكنيسة الكبيرة هذه، كنا كنيسة صغيرة وعلى قدنا وربنا بارك فى كل شىء).
أما تعليق السيد المسيح على الشعور الخاطئ الذى كان عند جماعة الكتبة والفريسيين المرائين وجماعة اليهود فكان توجيه نظرهم أن الحجارة لا بد ستُنقض، أما مجد البيت فاسترده السيد المسيح لنفسه ليبنى به الكنيسة فى كل أنحاء العالم.. وقد صار بالفعل لأنه - كما يقول القديس أغناطيوس - «حيث يوجد المسيح تكون هناك الكنيسة». وماذا لو غاب المسيح؟.
الكنيسة بدأت كالسيد المسيح غيورة جدًا على معنى بيت الصلاة!! فقد ورد فى سفر أعمال الرسل: (وأما نحن فنواظب على الصلاة وخدمة الكلمة). فقد بدأت الكنيسة قاسية جدًا على روح الرياء الدينى واختلاس أموال الكنيسة (كما ورد فى قصة حنانيا وسفيرة) وما زالت قصة «حنانيا وسفيرة» تُمارس حتى الآن بطرق وأنواع شتى!! كما ظهرت الكنيسة عدوة للمتاجرة بالمواهب والخدمات الإلهية (كما ورد فى قصة سيمون الساحر)، فالمواهب الكنسية (أى درجات الكهنوت والأسقفية) موجودة فى الكنيسة من أجل الخدمة الحقيقية وروح الاتضاع وليس لتكريم الذات.
فى العهد القديم بكى نحميا النبى بسبب أسوار أورشليم المُهدمة فحرص على ترميمها لعبادة الرب العبادة الحقيقية الصادقة، وقال: (هلمُ فنبنى أسوار أورشليم ولا نكون بعد عارًا). وفى العهد الجديد - فى عام ١٩٥٩ - عندما تولى البابا كيرلس السادس (١٩٠٢ - ١٩٧١) البطريرك ١١٦ مهامه البابوية - ولم يكن مستندًا على ذراع بشر - استهل رسالته البابوية الأولى بقوله: (يقول الرب: لحيظة تركتك وبمراحم عظيمة سأجمعك)، إذ أنه قد أتى إلى الكرسى البابوى بعد سلسلة من المخالفات الكنسية بدأت منذ ديسمبر ١٩٢٨ واستمرت بعد البابا كيرلس السادس. ماذا فعل البابا كيرلس السادس ليجمع الشعب بداخل الكنيسة فى حالة صلاة حقيقية؟ بدأ بنفسه، إذ كان يقيم الصلوات اليومية صباحًا من الخامسة إلى السابعة ثم يعود مرة أخرى ويقيم الصلوات المسائية من الخامسة إلى السادسة مساءً. انتظم الشعب - كبارًا وصغارًا - بالكنيسة حبًا فى الصلاة الحقيقية بدون شكليات فى العبادة. لم يكن هذا بالأمر الجديد عليه لأنه كان منذ رهبنته بدير البراموس فى ٢٥ فبراير ١٩٢٨ قد اعتاد أن يصلى يوميًا، وما أن جلس على الكرسى البابوى - طبقًا للتقاليد العريقة للكنيسة القبطية - ظل يمارس تلك الروح التقوية، تلك التى انتقلت تلقائيًا إلى أبنائه الكهنة والرهبان وبعض الأساقفة. ورأينا الكنيسة وقتها شعلة من الحياة الروحية الصادقة. كانت الخدمة الأمينة والملتحفة بالاتضاع التى قام بها البابا كيرلس السادس قد حولت الكنائس فى كل أنحاء مصر وخارجها إلى حالة صلاة دائمة، فانطبق عليه قول داوود النبى فى المزمور «أما أنا فصلاة»، كانت عيناه مُرّكزة على شخص السيد المسيح الراعى الحقيقى، ومن هنا نجح فى كل ما امتدت إليه يداه وحصّن شعبه بالصلاة.

ads
ads