القاهرة : الإثنين 25 مارس 2019
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
الثقافة
السبت 12/يناير/2019 - 07:34 م

سرايا الجابى

سرايا الجابى
إسلام البنا
dostor.org/2472003

شباب المبدعين «١-٢» القائمة القصيرة لجائزة ساويرس فى القصة والرواية

تابع الخواجة داود بعين مرهقة الوافدين الجدد وهم يستخرجون أسبتة البوص من الشاحنة.. عملاق وأحمقان، هكذا انتابه الشعور.. كان الخواجة نزق المزاج ذلك الصباح، كعادته أيام الآحاد، حين يتوافد العربجية ليشترى سيده بقايا خيول الحرب التى هان أمرها فوقعت تحت أيديهم القذرة.. لكن وصول المزيد من الخدم من ذلك الكَفر العطن كان أكثر مما يحتمل، ومما يحتاج.
اقترب ثلاثتهم بلا اكتراث من السلاملك كأنما يملكونه.. يصعدونه بأسبتة البوص وجلاليبهم القذرة بلا اعتبار للمقامات.
- استنى عندك منك له.
تخشب الثلاثة فهبط الخواجة بخطوات بطيئة تتناسب مع سنوات عمره المديدة.. وبرغم عمره الذى شارف على السبعين، إلا أن الرجل لا يزال يحتفظ ببقايا وسامة غابرة، كانت السبب فى أن أطلق عليه الجابى بك لقب الخواجة عندما التحق بالعمل فى السراى.
تعكز الخواجة على السور وعدل من وضع عويناته حتى سمح نظره الضعيف بالتدقيق فى ملامحهم.. قبل أن يصيح وهو يلوح بيديه:
- ده مش المدخل بتاعكم يا بهايم.
قادهم الخواجة بخطواته المتئدة حول السراى.. عدل عويناته من جديد عندما سمع حفيف أجنحة طائر يحلق مبتعدًا عن السور.. تابعه وهو يعبر سماء السراى، وتخيل للحظة كيف تبدو سراى الجابى لذلك الطائر.. لا بد أنها بدت كسجن عملاق بمساحتها الشاسعة وعشرات الخدم المتناثرين فى أرجائها.. سجن ظل نزلاؤه دون أن يخرجوا منه منذ… كم مر عليه داخل هذه الأسوار؟
أطرق الخواجة وتباطأت خطواته قليلًا، قبل أن يعاود المسير.. لم تعد هنالك فائدة تُرجى من إحصاء الشهور والسنين.
برغم انقضاء عهد الزيارات وحفلات السراى الصاخبة منذ سنوات، إلا أنه لا يكاد يمر شهر دون أن يصدر الجابى بك أوامره بجلب المزيد من الخدم، حتى ضاق بهم القبو.. كان مجرد تخيل المجهود الذى سيبذله الخواجة لتعليم هؤلاء الجهلة أصول الخدمة يصيبه بالإرهاق، لكن الجابى بك يصر على أن يستقدمهم «خام» كما يقول، ليستمتع بترويضهم مع خيله بنفسه.. لم يعد الخواجة يستطيع استقدام خدم متمرسين على أية حال.. من سيرضى بالسجن طواعية إلا الحمقى والمعطوبون، كالثلاثة الذين يتبعونه.
- بهايم!.
زفر الخواجة الكلمة فخرجت محملة بحرقة صدره.. لا يزال الرجل يتذكر زمنًا كان فيه العمل بـ«سراى الجابى» حلمًا يراود جميع الخدم من شتى أصقاع المحروسة.. لا يزال يتذكر طلبات العمل المتراكمة على مكتبه واستجداءات الأهالى لقبول ذويهم خدمًا فى السراى.. تلك أيام ولّت وولّى معها إقبال الخدم، بعد أن ذاع إن السراى تحولت إلى معسكر لا يخرج منه من يدخله.
يتذكر الخواجة تلك الظهيرة حين وقف كعادته بين الخدم فى طابور العرض على الجابى بك، مشدودًا كوتر قوس، يطالع موطئ قدميه كى لا تلتقى عينيه عينى سيده.. سمع الخواجة البك يقول من فوق صهوة جواده إن بوابة السراى ستغلق مع غروب شمس اليوم التالى، ولن تفتح لخروج الخدم إلا بإذن شخصى منه.. لا إجازات لا أمراض لا استثناءات.
- كفياكم فوضى بقى.. واللى مش عاجبه يمشى على النظام يدخل يلم زبالته ويغور بره السرايا.
لا يزال جسد الخواجة يقشعر حتى اليوم عندما يسترجع هدير الجابى بك يومها.. دومًا ما أدار الجابى بك السراى بنظام صارم يضاهى ذلك الذى اعتاد أن يعامل به جنوده فى الجهادية، لكن النظام الجديد تعدى الصرامة إلى الجنون.. لم يكن سيده دومًا بتلك القسوة.. لكن كل شىء تغير بعد أن عُزل الجابى بك من منصبه بعد أن كان أشهر أميرالاى فى وزارة الحربية، ومالك أروقتها الخلفية.. تزداد قسوته كلما ألمت به مصيبة جديدة من متوالية قضايا الفساد التى تراكمت عليه منذ عزله.
لعل الجابى بك كان يعتقد حينها أن خدمه لا يعلمون شيئًا عما أصابه.. لكنهم كانوا يدركون أكثر مما يعتقد سيدهم، وما تظاهرهم بالعكس إلا أحد آداب الخدمة.. يتظاهر الخواجة وخدم السراى أن الكونستبلات المنتشرين حول البوابة جاءوا لحماية السراى، بينما يعلمون أنهم هنا لتحديد إقامة سيدهم.. يتهامسون بذلك وهم يتناقلون أخبار الجرائد سرًا بعد أن يفرغ البك من قراءتها.. يدركون أن البك لم يفرض النظام إلا لأنه لم يرض أن يبق خدمه طلقاء يذهبون ويجيئون متى شاءوا بينما سيدهم حبيس السراى.
لم يرفع الخواجة داود يومها عينه عن موطئ قدميه.. لم يتحدث حين تجمع حوله الخدم بعد رحيل البك، يسألونه عما يعنيه النظام الجديد.. لم يكن لديه ما يقوله، فيما تتصاعد من حوله الهمهمات:
«هو هيحبسنا معاه»
«مهو ميصحش نفضل طالعين داخلين وهو محبوس يا ولداه فى السرايا»
«بيقولك الإنجليز هم اللى حابسينه، بيقولك عرفوا إنه على اتصال بالطليان»
«طليان إيه أنت كمان، ده ريحة اللى بيعمله فاحت»
«وإحنا مالنا... الله الغنى»
«هنروح فين بس يا ربى»
وبرغم قلبه الذى كان ينبض بالضيق وعقله الذى كان يغلى كزيت المرجل، وجد الخواجة نفسه يهتف وهو يشير إلى البوابة:
- قسمًا عظمًا، اللى هيخطى بره البوابة دى، هتأكد بنفسى إن مفيش فيكى سرايا يا مصر هتشغله... هقعده فى بيته لحد ما يموت.
قالها بشراسة ناهزت شراسة سيده.. لم تكن وظيفة كبير الخدم أن يناقش البك فى النظام أو أن يعدله.. وظيفته الوحيدة كانت، وستظل، أن يجعل النظام فطريًا لدى الخدم.
لم يواجه الخواجة داود اختبارًا أقسى من ذاك الاختبار طوال سنوات عمله.. استخدم كل ما فى جعبته من حيل كى لا تخلو السراى على عروشها من الخدم.. رهّبهم ورغّبهم.. قال إن المطاريد المترصدين بالسراى سيقتلون من يقرر الرحيل فى طريق العودة.. وإن من سينجو منهم ستحل عليه لعنات السماء لأنه خادم عاق هجر سيده فى محنته.. وعدهم، ولا يزال يعدهم، بأن سراى الجابى ستستعيد مجدها القديم.. وستعود البهجة والحفلات، فقط لو أنهم صبروا وأطاعوا. رحل منهم تلك الليلة من كان له عيال أو أزواج يسألون عنهم.. رحلوا محملين بلعنات الخدم الذين وصموهم بالخيانة والخسة والعمالة للإنجليز.. وبقى من كان على شاكلته ممن طلقتهم الدنيا فلم يعد هنالك ما يربطهم بالعالم خارج الأسوار.. وبمرور الشهور، أدرك الخواجة، كما أدرك الجميع، أن إذن البك بالخروج لن يأتى.. فرضوا بواقعهم، وتحملوا نزق البك وشراسته المتزايدة.. ولم يعودوا يسألونه الإذن.

ads
ads