الإثنين 17 فبراير 2020 الموافق 23 جمادى الثانية 1441
مدحت بشاى
مدحت بشاى

إعلام المواطنة لمواطن مُحترم

الجمعة 02/نوفمبر/2018 - 06:33 م
طباعة

قد يكون الوطن عقيدة ومذهبًا ودينًا، وقد يكون الوطن هدفًا أو فكرة أو حتى حلمًا، وعليه فإن مفهوم الاغتراب لم يعد مقصورًا على الاغتراب عن وطن وعشيرة وقوم فى كل الأحوال، فقد بتنا نطالع الاغتراب فى الوجوه والملامح لبشر قهرتهم فكرة أو لفظتهم مساحات البلادة والتخلف، أو قزمت قاماتهم قوى فوقية تمارس الفرز والتمييز، أو همشت وجودهم الإنسانى البسيط طواغيت الفكر الظلامى المقيت، أو أوصدت فى سبيل إبداعاتهم ورؤاهم الإنسانية كل الأبواب، وعندها يعيش المواطن فى النهاية خارج ذاته، ولأن ذاته كانت الوطن الأولى بالانتماء فقد عاش حالة «اللا منتمى» فى وطن يراه بلا ملامح أو خصائص، فيعيش الاغتراب فى الزمان أو المكان أو كليهما معًا، وعليه بتنا نطالع وجوه بشر توقف بهم الزمن ولم يعد لهم حلم معايشة الواقع أو حتى الهروب إلى مستقبل افتراضى.
الوطن للمواطن ليس بالضرورة مساحة أرض وماء وهواء وسماء، أو جماعة بشرية يتوه بين مواطنيه، لأن لهم ذات البشرة وبملامح تتقارب فى الشبه والروح، ويتحدثون لغته وتجمعهم به جنسية مشتركة... إلخ.
وعليه، فإن أجهزة الإعلام بقدر ما تمثل من مؤشرات لقياس حال «المواطنة» فى أى مجتمع، فهى قد تؤثر سلبًا أو إيجابًا فى دعم وتوطين ثقافة المواطنة لدى الشعوب. ولعل المجال يضيق بمناقشة تلك المؤشرات التى تدلل بها وسائل الإعلام على حال المواطنة، وأيضًا حالات الإعلام المؤثر فى تنمية وتفعيل المواطنة فى مجتمعنا المصرى.. وأرى أننا الآن نرصد نوعيات من الإعلام تتجه إلى صياغة نماذج إيجابية فى حالات قليلة، وصياغة أخرى سلبية فى حالات هى الأكثر وجودًا وانتشارًا للأسف.
ولعل من النماذج الإيجابية التى بتنا نتابعها يتمثل فى «إعلام المكاشفة الموضوعى»، ويُقصد به التناول العلمى الجاد لجميع علل ومشاكل تحول دون نشر مفاهيم المواطنة، فيتاح عبرها فتح حالة حوار وطنى جاد لا يسعى للإثارة من خلال فض أوراق ملفات بعضها كان مغلقًا على ما فيه، والآخر قد تم الالتفاف حول قضاياه الأهم، وكان أغلبها يستحيل الاقتراب منها.
وفى مجال السعى نحو تحقيق المواطنة نأمل أن تشهد الساحة الإعلامية تناول قضايا ملحة على أرضية جديدة أكثر انفتاحًا وجرأة والتزامًا بشفافية العرض، وبالسرعة المطلوبة ورد الفعل الأكثر اتساعًا.. ولعل ظهور جماعات وتيارات إصلاحية تقوم أحيانًا بتبنى وجهات نظر متجددة تسعى إلى تحريك قوى المجتمع المدنى لدفع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية للقيام بدورها فى دعم قيم «المواطنة» وتفعيل مفاهيمها، وفى هذا الإطار أرى نموذجًا إيجابيًا لإعلام يتفهم ويتبنى تقديم رسالة إصلاحية داعمة لتفعيل الاصطفاف المحايد من أجل تقديم وجهتى النظر الموالية والمعارضة بشفافية، ما يحقق صدى جيدًا فى الشارع المصرى.
أيضًا نتابع إعلامًا إيجابيًا يهتم بالبسطاء والمهمشين عبر فتح قنوات الاتصال الإعلامية الصادقة بوسائط مختلفة تشى بحالة من التواصل الإنسانى الجديد مع مجتمع الشارع فى العشوائيات والقرى والمراكز النائية التى ما كان يعلم أمر وجودها على خريطة المحروسة أحد.. ويعد هذا أيضًا أمرًا طيبًا غير مسبوق فى تاريخنا لأن إهمال هموم وطموحات أى قطاع من المواطنين كان من شأنه أن يُحدث تراجعًا إضافيًا فى حال «المواطنة» فى مصر.
ولكن للأسف هناك العديد من الصور والنماذج الإعلامية الجديدة التى تحاول أن تُحدث قدرًا من التوازن الغبى عبر اللعب على محاور متضادة الأهداف والاتجاهات فى تصور أن ذلك يتيح لها قاعدة أكثر اتساعًا من القراء أو المستمعين أو المشاهدين، فتكون النتيجة تراجع المصداقية وبهتان المشهد الإعلامى والتأثير السلبى على حال «المواطنة»، وهو إعلام يتصور صانعوه أنهم يقدمون نموذجًا حرًا مستقلًا.
أيضًا هناك بعض القنوات الفضائية الدينية محدودة العدد، وكذلك نوعية من الصحف القليلة التى تعمل بشكل جاد وأمين وصادق فى مجال إثراء الوعى الدينى والروحى النبيل ونشر المفاهيم التى تعلى من قيم الانتماء للأديان وتوظيفها فى الدعوة إلى الإصلاح والتقدم والمزيد من العمل الجاد والإنتاج الطيب ونبذ العنف ورفض التزيد فى أشكال التدين المظهرى... إلخ، وأرى ضرورة أن تجد هذه المنابر الإعلامية المعتدلة دعمًا مجتمعيًا لمجابهة هذه الموجة الشرسة من قنوات وصحف أخرى تعمل وفق رؤية متعصبة وطائفية بتنا نستشعر خطورتها وتأثيرها فى الشارع والمسجد والكنيسة، بل داخل بيوتنا عبر رسائلها السلبية التى تضخمت من حيث المحتوى وأعداد متابعيها واجتذاب كوادر من الشباب محدود المعرفة والتجربة والخبرة بدعوى العمل من أجل حماية الأديان والمعتقدات عبر رسالة رئيسية يتم تكرارها بأن هناك نظمًا وحكومات لا تحكم بعدل الأديان وشرائع السماء، وأن الفضيلة تنتحب والعقيدة تتوارى أحكامها ونواهيها ودعواتها المقدسة فى مجتمع يرونه يسعى إلى تحقيق تقدم أرضى زائف.