رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

أينما عربد الشر فإن الله معنا


شعب مصرى عظيم، منذ أرادكم الله أن تسبقوا فجر التاريخ، وتوقظوا العالم على حضارة، ما زالت شغلكم الشاغل إلى اليوم.. شعب عظيم، أرادكم الله وجهًا للخير، تشبهون النيل الذى يجرى فى أرضكم.
فى أى مكان تمرون به، تُزهر الدنيا.. مررتم على الحضارة فعمرتموها.. مررتم على الآداب والفنون الجميلة، فطرحت أزهارها اليانعة فى كل ربوع الدنيا.. مررتم على إنجازات الحياة الكبيرة، فحققتم أشياءً عظيمة.. ومررتم على السلام والأمل، فنقلتم لنا عدوى الفرح، وصرتم مدينة العيد.. أنتم الأمس العتيق والأمس القريب.. حطمتم بارليف.. أنتم، بالدم المصرى الكريم الطاهر، الذين شققتم قناة السويس وطوعتم المستحيل.. بالملايين التى نزلت فى ٣٠ يونيو ٢٠١٣، أبهرتم الدنيا، وأنتم الذين ستذهبون إلى الانتخابات وستحققون النصر.. أينما عربد الشر، فإن الله معكم، والحق معكم، والجيش والشرطة معكم، وكل المؤمنين بحب مصر، حتى نحن.. حتى نحن، جئنا من آخر الدنيا، لنقول معكم (تحيا مصر).
بهذه الكلمات التى تدخّل قلمى لتعديل لهجتها اللبنانية الصرفة، وقفت الفنانة القديرة ماجدة الرومى، موجهة كلامها إلى الشعب المصرى، ممثلًا فيمن جاء لحضور حفلها والاستمتاع بفنها الرفيع.. إنسانة رقيقة من بلد (الأرْز)، تعرف قدر مصر ومكانتها، ربما أكثر مما يعرف بعض أبنائها عنها.. قالت كلمتها فى زمن، عزّ فيه قول الحق، وماتت الضمائر فى صدور بعض حامليها.. وهى الشهادة الثانية فى حق المحروسة دومًا، أسوقها هذا الأسبوع، بعد شهادة ضيفنا العربى الذى جاء فى رحلة العشر ساعات سفرًا، لحضور حفل الفنان عمر خيرت، وحكيت روايته فى المقال الماضى.. أحب بلدى، حبًا لا مجال للمزايدة عليه أو المنّ به، وأتيه فخرًا بكل كلمة حق عنها، تخرج من قلوب من أحبوها، واعترفوا لها بالفضل، فى ماضيها وحاضرها، ويثقون أن الخير فى رِكابها، والسعد فى أكنافها، ومستقبلهم موصول، إذا هى بقيت مصونة الجانب، قوية الشكِيمة، يبقى بها أهل الأرض فى منطقتها العربية الراقدة على بركان من نار الإرهاب، معلقة بأهداب البقاء، بعد أن مزقها الإرهاب الأسود، ليبقى عمود الخيمة (مصر) منتصبًا، وقد تعلق به كل من أراد لنفسه النجاة من شر ما آل إليه البعض الآخر.
هذه مصر التى يقودها عبدالفتاح السيسى.. سفينة فى بحر لُجى، يحيط بها الموج من كل جانب، وما زالت تواجه الأنواء والأعاصير، والرُبان قابض على الدفّة لا يحيد عن نفس الصراحة التى جاء بها وطرحها على شعبه، حينما دفعه لتولى الأمانة فى انتخابات الرئاسة الماضية.. وقتها تحدث لساعتين إلا ربع الساعة، موجهًا كلامه لذات الشعب المصرى، عن فهمه للتحدى الذى لن تقدر عليه الدولة وحدها.. وسأل الجميع: هل أنتم مستعدون لوضع كل قدراتكم لدعم حركة الدولة؟.. وانتهج اللقاءات الدورية مع الشباب وممثلى الدولة المصرية، ليصل إليهم برسالته التى لن يقدر الإعلام على إيصالها، بالتجرد والأمانة والشرف والصدق المطلوب، لأنه يدرك أنه إعلام (ميعرفش وميقدرش.. واللى ميعرفش يمكن يهد البلد ويخليها تضيع.. أنا هأقول وأقول على الهواء، علشان تعرفوا إيه الحكاية، علشان تصبروا وتتحملوا.. مفيش غير كده)، علاجًا للداء، لأن كل التوصيف لحقيقة مصر، خلال الثلاثين عامًا الماضية، لم يكن حقيقيًا، كان خداعًا، وكان وعيًا زائفًا للمصريين.. ونتيجة لذلك، تحرك من تحرك و(شال من شال)، دون أن ندرى أننا ونحن (بنشيل) نحمل مستقبلنا على أكتافنا، بغض النظر عن مدى استعدادنا لهذا الحمل من عدمه.
إن الرئيس السيسى، الذى نحن بصدد اختياره لفترة رئاسية ثانية، ليكمل مشوار البناء والحفاظ على الدولة المصرية، صارح الشعب منذ اللحظة الأولى، بأنه لن يقدر على الحمل وحده، وطالب بأن يكون الجميع من حوله، يدعمون خطواته التى ارتضاها مستقبلًا لمصر التى يحلم بها، وتحمل المسئولية فى فترة رئاسته الأولى، وجعل من نفسه مسئولًا أمام شعبه، عن كل صغيرة وكبيرة، بشجاعة وجرأة.. جعلها مُعلّقة فى رقبته، يسأله الله عنها، قبل الشعب.. طالبنا بأن نصحو معه من السادسة صباحًا من أجل العمل لإصلاح هذا البلد، وتعويض ما فاتنا.. فهل كنا على قدر الطموح فينا؟.. التجربة أكدت أننا لم نكن على قدر المسئولية التى طالبنا بها الرئيس، ولم نبذل الجهد المطلوب، بينما قدم هو النموذج الذى كان يجب أن نهتدى به.. لم يجعل المصريون من دولتهم دولة متقدمة، تُفكر فى الأمر، تضع له السياسات، ثم تشرع فى التنفيذ.. ولعلنا نتذكر أن وزير الزراعة طالب بإنشاء مجتمعات متكاملة، ومرت ثلاث سنوات ونصف السنة، ولم يفعل، بالرغم من توالى ثلاثة وزراء على المنصب خلال هذه المدة.. فهل كان مطلوبًا أن يقوم الرئيس بتنفيذ ذلك بنفسه؟.. وقلنا نستصلح مليونًا ونصف المليون فدان، ولم يتحول الكلام برمته إلى فعل.. حددت وزارتا الزراعة والرى الأرض والمياه، ثم تراجعت، بالرغم من مرور عام ونصف العام على ذلك.. وزير التموين طلب إنشاء مناطق لوجستية لتوزيع السلع الغذائية فى المحافظات وعلى الطرق الرئيسية، ووافق الرئيس على مشاركة رجال الأعمال والقطاع الخاص فى ذلك، على أن يمنحهم الأرض المطلوبة والتصاريح اللازمة خلال شهر، ومر أكثر من ستة أشهر، ولم يحدث شىء.
المشكلة إذن فيمن عجزوا عن بذل الجهد أو التفكير العلمى السليم، لمواجهة الخلل الموجود فى كل المؤسسات، التى ما زال بعضها يُعانى من أقطاب الدولة العميقة، من أتباع إخوان الشر، وبعض الذين تولوا قيادتها وهم غير مؤهلين لهذه القيادة ولا يملكون أدواتها، ومن هؤلاء الذين يُسيئون اختيار الرجل المناسب للمهمة المناسبة، دون أن يدروا أنهم بذلك أفسد أهل الأرض، لأنهم أضاعوا العام فى سبيل الخاص، والبلد لا يتحمل مثل هذا القصور فى القيادات، لأنه لا يملك رفاهية الوقت ولا وفرة المال الضائع فى سوء الإدارة وترهلها.. والرئيس لا يحمل عصا موسى، يحقق بها وحده كل ما يريد.. فاليد الواحدة لا تصفق، وهو لا يستطيع أن يتدخل بالتغيير فى كل وقت، لأنه يؤمن أن مثل هذا المسلك يُفقد الثقة فى التكليف، وليس هناك من حل إلا أن يُحسن القائم على الاختيار اختياراته من اللحظة الأولى.. ومع هذا نجح الرئيس فى إقامة العديد من المشروعات القومية الكبرى، بتوفيق من الله، وجرأة ودأب منه، ومساندة من الجيش الذى يؤدى دورًا تنمويًا موازيًا للدولة تمامًا، أو كما قال الرئيس: «جيش يُقاتل الإرهاب، وجعلته فى خدمتكم، حتى لا تقع مصر»، فهل نعى أننا مسئولون جميعًا عن مصر، إلى جوار الرئيس ومن خلفه، وأننا لا يجب أن نجعلها معلقة فى رقبة السيسى وحده؟.. عسى.. حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين.