رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

محسن عيد يكتب: صفر الأحزاب السياسية

جريدة الدستور

محسن عيد يكتب:
صفر الأحزاب السياسية في الانتخابات الرئاسية
------------------------------------------------
كشفت الارهاصات الاولي للانتخابات الرئاسية عن فشل بدرجة صفر كبير للاحزاب السياسية ، فلا رؤية ولا خطة سياسية ولا برامج أو أفكار ،ولكنها فقط تسير في الركاب لتحقيق تواجد إعلامي دون مشاركة حقيقية في الواقع والوصول إلي المواطنين والتفاعل مع قضايا المجتمع..

وأثبت هذا الفشل للاحزاب السياسية رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي عندما رفض تأسيس حزب سياسي ليكون ظهيرا له في الانتخابات ،وهو ما حدا بالكثير إلي التأكيد علي أن السيسي يمثل حالة شعبية مختلفة تطغي علي الاحزاب ،وأن يبقي للشعب كله دون فئة تستأثر به ،فبقي الرئيس للشعب كله ،ليعلنها الخبراء " أن الشعب هو حزب الرئيس"..

ولكن اللافت للأمر أن الكثير من الاحزاب السياسية التي تجاوز عددها 100 حزب سارعت إلي إعلان تأييدها للرئيس في الانتخابات الرئاسية ،ولكن هذا ليس دليلا علي أن هذه الاحزاب لها وجود أو تمتلك التأثير في الشارع ،ولكن الامر يتعلق بمجرد الوجود الاعلامي ،لانها لا تستحوذ إلا علي أقل من %10 من قاعدة الناخبين..

ولأنني أدرك أن قادة الاحزاب سيعتبرون ما نطرحه معركتهم المقدسة للدفاع عن أحزابهم ،وسوف تتعالي أصواتهم وقد يتهموننا بعدم الحيادية أو الانصاف أو عدم المهنية ،وقد يطلقون تهديداتهم بالويل والثبور وعظائم الامور ،رغم أننا لا نستهدف غير نفض الغبار عن التجربة لتتأنق وتألق وتسطع شمسها في كل قري مصر ومدنها وأزقتها وشوارعها وحواريها،ولذلك فانني أحيل الامر إلي الانتخابات البرلمانية الماضية والتي شهدت إقبالا ضعيفا ومتدنيا ،وأرجع كل المهتمين بالشأن السياسي السبب إلي ضعف الاحزاب نفسها وعدم قدرتها في التأثير علي الجماهير،فرغم كثرة الاحزاب إلا أنه لم يخوض الانتخابات غير 44حزبا ،خرج منها 24 حزبا خالية الوفاض بلا أي مقاعد ..

حتي الذين أعلنوا من الاحزاب عن خوضهم الانتخابات الرئاسية، فقد أعلنوا وفي سرعة الصاروخ تراجعهم عن قرارهم ،ويعرف القاصي والداني أن السبب يتمترس خلف عدم قدرتهم علي تحقيق نصاب التقدم للترشيح من توكيلات الناخبين والتي يجب تكون في حدود 25 ألف توكيل من الناخبين ،مما يقطع – يقينا – علي هشاشة هذه الاحزاب وضعفها واضمحلالها..

وهذا الضعف والترهل الحزبي يجعلنا نقف علي عدة أمور أهمها:-
أولا: أن السبب الرئيسي في فشل الأحزاب يكمن في الأحزاب نفسها ، وبمسئوليتها عن افشال الفكرة الحزبية في اطار سببين . أولهما ، يتعلق بطبيعة النواة المؤسسه للحزب من حيث مصداقيتها وديمقراطيتها وقدرتها على الطرح المقنع من ناحية ، وعلى الصمود امام قوى الشد العكسي على الصعيد الشعبي من ناحية اخرى . أما الثاني فيتعلق في كثرة الاحزاب دون القدرة التواجد في الشارع العمل السياسي ،فتصبح جميع الاحزاب دكاكين استرزاق صفتها شخصية أو أبوية أو مالية ،وأن االمسار الحزبي في بلدنا مترهل وغير شعبي ولا متمسك بالمبادئ التي يطرحها .

ثانيا: أن الاحزاب لم تدخل معركة حقيقية منذ نشأتها في عهد الرئيس الراحل أنور السادات في عام 1976 ممثلة في المنابر،وشيئا فشيئا أدركنا أنها مجرد واجهات سياسية لدرجة أن الحزب الذي يرحل مؤسسه بالموت يبقي بلا رئيس ،ويتنازع علي رئاسته عشرات الاشخاص ،فيسقط الحزب غرقا في جب عميق لا نجاة منه، إلا من رحم ربي..

ثالثا: أن ضعف هذه الاحزاب هو الذي أفسح الطريق لجماعة الاخوان الارهابية المنحلة أن تتصدر المشهد ،ومن ثم تقفز علي السلطة بعد أحداث 25 يناير ،ولو أن الاحزاب السياسية كانت لها تنظيم حقيقي ووجود في الشارع المصري - دون التذرع بأن النظام آنذاك لم يكن ليسمح بتجربة حزبية حقيقية - لما استطاعت الجماعات الدينية من اعتلاء السلطة دون مقاومة من هذه الاحزاب ..

رابعا: بعد أن إختلست جماعة الاخوان السلطة في غيبة من الوعي ،وأدرك الشعب الهاوية التي يجرونه إليها ،ومحاولات تجريده من هويته ،ثار الشعب وانتفض دون أن يكون للاحزاب معركة حقيقية في هذه الانتفاضة التي مثلت عودة الوعي وعودة الروح للامة بأسرها في حماية قواتنا المسلحة ..

خامسا:أن كثيرا من الاحزاب هي أحزاب كرتونية أو ورقية في أدائها ،وأن أكثرها مجرد لافتات علي الحوائط والمباني دون برامج تستطيع أن تجذب الناخبين وبخاصة الشباب إليها ،وهو الامر الذي يعزوه البعض إلي أصول النشأة التي لا تخرج عن كونها أحزابا شخصية تقوم علي أشخاص مؤسسيها قبل عام 2011 الذين حصلوا عليها كمنحة من النظام آنذاك ، أو أحزابا دينية ،أو أحزابا مالية بعد أحداث 25 يناير.
سادسا: أن بعض هذه الاحزاب تقوم علي "الفهلوة" دون أن تكون هناك مصداقية لدي القائمين عليها ،لانه سرعان ما ينكشف كل مخادع في طريق العمل السياسي الجاد،إضافة إلي أن كثيرا من هذا البعض ليس لديه رؤية أو إحاطة بعلم التسويق السياسي الذي يعرفه العالم .

سابعا: إذا كنا نؤكد أن حركة الرئيس أسرع في تناول الامور والقضايا حتي من الحكومة نفسها ،للدرجة التي يطالب عندها الخبراء بحكومة لديها الكفاءة والقدرة علي ملاحقة سرعة الرئيس ،فان هذه القدرة التي يمتلكها الرئيس قد كشفت عورات الاحزاب السياسية أمام الشعب المصري الذي أدرك أن الاحزاب ليس لديها قدرة الحركة واستبيان والتفاعل مع سرعة حركة الرئيس.

ثامنا:أن حالة الفشل الحزبي يجب ألا تجعلنا نكفر بالتجربة الحزبية ،لان أسباب الفشل تعود بالاساس إلي عدم وجود تفاعل حقيقي بين هذه الاحزاب من جانب وقضايا الشارع من جانب آخر ، مما يجعلها ضبابية الرؤية للمستقبل ،ولكن إعادة صياغة الاحزاب لنفسها وتوجهاتها وفلسفتها يمكنها من التمدد إلي الواقع ،ومن ثم تكون لها معاركها الحقيقية التي تعود ساعتها بالايجاب علي الوطن ، والمشاركة الحقيقية في العمل السياسي ..

تاسعا: أصبح واجبا علي الاحزاب الموجودة أن تعيد قراءة واقعها قبل أن يحكم عليها الشعب بالتواري عن المشهد السياسي ،والبحث عن أساليب وطرائق جديدة ،لتنجو بنفسها مثل "الاندماج" وهو أحد الوسائل التي يمكن أن تعيد للتجربة قدرتها وتدب الروح فيها.

أخيرا: علي الاحزاب السياسية وقادتها الدخول في حوار حقيقي ،وانتاج استراتيجية جديدة تمكنها من لعب دور فاعل في المجتمع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بدلا من التعلق في قاطرة يقودها الرئيس ،دون أن يكون لهم دور سوي القفز في موكب الرئيس الذي ليس بحاجة إلي هذا النوع من الاحزاب...