رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

فى مركز الإبداع الفنى.. سلم نفسك للإبهار


فى مركز الإبداع الفنى بدار الأوبرا المصرية، تعرض بنجاح ساحق مسرحية «سلم نفسك» منذ نحو شهرين تقريبا. وهذا العرض هو أحد مشروعات الدفعة الثالثة لاستديو مسرح مركز الإبداع الفنى بصندوق التنمية الثقافية، الذى به يستكملون مسيرة ناجحة ولافتة لقطاع الإنتاج الثقافى، حيث قدم قبلا عروض «قهوة سادة» و«بعد الليل»، وكلاهما حقق نجاحا متميزا لدفعات سبقتهما فى التدريب بالمركز، ومنه انطلقوا ليحتلوا اليوم عن جدارة الصف الأول من نجوم الأعمال الدرامية والسينمائية.
«سلم نفسك» عرض مسرحى مبهر قدم فيه أبطاله كل ما يمكن أن يقال عنا، وفى هذا ستصيبك المفاجأة الأولى، عندما تبدأ فى التساؤل مع الدقائق الأولى وتوالى لوحات العرض، عن كيف ومتى تسلل هؤلاء الشباب تحت جلدنا ليأخذوا منا ويعطونا فى هدوء تشريحا مبسطا ومبدعا، لكل ما يمكن أن يكون قد دار بخلدك وحيدا أو ناقشته مع صديقك، أو ما دار فى أروقة منزلك وعملك، وفى الطريق العام أثناء سيرك أو قضائك أحد شئونك.
هذه الرؤية البانورامية، لسلوكيات ومشاكل وأزمات تحيط بنا ونتداولها، وتصيبنا بآلام جمة، قدمت فى مشاهد فنية أطلق عليها القائمون على العرض أنها تمت بطريق الارتجال. وهنا ستواجه المفاجأة الثانية؛ التى تمثلت فى حالة انضباط صارمة لجميع أدوات العرض، كى تخرج الصورة بدرجة إتقان فائقة لم يسمح بالتنازل عنها طوال «١٢٠ دقيقة» هى مدة العرض. التمثيل والملابس والإضاءة والموسيقى والغناء والديكور، والمؤثرات الصوتية والبصرية، ونسج هذه الروافد فى حركة وإيقاع يبدأ ليتناغم، صعودا وهبوطا، ومستقرا عند بعض مناطق التفكر والشجن والتأمل، كل ذلك بُذل فيه جهد جبار ومركز كى يصل بالمعنى، من أقصر وأجمل وأعذب الطرق الممكنة. وقد نجح بامتياز بدا على الجمهور منذ اللحظة الأولى، وامتد للحظته الأخيرة، قبل أن يلحظ الجميع أنه لا أحد يريد أن يغادر قاعة العرض، لا الجمهور يريد أن يرحل بعد تحية النهاية الحارة، ولا الممثلون والفنيون يريدون ترك لحظات نجاحهم تمضى.
وهنا يقف الجميع مبهورا أمام المفاجأة الثالثة؛ فالكل يريد أن يصافح الكل والجمهور عاجز عن أن يبدى إعجابه بشىء على حساب الآخر، ربما الفرحة الغامرة هى سيدة الموقف، لكن يصعب التعبير عنها بمجرد إبداء الاحتفاء. فالحقيقة أن الأمر يتجاوز العرض المسرحى، ليصبح مشهدا مؤثرا لنجاح يداهمك فلا تدرك تفسيره لوهلته الأولى، هل هو فقط مستوى العرض الذى يبدو عالميا بمقاييس العروض التجريبية المشابهة، أم أن شباب المبدعين هؤلاء وصلوا بنا إلى مساحات جديدة، بعثت فينا الفخر بأننا قادرون، وأنهم محل ثقة كونهم حتما قادمون.
التساؤلات التى ستصحبك طويلا بعد مغادرتك للعرض، ستبدأ من تلك النقطة تحديدا. فهذا اليقين، ترى كيف ترسخ فى وعى هؤلاء الرائعين، وماذا يحملون معهم فى هذا القدوم المثير؟. الحقيقة أن وعيهم تشكل عندما آمنوا بموهبتهم، ووجدوا أن العمل عليها هى الطريق لتحققها. لذلك تسعد وتفخر وأنت تتخيل حجم الجهد الكبير الذى بذله كل منهم، قبل الخروج أمامك ليؤدى دوره. وهذا جعلهم قادمين بدرجة من الإتقان والجدية، أضفت احتراما بالغا على التجربة برمتها. ومن ملامح هذا الإتقان أنهم لم يغفلوا جودة كل لحظة وكل مفردة صغيرة، كى يصلوا بأنفسهم قبل الجمهور لدرجة استمتاع فائقة. ومثلها الجدية التى وصلت بالمشاهد الكوميدية والاستعراضية، لذات الدرجة من جودة حمل الرسائل المستهدفة، دون أن تفقد طعمها المثير والباعث على البهجة.
بعد أن تنهى مرحلة التساؤلات وإجاباتها، ربما تعود لتلاقى بعضا من المفاجآت غير المتوقعة، فعرض «سلم نفسك» يشعرك على الفور بأنك قد نجحت، وتغزوك سريعا مشاعر الزهو بنفسك، هذا ما دار البعض منه بين الجمهور بعد المغادرة. وهى لحظة عفوية نادرة؛ أن تفخر بأنك أب أو أم لهؤلاء الشباب أبطال هذا العرض، على الأقل نحن لنا فيهم البعض مما أوصلهم لهذا المستوى المحلق فى فرحة التحقق.
لهؤلاء الأبطال جميعا، الصادقين فيما قدموه بعرض «سلم نفسك»، لا نملك أن نقول لهم سوى أن رسالتكم قد وصلت عقولنا وقلوبنا، ولا ندرى أيهما يسبق الآخر استمتاعنا أم فخرنا بكم. جعلتمونا نشعر باحترام بالغ للوقت الذى قضيناه فى حضرتكم، ونحمل لكم قدرا من الفرحة يبعث الضوء فى المشهد العام، الثقافى والإبداعى والحياتى على السواء. ويكفيكم أنه لم يخرج أحد من قاعة المسرح، إلا وتمنى أن يرى هذا العرض كل المصريين، وأن يجوب العالم سفيرا دالا على إبداعنا، وقدرتنا على إنتاج الإبهار الفنى المحترم.
الدكتور خالد جلال؛ مخرج العرض والجندى غير المجهول لهذه الورشة الفنية المتكاملة، المدرب والمؤهل الأول، صاحب هذه الفكرة وتلك الموهبة المتفردة، فى إخراج هذا العدد الكبير من الموهوبين الرائعين- لا تكفيك كلمات شكر على رسالتك التى تحملها وتعمل عليها فى دأب، فالأمر بالفعل تجاوز قاعة المسرح والعرض الفنى إلى بعد تنويرى وتربوى شديد الأهمية. بقدر ما أمتعتنا بإبداعك؛ لكن تظل لمعة عينيك الصادقة بنجاح أبنائك هى سمة الأستاذ الحقيقى الأصيل. نفتخر بك وأنت قد وعيت مبكرا أن هناك أدوارا عديدة، ومهام عريضة، على الكثيرين منا أن يتصدى لحملها والعمل عليها، وقد بذلت فيها الجهد بحب واحترافية، وضعت المشهد الإبداعى فى هذا القدر من الإتقان والإبهار.