رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

نقص الفوط الصحية يزيد معاناة السودانيات.. الدورة الشهرية تقتل أيضًا

نقص الفوط الصحية
نقص الفوط الصحية في السودان

زينب. م  لاجئة سودانية في دولة تشاد، هربت إليها للاحتماء بعيدًا عن أصوات الرصاص والدمار التي بسببها أُصيبت بالتوتر الحاد وأصبحت لا تسمع سواهما، عانت بشكل كبير من نقص حاد في مستلزمات الدورة الشهرية، خاصة الفوط الصحية وكونها نازحة فهي تمكث في منزل مكون من 6 أسر ما يجعل استعمال المرحاض صعبًا ويتطلب الانتظار طويلا مع وقت أقل داخله، إلى جانب ما تواجهه من نزيف دون توافر الفوط التي تمتصه.

"الدستور" يدق ناقوس الخطر لتعرض النساء لأضرار جسيمة نتيجة هذا الأمر، مستعرضة جوانبه الأساسية وتبعاته الحالية وعلى المدى البعيد.

 

معاناة صامتة للنساء السودانيات 

«3 ملايين امرأة على الأقل»، رقم يدق ناقوس الخطر بشأن تعرض السودانيات لمشكلات صحية ونفسية خطيرة بسبب نقص الفوط الصحية لعذر يأتي إليهن شهريًا، ويزيد معاناة النساء من الحرب القائمة داخل السودان، فالخدمات الأساسية لم تكن متاحة، وأصبحت المعاناة الصامتة لهن خاصة ذوات الإعاقة، تتزايد يومًا بعد يوم.

تحكي زينب لـ«الدستور» بنبرة صوت هادئة تحمل القلق والخوف معًا: «كوني لاجئة لا يحق لي العيش بصورة طبيعية، فالحياة والظروف أصعب ما يمكن وصفها، أمكث في تشاد منذ 3 أشهر فقط ولدىً أمل أن تنتهي الأزمة قريبًا».

استكملت: «عندما جاءتني الدورة الشهرية لم أجد ما يخفف عني من مسكنات أو ينسون أو نعناع، لم يكن هناك حل سوى ملائات سرير البيت، الأمر الذي يسبب حساسية وعدم راحة في الحركة، ولا يوجد حل سوى أن أتكور في السرير وأبكي، ولكوني نازحة مضطرة أن أساعد في ترتيب المنزل، حزينة ولكني مضطرة».

 

إكرام تستخدم قطن المراتب والمخدات

من ولاية كَسَلَا -بفتح الكاف والسين- إحدى ولايات السودان، نجد إكرام "اسم مستعار" وهي من نازحي الخرطوم منذ 4 أشهر، تحكي معاناتها مع عدم توافر الفوط الصحية، موضحة أنها استخدمت بدائل كالقطن الخاص بالمخدات والمراتب والفوط القماشية التي تعيد استخدامها أكثر من مرة.

تقول إكرام: «اضطريت لاستخدام القطن الخاص بالمراتب، كان الحل الوحيد أمامي لكي لا أتعرض لتسريب حاد في دماء الدورة الشهرية، الأمر مخيف بالنسبة ليً خاصة وأني أُعاني من فوبيا الدماء، ضربات قلبي تكون سريعة ويزيد الألم في صدري وغيرها من الأعراض التي تقف بيني وبين الدماء، الأمر مُخيف بالفعل وأرغب في حله بالطبع والتوصل لإنهاء الأزمة أو حلول بديلة آدمية ومناسبة».

واستكملت: «التهابات مهبلية وغيرها من المشكلات الصحية التي تعرضت لها جراء هذا الأمر وأصبحت أُعاني من أمور عدة بعدما كنتُ أعاني من نقص من الفوط الصحية، أصبح الأمر مختلفا وواسع النطاق، النقص زاد المعاناة الصحية والجسدية وأيضًا النفسية».

 

ابتسام تعتصر ألمًا.. نقص في المسكنات

«أصوات الضرب والخوف تزيد من ألمي فأصبح الوجع الضعف، أستلقي على الأرض خوفًا من التسرب الناتج عن ارتدائي القماشة، دائمًا أشرب المشروبات الباردة كي تخفف من نزول دم الحيض ولكن بلا نتيجة واضحة»، تقول ابتسام وهو "اسم مستعار" لسيدة من الخرطوم بحري، مدينة تقع في الناحية الشمالية للخرطوم العاصمة.

تشتكي «ابتسام» من قلة الإمكانيات المادية مع عدم وجود المستلزمات الخاصة بالدورة الشهرية من الفوط الصحية والمسكنات بسبب قصف مصانعها وغيرها من الأمور التي تعاكس توافرها.

 

وحدة ابنتها من ذوي الإعاقة.. وبامبرز كبار السن هو البديل 

 لم تقتصر المعاناة على الفتيات الأصحاء ومعاناتهن من نقص الفوط الصحية، بل امتد الأمر إلى ذوات الإعاقة، فالأمر برمته يحمل المزيد من المعاناة والقلق والتوتر، وتحكي "وحدة" -اسم مستعار- أن لديها ابنة في مرحلة المراهقة وهي من ذوات الإعاقة الحركية، وتُعاني فوق معاناتها من الحركة بنقص الفوط الصحية اللازمة لحمايتها وقت الدورة الشهرية، مضيفة أنها ترعى مختلف احتياجاتها، ولكن الأمر أصبح معقدا، فتستخدم الآن "فوط" كبار السن في حالة توافرها كبديل، ولكنه لا يعد بديلًا صحيًا بالمرة، وتُعاني ابنتها من التهابات شديدة، وتخشى أن يتطور الأمر بشكل لا يمكن تداركه مستقبلًا.

إزالة الرحم للفتيات أصحاب الإعاقات 

زينب صالح، عضو اتحاد ذوي الإعاقة الحركية والناشطة في مجلس حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، قالت إن ذوات الإعاقة تواجهن تحديات كبيرة بشأن قدرتهن على تنظيف الأماكن الحساسة بالنظر لإعاقتهن الحركية، بالإضافة إلى أن الحمامات غير مؤهلة.

وأضافت زينب صالح في تصريحات خاصة أن هناك بعض الأسر يلجأن إلى إزالة الرحم الخاص بالفتاة حتى تنقطع الدورة الشهرية تماما، بسبب صعوبة التعامل معها خاصة لأصحاب الإعاقات الذهنية، ولكن هذا القرار بالطبع صعب ولا تلجأ له الأسر إلا في أضيق الأحوال والظروف الصعبة كما هو الحال حاليا في فترة الحروب والنزاعات.

مبادرة فوطة تسد الخانة.. كل المناطق لديها احتياج

من رحم المعاناة نجد من يمد يده لتقديم المساعدات، وهنا يأتي دور المجتمع المدني مدفوعًا برغبة في المساعدة وتوفير متطلبات السودانيات، ويتمثل ذلك في مبادرات عدة من بينها "فوطة تسد الخانة" والتي خرجت للنور في 2020 سعيًا لتوفير الفوط الصحية للسيدات والفتيات في الظروف الطارئة واللاجئات في المُخيمات والنازحات من مناطق النزاع للاستجابة للحاجة العاجلة للفوط الصحية في خطوة إيجابية نحو خفض الفقر المرتبط بالدورة الشهرية والتمتع بحيض كريم.

تواصلت "الدستور" مع فاطمة أوشيك، مؤسِسة المبادرة، وأكدت أن جميع مناطق السودان تحتاج للإمداد بالفوط الصحية، والحاجة متزايدة بمراكز الإيواء الخاصة بالأسر النازحة، فأطلق مبادرتها منذ أيام حملة تحت عنوان "فوطة سلام" لتلطيف آثار الحرب على الفتيات والنساء بالسودان، مؤكدة شدة المعاناة المتمثلة في غلاء الفوط حال توافرها، نسبة لاحتكارها أو فقدان الكمية في المخازن  للموكلين والموزعين في الحرب، وكذلك صعوبة اللوجستيك والتحرك لنقل البضائع كل هذا يؤثر على توافرها في الأسواق.

وأضافت أوشيك، أن الاستغاثات تأتي لهم خاصة في مناطق النزاع مثل غرب السودان بالمراكز ومعسكرات النزوح، أيضًا بمدينة "ود مدني" والقرى الخاصة بها، وقرى الجزيرة، عطبرة وحلفا ودنقلا وكسلا.

 وفقًا لإحصائيات مبادرة "فوطة تسد الخانه" وصل سعر كرتونة الفوط الصحية إلى 16 ألف جنيه سوداني بالمقارنة بسعرها في  بدايات الحرب 10 آلاف جنيه سوداني، ولكن في الأغلب حاليًا انعدمت الفوط، حيث كان خط الإمداد يدخل عن طريق "ود مدني" وتوقف بشكل تام بعد تعرضها للقصف قبل حوالي 3 أسابيع.

الآثار النفسية والجسدية والصحية لنقص الفوط الصحية.. حملة  Let’s Talk Period!

قالت الدكتورة مروة تاج الدين -طبيبة وخبيرة في مجال الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية، ناشطة في مجال صحة الدورة الشهرية -مؤسسة  Let’s Talk Period إن هناك العديد من الفتيات تستخدمن عدة طرق بديلة لحل أزمة عدم توافر الفوط الصحية من بينها الملايات، والملابس القديمة.

أضافت تاج الدين لـ"الدستور": «فيما يخص الآثار السلبية للأمر على المرأة، تتضمن تعرضها للالتهابات في المهبل، ولو لم يتم معالجتها وهذا ما يحدث الآن بسبب ما تمر به البلاد من حروب، تتعرض لالتهابات في منطقة الحوض وفي حالة عدم معالجه التهابات الحوض يتسبب ذلك في صعوبة في الحمل أو العقم في بعض الحالات.

اختتمت الطبيبة والخبيرة في مجال الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية، بالقول: "فيما يخص حملة Let’s Talk Period، نبذل قصارى جهدنا الآن لتوفير المزيد من الفوط الصحية للنساء خاصه في  ولايات الشرق حيث النزوح الأكبر،  وحاليًا نستقبل التبرعات لتوفير اللازم، من أجل صحة نفسية وجسدية آدمية للمرأة في السودان".