رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

بوكو حرام

رحل القرضاوي الذي جاوز عمره التسعين عامًا ولم يستخدم أحد منا مصطلح (النفوق).. ولم يقل أحد منا لقد نفق، أما أتباعه وعشيرته فعندما يرحل عنا مفكرًا أو باحثًا أو كاتبًا يعلقون على رحيله بمصطلح النفوق.
فعندما رحل أستاذنا الدكتور (نصر حامد أبو زيد) وعندما رحلت عنا الدكتورة (نوال السعداوي) سمعنا بآذاننا ما ردده هؤلاء الأتباع ! وذات المصطلح الوضيع يسبق دومًا اسم الدكتور (سيد القمني) ومن قبله (سعيد العشماوي) حتى (جمال البنا) لم يسلم من لسانهم وبغضهم، وبالطبع كان لشهيدنا وشهيد الأمة المصرية الشهيد (فرج فودة) نصيب الأسد من تلك الأوصاف والكراهية المجانية، فلم يكتفوا بقتله لإسكاته بل مثلوا به وبغيره ومازالوا يفعلون وسيظلوا هكذا.
فتلك هي شيمهم لا شيمنا، وهذه ليست مصطلحاتنا، فنسيجنا اللغوي يخلو تمامًا من عبارات الشماتة في الموت، والذي لا نعتبره انتقامًا أو عقابًا إلهيًا فالموت حق والأصوليين يدركون ذلك، ورغم ذلك يتمنى هؤلاء موت من ليس على شاكلتهم إن لم يقتلوه بأنفسهم ويعتبرون رحيل أي مفكر أو مجدد فرحة عارمة وعقاب سماوي، وكأن لقاء الرب عقاب وكأنهم مخلدون.
والآن وكما يموت الناس مات شيخهم المؤسس للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والذي ذكرني رحيله بخطبته الشهيرة في ميدان التحرير عام ٢٠١١ فقد جاء خصيصًا ورأسًا من الدوحة ليقطف ثمرة ثورة الشعب بعد أن نضجت، وليُأسلم تلك الثورة (ثورة شعبنا) الذي نزل وطالب بالعيش والحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.. تمامًا كما فعل الخوميني وأقام دولةً دينية إسلامية في أمة فارس العريقة التي ثارت على حكم الشاه فسطى الخوميني وأتباعه على تلك الثورة وأسلمها، وجعل من الأمة الفارسية مجرد دويلة تابعة في مشروع يديره الملا والفقيه.
وكان مخططًا لمصر ذات المخطط الشيطاني لولا ثورة الشعب في (الثلاثين من يونيو) وانحياز الجيش لتلك الثورة الشعبية، فكل يوم نكتشف وتتكشف لنا قيمة وأهمية ثورة الثلاثين من يونيو والتي كانت المنقذ والمخلص وطوق النجاة للأمة المصرية.
ومنذ ثورة الخوميني عام ١٩٧٧ وحتى الآن يسقط الشهداء وتسقط الشهيدات تحت حكم ذلك النظام القمعي الأصولي الفاشي وحرسه الثوري الذي شكل جيشًا عشوائيًا باطشًا قبلته الدين لا الأمة أو الوطن، وثار الشعب الإيراني مرارًا ضد حكم الملا وولاية الفقيه، وقُمع كذلك ذلك الشعب مرارًا و تكرارًا وتكبد الويلات ومازال يتكبد ومازال الإيرانيون يثورون ويموتون للتخلص من تلك الولاية الملطخة أياديها بالدماء.
ومؤخرًا سقطت (مهسا أميني) شهيدة ذلك الفقيه والمشرع الإيراني الذي سمح ويسمح لشرطة الأخلاق باعتقال وقتل المواطنين، وكان نظير تلك الشرطة الأخلاقية في مصر ما اصطلح على تسميته آنذاك بـ(الشرطة المجتمعية) التي نادى بها (حازم صلاح أبو إسماعيل) ومرة أخرى أعود وأكرر أنه لولا ٣٠ يونيو، لقتل الحازمون منا شهيدًا كل يوم تمامًا كما قتل (الشيخ وليد) في مدينة السويس طالب الهندسة لأنه كان جالسًا مع خطيبته في حديقة عامة وبفعلته تلك يكون قد ارتكب فعليًا جريمتين، جريمة القتل وجريمة الافتئات على السلطة إتكاءً على شرطة الأخلاق المجتمعية والتي مكنته بعيدًا عن سيادة القانون من قتل النفس المحرمة فقتل بها واتكاءً عليها الناس جميعًا.
وباستشهاد (مهسا) في إيران بشرع الفقيه وادعائه بتطبيق صحيح الإسلام.. ثارت نساء إيران الفضليات وقامت بعضهن - ليس فقط بتحدي الفقيه وخلع الحجاب - بل حرقه وعلى رؤوس الأشهاد ونعلم جميعًا أن مجرد خلع الحجاب في إيران - لا حرقة - عملية انتحارية في ذاتها نسأل الله حسن عقباها كي لا تلحق تلك الفتيات الفضليات بميلسا ويكون لهن ذات المصير البائس في الدولة الدينية التي تعتبر الإسلام دين الدولة الأوحد.
فثورة الفتيات في إيران واستشهاد إحداهن مؤخرًا ثم رحيل القرضاوي ذكرني أيضًا بالهلاوس التي نطق بها أحد الأطباء التواقين للشهرة وتولي الحقيبة الوزارية بالمزايدة على الأسر التي ترسل فتياتهن لتلقي التعليم في الخارج، ولربط كل هذا ببعضه البعض وبعنوان المقال أريد العودة لنشأة جماعة (بوكو حرام) والمكونة من طلبةٍ تخلوا عن التعليم في يناير عام 2002 وتم تسميتهم آنذاك بـ(طالبان نيجيريا) وهي جماعة سلفية جهادية مسلحة تتبنى تطبيق الشريعة بقوة السلاح ويعني اسمها أن (التعاليم الغربية حرام) وبالطبع تعتبر تلك الجماعة (التعليم) في ذاته جزءً من تلك التعاليم الغربية المحرمة وخصوصًا تعليم الفتيات، ثم انضمت لجماعة (بوكو حرام) لاحقًا جماعة (أهل السنة للدعوة والجهاد) والتي غيرت اسمها بعد ذلك لـ(داعش) وبدأ تمرد حركة (بوكو حرام) بشكل فعلي وبدأت فعليًا حربها الطويلة ومارست القتل منذ عامي 2009 و2010 (وعلى القارىء مراجعة وربط كل تلك التواريخ والأعوام ببعضها البعض) وربط ذلك أيضًا بالقانون الذي صدر في فرنسا عام 2004 وهو القانون رقم (٢٢٨) والذي يحظر ارتداء الرموز الدينية أو ممارسة الطقوس الدينية في المدارس والجامعات الفرنسية.
وطرح الأمر للتباحث آنذاك وأثار الجدل في حينه في ضوء مواد القانون الدولي العام وتأرجح القانون الفرنسي بين مطرقة (العلمانية) ومبادىء حقوق الإنسان - التي أصل لها ولليبرالية أيضًا في فرنسا (فولتير) - وكل ذلك يرجع وبالطبع لمكتسبات الثورة الفرنسية وهي ثورة شعبية علمانية بامتياز فعلمانية الدولة الفرنسية التي تفصل الدين عن الدولة وتحول دون تحول رجل الدين لمصدر تشريع وتحظر تأثيره أو تدخله في الشأن العام، وهذا لا يعني أن العلمانية كفرًا أو أنها تحارب الأديان، هي فقط تعيد الدين لمكانه الصحيح وهو قلب المؤمن وسلوكه لا كرسي الحكم والسلطة، والعلماني قد يكون مؤمنًا أو حتى متدينًا فالعلمانية لا علاقة لها بالحجاب والممارسات الشخصية من مأكل وملبس وخلافه، التمييز بين الطلبة في مدارس وجامعات فرنسا هو ما تحظره علمانية الدولة الفرنسية.
وبالطبع لاقى القانون الفرنسي استهجانًا كبيرًا ليس فقط من جماعة (بوكو حرام) و(داعش) بل أزعج ذلك القانون العلماني وبشدة الشيخ (يوسف القرضاوي) آنذاك، فخاض حربًا شعواء لانقاذ الإسلام وأمة الإسلام من بطش العلمانية! فقطعة القماش التي توضع على رأس المرأة يبدو أنها وبالفعل جزءً أساسيًا من المشروع الإسلامي، وتعتبر أو تعبر عن فكرة (اليونيفورم الإسلامي) أو الزي الموحد الذي يعتبر زيًا دعائيًا يميز المسلمة عن غيرها ويروج وبالطبع وبلا جدال للإسلام السياسي بشكل غير مباشر لذلك اعتبر القرضاوي أن القانون الفرنسي العلماني يستهدف الإسلام والمسلمين.
رغم أن القانون حظر جميع الرموز الدينية المتعلقة بجميع الأديان وليس فقط الحجاب أو الإسلام، وأثرت حرب القرضاوي الضروس في فتيات فرنسا المسلمات فتسرب بعضهن من التعليم وبالتالي انضممن لجماعة (بوكو حرام) عن بعد، وبشكل نظري وأصبحن داعمين لفكرها والذي يتسق أيضًا مع فكر داعش.
فقد أعلنت (بوكو حرام ) ولاية إسلامية تابعة لداعش في إحدى مدن نيجيريا واستمرت الحرب وامتدت وتشظت ولم تهادن ولم تيأس حتى وصلت الطالبة الفرنسية المسلمة المحجبة (مريم بوجيتو) لرئاسة الاتحاد الوطني لطلبة فرنسا في جامعة السوربون، فالعلمانية ومبادئها التي تناهضها مريم وترفضها وبلا  جدال هي التي أوصلتها لهذا المنصب.
فلولا العلمانية والليبرالية ورحابتهما وقبولهما للأخر ما كانت (مريم) رئيسًا لاتحاد الطلبة الفرنسيين وتلك هي سخرية القدر وما أكثر الأقدار الساخرة التي لعبت أدوارًا شتى مع حركات الإسلام السياسي.
فالإسلاميون يتسلقون حبال الديمقراطية والليبرالية دومًا ليصلوا بها ومن خلالها لما يريدون ثم ينقلبوا عليها ويلعنوها ويلعنوا ويكفروا في ذات الوقت المؤمنين بها، يستخدمونها دومًا سلمًا للصعود والوصول ثم يهدموها ويشيطنوها فيما بعد، فلولا العلمانية الفرنسية ما كانت (بوجيتو).
ولولا فرنسا العلمانية ما وصلت تلك الفتاة لجامعة السوربون بل وظهرت على شاشات التليفزيون الفرنسي في عام ٢٠١٨ وهي مرتدية حجابها الذي ترتديه أيضًا في الجامعة، متحديةً القانون الذي تم سنه بعد أن مكنتها الليبرالية والعلمانية الفرنسية من كل ذلك، وقد تنبه صناع القرار والمشرعون للأمر مؤخرًا وأعتبروه خرقًا وتحديًا لسلطة قانون الدولة في فرنسا وترويجًا للإسلام السياسي.
ودخلت فرنسا في معركة ثقافية وجودية جدلية، فعلمانيتها ترفض التمييز بين المكونات المجتمعية في المجتمع الفرنسي على أساس ديني أو عرقي وهو أمر جدير بالإحترام - لا تحترمه (بوجيتو) - ولم يحترمه أيضًا (القرضاوي) الذي أشعل فتنةً منذ ذلك التاريخ، فتنةً ظلت مشتعلة حتى عادت الرموز والملابس الإسلامية وبالتحديد وعلى نطاق واسع للمدارس والجامعات الفرنسية هذا العام (2022)
وأعلن وزير التربية الوطنية الفرنسي فتح تحقيق حول عودة تلك الرموز الدينية الإسلامية للمدارس وبالتالي نصرت العلمانية (بوجيتو) وانتصر القرضاوي بالعلمانية في حربه ضدها وأشعل فتنته بفضل مبادىء العلمانية والليبرالية الفرنسية.
ورحل الشيخ في نفس العام الذي انتصر فيه على علمانية فرنسا وعاد الرمز الإسلامي و(اليونيفورم الإسلامي) لبيوت العلم والتعليم والتي أصبحت مرةً أخرى ساحةً للتمييز المجتمعي على أساس ديني بل وساحةً للترويج للإسلام السياسي الذي تتحداه وتحاربه الآن نساء إيران.