رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

أين اختفى المصريون فى طريق السويس؟

عندما نشر الدكتور جلال أمين كتابه المهم «ماذا حدث للمصريين؟» فى بدايات هذا القرن، لم تكن حدة التغيرات فى الشخصية المصرية خلال الخمسين عامًا التى علق عليها بمثل تلك الضخامة التى تبدو عليها الآن.. بالطبع كانت مادة الكتاب بمثابة محاولة جادة لقراءة التغيرات التى حدثت فى الشخصية المصرية خلال الخمسين عامًا الأخيرة من القرن العشرين، وإن تمت كتابتها بطريقة كوميدية ساخرة، وعبارات سهلة موجزة وبسيطة، لكنها كشفت لمن يهمه الأمر عن حفنة من التغيرات والأمراض التى شوهت الشخصية المصرية، وطمست ملامحها واستدعت محاولات للنهوض بها مرة أخرى، واستعادة الروح التى طالما ميزت مصر والمصريين لسيرتها الأولى.

فى ذلك الكتاب المهم، تناول الدكتور جلال أمين، أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأمريكية بالقاهرة حتى وفاته فى سبتمبر ٢٠١٨، عددًا من التغيرات التى طرأت على طريقة تعامل المصريين مع الحياة، ومع بعضهم البعض، وما شهدته مصر من صعود لطبقات وانهيار لطبقات أخرى أوشكت على الاختفاء، وسيطرة تيارات التعصب الدينى على مجريات الحياة الاجتماعية والثقافية، ومحاولات تلك التيارات التسلل إلى مسارات الحياة السياسية والاقتصادية، على أن هذا الكتاب الذى قوبل باحتفاء نقدى وجماهيرى واسع، بل دشن حضورًا خاصًا لكاتبه بين رواد علم الاجتماع البعيد عن تخصصه الدقيق، لم تتبعه قراءات أخرى تتابع تحركات الحياة فى مصر، وترصد انحرافات مساراتها، أو على الأقل تواجه تلك الانحرافات أو تحاول تقويمها، لا من مؤلف الكتاب ولا من غيره من الباحثين أو المهتمين، رغم وفرة المتخصصين فى الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، سواء داخل أسوار الجامعات المصرية أو خارجها، ورغم اتساع هوة الاختلافات، وظهور وسائط جديدة دفعت بجبال من المسكوت عنه إلى الظهور على السطح، خصوصًا تلك التى تتحفنا بها مواقع التواصل الاجتماعى، كل صباح، وبمختلف الأشكال والأنماط والصور فيما يشبه الطفح الجلدى الذى تحول إلى غزو غير منظم لكشف كل مستور، وفضح درجات غير متصورة للهمجية والتخلف والعدوانية.

صباح الجمعة الماضى كان التجلى الأمثل لواحدة من أوضح صور انحرافات الشخصية المصرية خلال السنوات الأخيرة، كشفت عنها وسائط التواصل الاجتماعى متجسدة فى حالة القسوة والعنف والعدوانية المفرطة فى كل عناصر فيديو سائق طريق السويس، جميع العناصر تصور حالة من الانحراف والهمجية غير العادية، بداية من مصور الفيديو، إلى سائق السيارة، إلى سائق «التريلّا» الذى صدمه من الخلف، وسيارة الشرطة التى أخفقت فى إيقافه، وتوصيفه بالسائق «المتهور»، ثم هجوم أصحاب السيارات التى تصادف وجودها فى الطريق على ذلك «المسكين» لحظة توقيفه، مرورًا بسيل التعليقات التى انهالت بالشتيمة والسب فى كل الاتجاهات، وطالت كل الأفراد والأشخاص المشاركين فى المشهد.

أغلب الظن أن من يتأمل ما حدث يمكنه أن يدرك حجم الفجوة الزمنية التى يعيش فيها المصريون، ما بينهم وبين بعضهم البعض، وما بينهم وبين الشخصية المصرية، وما بين ما يمكن أن تراه على أرض الواقع وما تصوره جحافل وسائط التواصل الاجتماعى.. هنا كل شريحة تمثل شعبًا مختلفًا تمام الاختلاف عن الشعب الثانى، «تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى»، ولننظر مثلًا إلى مفهوم «شهامة المصرى» الذى كان يسرع إلى نجدة ومساعدة كل محتاج، وإن لم تربطه به أى معرفة من أى نوع، حتى إننى أذكر أن صديقة أوروبية حكت لى منذ سنوات عما حدث معها فى الأسبوع الأول لوصولها إلى القاهرة، وما تعرضت له من تحرشات لفظية وحسية، جعلتها تكره المدينة وناسها، وتقرر مغادرتها فى أقرب وقت، بلا رجعة، لكنها فى المساء عندما كانت تجلس فى شرفة غرفتها بالفندق المطل على شارع طلعت حرب، شاهدت سيدة عجوز تسقط من طولها فجأة بجانب الرصيف، فلم تمض ثوان حتى كان حولها عدد لا بأس به من المارة وأصحاب المحلات المجاورة الذين تمكنوا من إفاقتها، ومساعدتها على النهوض، واستعادة قدرتها على السير، والانتهاء مما جاءت إلى وسط البلد من أجله، بل مساعدتها فى العودة إلى منزلها. وقالت لى إنها فى تلك اللحظة قررت ألا تغادر أرضًا فيها هذه الروح المحبة للخير، المسارعة إلى مد يد العون ونجدة المحتاج، والمأزوم. 

أين كانت تلك الروح فى حادثة طريق السويس؟ لماذا لم يحاول أى واحد التعاطف مع سائق السيارة ومساعدته، أو النظر إليه باعتباره شخصًا فى مأزق، أو مشكلة؟ وأغلب الظن أنه كذلك، فليس من العقل فى شىء أن يفعل ما فعله شخص متزن نفسيًا، أو يتصرف بكامل قواه العقلية.

لماذا لم يكن الهدف منذ اللحظة الأولى هو إنقاذه من نفسه، أو محاولة إيقافه لمساعدته؟ ماذا لو كان يمر بأزمة نفسية ويحاول الانتحار؟ ماذا لو كان مريضًا نفسيًا، أو يعانى من ضائقة من أى نوع ويمر بحالة انهيار أو فقدان للتوازن؟ ماذا لو أدت دفعة التريلّا لسيارته بقوة أكبر إلى الاصطدام بعدد آخر من السيارات المجاورة؟ ماذا لو مات الرجل فى أيدى من انهالوا عليه ضربًا وركلًا بالأحذية؟

منذ اللحظة الأولى، تستمع إلى شتائم مصور الفيديو لسائق السيارة، وتوعده له بأنه سوف يحدث له كذا وكذا.. ثم تقرأ تعليقات المتابعين للفيديو وهى تسب مصور الفيديو، وتتهمه بالسلبية والجبن، وتحرضه على التضييق على سائق السيارة، وتسخر منه ومن خوفه على سيارته، ثم الهجوم على سيارة الشرطة التى ظلت تتابع الموقف، وتلاحق السيارة المخالفة دون اشتباك عنيف، وهو التصرف الوحيد الصحيح فى المشهد بالمناسبة، بعدها تأتى عبارات المديح لسائق التريلّا الذى خبط السيارة دون مبالاة أو معرفة بمن بداخلها، أو بحالته العصبية والنفسية.

موجات وموجات من القسوة والعنف اللفظى والبدنى طوال ساعات اليوم، لم تنتهِ بإيقاف السيارة، والاعتداء الجماعى بغل وقسوة على قائدها قبل تسليمه للشرطة، بل استمرت حتى لحظتنا هذه.. ما دلالات هذه الحالة من السيولة الأخلاقية، والاجتماعية والنفسية؟ ما كل هذا العنف؟ كيف تمكنت القسوة والعدوانية منا إلى هذه الدرجة؟ وأين اختفت أسطورة المصرى الشهم ابن النكتة، خفيف الظل، السهل الهين البسيط، المدمن للعبة الرقص مع الحياة، والفرح بها؟

أين اختفى المصريون فى طريق السويس؟ ومن هؤلاء «الزومبى» الذين شاهدهم العالم كله صباح الجمعة يطاردون شخصًا يمر بأزمة ما؟