رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

نخب التنوير وعلوم العصر

كمثال لحالة التراجع فى بعض تخصصات التعليم، كشف الرئيس عبدالفتاح السيسى أنّ هناك 700 ألف خريج سنويًّا من الجامعات، وأنه طلب من وزير الاتصالات أن يتم توفير فرص عمل مبنية على النظم الجديدة، وأضاف أنّه كان هناك مليون وظيفة متوفرة فى هذا الإطار، وأن تكلفة البرنامج 30 ألف دولار للدارس، وأكّد الدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء، أن البرنامج يتضمن تأهيل مبرمجين يكونون قادرين على العمل فى أى سوق عالمية من داخل مصر، وأوضح أنّ الشاب يمكنه العمل من منزله ويكون قادرًا على العمل فى شركات عالمية، ويصل راتبه إلى 20 ألف دولار فى الشهر، ولفت إلى أنّ توجيهات الرئيس تمثّلت فى منح الشباب أفضل برنامج تعليم وتتحمل الدولة التكلفة، موضحًا أنّ الرئيس وجه بإجراء إعلان للشباب للتقدم وبالفعل تقدّم الآلاف من خريجى الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وهندسة حاسبات ..
وعاد الرئيس ليؤكد أنّ الاختبار أجرى على 300 ألف خريج، بينما انطبقت المعايير على 111 فقط منهم، معقبًا: «حصل كده علشان تعليمنا تعبان»، وأكمل: «لو كان فيه 100 ألف طالب كنت مستعد أدفع تكلفة البرنامج له».
وكنت أتصور أن تدفع نخب التنوير وأهل الفكر شبابنا فى اتجاه دخول عصور الحداثة وما بعد الحداثة، وأن تشارك بقوة كل وسائط الإعلام ببيان كل الفرص المتاحة لتطوير مهاراتهم والولوج إلى ميادين جديدة كالتى حدثنا عنها الرئيس.
كنت أتخيل أن ينشغل الإعلام بدخول جامعاتنا ليقوم أساتذتها باستعراض تخصصات كلياتهم بشكل عام والمعاصر والمستقبلى منها بشكل خاص، حتى لا يستشعر طلابنا وأولياء أمورهم فى مراحل التعامل مع مكاتب التنسيق أنهم أمام المجهول.. من منا لا يلاحظ فى أحاديث طلابنا الأوائل أن بعضهم يحدد خياراته بناءً على معلومات قاصرة وأحيانًا خاطئة للأسف!
فى عصور ما قبل الحداثة، كانت النخب تعتبر أن الجماهير غير قادرة على فهم الحقيقة وأنها تفتقر إلى القدرة التى تمكنها من فهم التبصرات العميقة ..
ولكن منذ منتصف القرن التاسع عشر بات الاعتقاد بأن من واجب النخبة تنوير الشعب الذى يمثل مزيدًا من القوة.. وتم اعتماد ذلك بسهولة من قبل المثقف الحديث واستمر فى تحفيز النخب الثقافية حتى سبعينيات القرن العشرين.
إننا نعيش لحظة تنظيم وحشد وإعادة ترتيب للأولويات.. لحظة يبدو فيها المجتمع وكأنه يعيد اكتشاف نفسه، وكأن طوائفه وأقاليمه وطبقاته تعيد التعارف إلى بعضها البعض.. وذلك من فرط ما نتابع من قرارات إيجابية ومشاريع ضخمة تستثمر فى المعنوى والمادى بشكل متسارع ومبهر.. ربما لأول مرة.. إنها لحظة حضورأهل النخبة عندما قررت السعى للوصول إلى توافقات صعبة لا غنى عنها بين أفكار واتجاهات ومصالح متضاربة.
لقد أبهرتنا ثورة 30 يونيو: مجتمع لم تمُت روحه الوثابة كما كنا نعتقد، وجيش عظيم أكثر جاهزية احترافية وتفاعلًا مع نبض الجماهير مما كنا نعرف، وكيان دولة لم يفتته هذا الزلزال كما توقع الكثيرون.
فقط النبأ غير السار التراجع الرهيب فى مستوى وقدر وطموحات وأهلية النخب السياسية القادرة على القيادة وعلى تحويل هذه الطاقة الهائلة التى تفجرت فى أوصال مصر إلى أفكار وبرامج قابلة للتنفيذ، وما أشد حاجتنا اليوم إلى سياسيين لا يمارسون دور الناشط الثائر، ولا يلبسون رداء القائد التاريخى.. وإنما فقط يمارسون السياسة والعمل الوطنى والمدنى برؤية وإخلاص.
وأخيرًا، أرى أن رموز النخبة من السياسيين وأهل الفكر والعلم هم حلقة الوصل بين ما يريده الناس، وبين ما يمكن عمله على أرض الواقع، كما يعلمنا علم الاقتصاد، حيث لدينا احتياجات غير محدودة، فى حين أن الموارد بطبيعتها محدودة.. وعليه، فإن أهل النخبة عليهم أن يقوموا، وبشكل مستمر، ببلورة حاجات الناس- الاقتصادية والاجتماعية والسياسية- وهى حاجات متعارضة ومتضاربة بطبيعتها، ثم يحيلها إلى أولويات وسياسات قابلة للتنفيذ.. وإذا مش نازلين للناس بلاش.. على رأى الخال «الأبنودى».