رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

الهوية والمواطنة

ونحن فى ظلال الاحتفال بالعيد التاسع لثورة ٣٠ يونيو التاريخية؛ يمكن لنا أن نلخص أهم نتائجها العظيمة فى أنها قد حافظت على الهوية المصرية.
والهوية المصرية هى نتاج لتاريخ حافل بالعديد من الحقبات التاريخية. فكانت الحقبة الفرعونية "المصرية القديمة بالأسر الـ٣١" ثم مصر اليونانية وبعدها الرومانية فالقبطية وأخيرًا العربية الإسلامية. كما أنه قد توالت على مصر الإسلامية الدولة الأموية- العباسية- الطولونية- الإخشيدية- الفاطمية- الأيوبية.
ثم مرحلة حكم المماليك والغزو العثمانى الذى استمر أربعة قرون تخللتها الحملة الفرنسية بكل نتائجها وعهد محمد على والأسرة العلوية، الذى تخلله الاحتلال البريطانى وصولًا لثورة يوليو ١٩٥٢. 
وعلى ذلك فقد توالت على مصر ثقافات متباينة، وفى كل حقبة كان هناك نظام سياسى مختلف كان له تأثيره فى هذه الحضارة المصرية الجامعة. وبالرغم من ذلك فقد حافظت مصر على هويتها عبر هذه العصور وتلك الحقبات، فقد كان هناك طابع مصرى لشخصية مصرية قد تشكلت فى هذه البيئة المصرية، وذلك لأنه كما قال شفيق غربال كانت هناك مواءمة بين هذه البيئة وبين العناصر الثقافية المستوردة. 
فهل هناك إشكالية فى هذا؟ 
الإشكالية أن الهوية المصرية ظلت وما زالت رهن مناقشات وحوارات لا تنتهى تحكمها النظرات الذاتية والنعرات الطائفية. فهناك من يتوقف عند القبطية باعتبار أنها هى الحقبة التى استوعبت الحقبات السابقة "فرعونية، يونانية، رومانية"، نتيجة لتأثير اللغة اليونانية على اللغة الهيروغليفية، حيت تحولت إلى اللغة القبطية وهى عبارة عن ثمانية وعشرين حرفًا يونانيًا مضافة لها خمسة حروف مصرية قديمة. 
إضافة إلى ذلك اعتراف الدولة الرومانية بعد احتلالها لمصر بالمسيحية. مصريون مسيحيون تحولوا من الديانة المصرية القديمة إلى المسيحية التى هى غير الإسلام فتوقفوا عند هذه الحقبة وتلك المرحلة! فى المقابل هناك من يأخذ موقفًا مقابلًا لهذا فيختصر الهوية المصرية والتاريخ المصرى فى الحقبة العربية الإسلامية! نعم هؤلاء وأولئك هم قلة متعصبة وغير واعية بتاريخها وغير مستوعبة لهويتها المصرية. 
على ذلك يكون من الصعب أن تتحقق المواطنة على هذه الأرضية الطائفية التى تطيف هذه الهوية. فالمواطنة فقد تم تداول هذا المفهوم فى مصر فى بداية سبعينيات القرن الماضى فى ظل مناخ طائفى بامتياز، حيث تكرار أحداث التوتر الدينى فتم النظر إلى هذا المفهوم «المواطنة» كقيمة حاكمة للعلاقة بين المصريين من المسيحيين والمسلمين من جهة ومن جهة أخرى فى إطار الوضعية الدستورية والقانونية للمصريين عمومًا والمسيحيين خصوصًا. وهنا كان الربط بين المواطنة والحالة الدينية!
نعم الآن قد أصبح تعبير المواطنة يتم تداوله كثيرًا ولكن على أرضيات مختلفة، بل أحيانًا تكون متباينة. نعم هناك المادة ٥٣ من الدستور التى لا تفرق فى الحقوق والواجبات بين كل المصريين على أرضية أو لأى سبب. نعم هناك قانون لا يفرق بين مصرى ومصرى، ولكن نجد على أرض الواقع أن المواطنة ليست متواجدة ليس بسبب الأرضية الدينية فحسب، ولكن على الأرضية الاجتماعية والطبقية والسياسية والاقتصادية. مع العلم أن هناك فارقًا بين المواطنة وحقوق الإنسان. فحقوق الإنسان هى حق فى المسكن والملبس والتعليم والصحة... إلخ. يمكن لأى إنسان يقيم فى وطن غير وطنه أن يتمتع بهذه الحقوق. وهذا غير المواطنة التى لا يتمتع بها غير المواطن وعلى أرض مصر. 
وهذا يعنى أن المواطنة لا تقتصر على الدستور والقانون نظريًا دون تطبيق، أو على جلسات المجاملات الاجتماعية وإن كانت مطلوبة بالطبع. ولكن المواطنة تعنى حركة الأفراد اليومية على أرض الواقع وحصولهم على الحقوق السياسية: «انتخابًا وترشيحًا والمشاركة فى اتخاذ القرار»، والحقوق الاقتصادية: «فرص العمل وتحقيق العدالة الاجتماعية»، والثقافية: «التعبير عن الثقافات الخاصة فى المجال الخاص مع المشاركة فى المجال العام من خلال الثقافة المصرية الجامعة والمعبرة عن هويتنا المصرية، مع المشاركة فى العملية الإنتاجية للحصول على الحق فى الدخل القومى». المواطنة هى المشاركة والتشاركية على قدم المساواة، وليست حالة الجيرة الاجتماعية "الجيران". 
فهل ونحن فى إطار البداية لحوار وطنى أن توضع على جدول أعماله هذه القضية حتى نجد الحل العملى، وحتى نبدأ أولى الخطوات الصحيحة للتمسك بهويتنا المصرية الجامعة، وحتى نحقق المواطنة الحقيقية لكل المصريين بلا استثناء على أى أرضية كانت؟
ولا شك أن الخطوة الأولى والأهم هى تصحيح الفكر الدينى الذى يعمل على تأكيد قبول الآخر الدينى وغير الدينى، حتى نعلى هويتنا المصرية، ونحقق المواطنة لكل المصريين. 
حمى الله مصر وشعبها العظيم لتظل مصر لكل المصريين.